تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

مخايل السؤدد وأسبابه ومخايل السوء

قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة ﵀: حدّثني عبد الرحمن بن عبد الله بن قريب عن عمه الأصمعي قال: أخبرنا جميع بن أبي غاضرة وكان شيخا مسنّا من أهل البادية وكان من ولد الزّبرقان بن بدر من قبل النساء، قال:

كان الزبرقان يقول: أبغض صبياننا إليّ الأقيعس الذكر الذي كأنما يطّلع في حجره، وإن سأله القوم أين أبوك، هرّ في وجوههم وقال: ما تريدون من أبي.

وأحبّ صبياننا إليّ الطويل الغرلة، السّبط الغرّة، العريض الورك، الأبله العقول الذي يطيع عمّع ويعصى أمه، وإن سأله القوم أين أبوك، قال: معكم.

قال: وقال الأصمعي: قال معاوية: ثلاث من السؤدد: الصّلع، واندحاق البطن، وترك الإفراط في الغيرة.

قال وقيل لأعرابي: بم تعرفون سؤدد الغلام فيكم؟ فقال: إذا كان سائل الغرّة طويل الغرلة ملتاث الإزرة وكانت فيه لوثة فلسنا نشكّ في سؤدده. وقيل لآخر: أيّ الغلمان أسود؟ قال: إذا رأيته أعنق أشدق أحمق فأقرب به من السؤدد. وكان يقال: إذا رأيت الغلام غائر العينين ضيّق الجبهة حديد الأرنبة كأنما جبينه صلاية فلا ترجه، إلا أن يريد الله أمرا فيبلغه.

حدّثنا الرياشيّ عن الأصمعي قال: قريش تمدح بالصّلع.

وأنشد:

إنّ سعيدا وسعيد فرعأصلع تنميه رجال صلع

ونظر رجل إلى معاوية وهو غلام صغير فقال: إني أظن هذا الغلام سيسود قومه. فقالت هند: ثكلته إن كان لا يسود إلا قومه.

قال شبيب بن شيبة لبعض فرسان بني منقر: ما مطلت مطل الفرسان ولا فتقت فتق السادة. وقال آخر لسنان بن سلمة الهذليّ: ما أنت بأرسح فتكون فارسا ولا بعظيم الرأس فتكون سيدا. وقال بعض الشعراء:

فقبّلت رأسا لم يكن رأس سيّدوكفّا ككفّ الضّبّ أو هي أحقر

وقال آخر:

دعا ابن مطيع للبياع فجئتهإلى بيعة قلبي لها غير آلف
للشاعر عبد الله بن همام السلولي، اقرأ القصيدة
فناولني خشناء لمّا لمستهابكفّي ليست من أكفّ الخلائف

وقرأت في كتاب للهند أنه قد قيل في الفراسة والتّوسّم: إنه من صغرت عينه ودام اختلاجها وتتابع طرفها ومال أنفه إلى أيمن شقّيه وبعد ما بين حاجبيه وكانت منابت شعره ثلاثا ثلاثا وطال إكبابه إذا مشى، وتلفّت تارة بعد أخرى، غلبت عليه أخلاق السوء.

كان يقال: أربع يسوّدن العبد: الأدب، والصّدق، والعفّة، والأمانة.

وقال بعض الشعراء في النبي ﷺ:

لو لم تكن فيه آيات مبيّنةكانت بداهته تنبيك بالخبر
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «لو لم تكن فيه آيات مبينة»

وقال معاوية: إني لأكره البكاءة في السيد وأحب أن يكون عاقلا متغافلا وقال الشاعر في هذا المعنى:

ليس الغبيّ بسيد في قومهلكنّ سيّد قومه المتغابي
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لو أن دهرا رد رجع جواب»

ويقال في مثل: «ليس أمير القوم بالخبّ الخدع». وقال الفرزدق:

لا خير في خبّ من ترجى فواضلهفاستمطروا من قريش كلّ منخدع
كأنّ فيه إذا حاولته بلهاعن ماله وهو وافي العقل والورع

وقال إياس بن معاويه: لست بخبّ والخبّ لا يخدعني. وقال مالك بن أنس عن ابن شهاب: الكريم لمّا تحكمه التجارب.

قال بعض الشعراء:

غير أني أراك من أهل بيتما على المرء أن يسودوه عار
للشاعر عبيد الله بن عبدالله بن طاهر، من قصيدة «ان أ كن مهدياً لك الشعر اني»

وقال عمر بن الخطاب ﵁: السيد الجواد حين يسأل، الحليم حين يستجهل، البارّ بمن يعاشر. قال عديّ بن حاتم: السيد الذليل في نفسه، الأحمق في ماله، المطّرح لحقده، المعنيّ بأمر عامّته. سئل خالد بن صفوان عن الأحنف بم ساد، فقال: بفضل سلطانه على نفسه. وقيل لقيس بن عاصم: بم سدت قومك؟ فقال: ببذل القرى وترك المرا ونصرة المولى. وقال علي بن عبد الله بن عباس: سادة الناس في الدنيا الأسخياء وفي الآخرة الأتقياء. وقال سلم

ابن قتيبة لولده: إنكم لن تسودوا حتى تصبروا على سرار الشيوخ البخر. وقال:

الدنيا هي العافية، والصحة هي الشباب، والمروءة الصبر على الرجال. قال عمرو بن هدّاب: كنا نعرف سؤدد سلم بن قتيبة بأنه كان يركب وحده ويرجع في خمسين. وقال رجل للأحنف وأراد عيبه: بم سدت قومك؟ قال: بتركي من أمرك ما لا يعنيني كما عناك من أمري ما لا يعنيك. وقال عبد الملك بن مروان لابن مطاع العنزيّ: أخبرني عن مالك بن مسمع. فقال له: لو غضب مالك لغضب معه مائة ألف لا يسألونه في أيّ شيء غضب. فقال عبد الملك: هذا وأبيك السّؤدد، ولم يل شيئا قط. وكذلك أسماء بن خارجة لم يل شيئا قط.

قيل لعرابة الأوسيّ: بم سدت قومك؟ فقال بأربع: أنخدع لهم عن مالي، وأذلّ لهم في عرضي، ولا أحقر صغيرهم، ولا أحسد رفيعهم. وقال المقنّع الكنديّ وهو محمد بن عميرة:

ولا أحمل الحقد القديم عليهموليس رئيس القوم من يحمل الحقدا
للشاعر المقنع الكندي، من قصيدة «وإن بادهوني بالعداوة لم أكن»
وليسوا إلى نصري سراعا وإن همدعوني إلى نصر أتيتهم شدّا
للشاعر المقنع الكندي، من قصيدة «يعاتبني في الدين قومي وإنما»
إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهموإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
يعيّرني بالدّين قومي وإنماديوني في أشياء تكسبهم حمدا

وقال آخر:

هينون لينون أيسار ذوو يسرسوّاس مكرمة أبناء أيسار
للشاعر عبيد بن العرندس الكلابي، اقرأ القصيدة
لا ينطقون على الفحشاء إن نطقواولا يمارون إن ماروا بإكثار
للشاعر عبيد بن العرندس الكلابي، اقرأ القصيدة
من تلق منهم تقل لاقيت سيّدهممثل النجوم التي يسري بها الساري
للشاعر عبيد بن العرندس الكلابي، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

وإنّ سيادة الأقوام فاعلملها صعداء مطلعها طويل
للشاعر حبيب الأعلم، اقرأ القصيدة

وقال رجل من العرب: نحن لا نسوّد إلا من يوطّئنا رحله ويفرّشنا عرضه ويملّكنا ماله. وفي الحديث المرفوع: «من بذل معروفه وكفّ أذاه فذلك السيد».

ويقال: لا سؤدد مع انتقام. والعرب تقول: «سيد معمّم» يريدون أنّ كل جناية يجنيها أحد من عشيرته معصوبة برأسه. ويقال: بل السيد منهم كان يعتمّ بعمامة صفراء لا يعتمّ بها غيره. وإنما سمّى الزّبرقان بصفرة عمامته. يقال:

زبرقت الشيء إذا صفّرته، وكان اسمه حصينا. قيل لابن هبيرة: من سيد الناس اليوم؟ قال: الفرزدق، هجاني ملكا ومدحني سوقة. وقال عامر بن الطّفيل:

إني وإن كنت ابن سيد عامروفارسها المشهور في كل موكب
فما سوّدتني عامر عن وراثةأبى الله أن أسمو بأمّ ولا أب
للشاعر عامِر بن الطُفَيل، اقرأ القصيدة
ولكنّني أحمي حماها وأتّقيأذاها وأرمي من رماها بمنكب
للشاعر عامِر بن الطُفَيل، اقرأ القصيدة

هذا نحو قول الآخر:

نفس عصام سوّدت عصاماوعلّمته الكرّ والإقداما
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «نفس عصام سودت عصاما»

وصيّرته ملكا هماما

وعصام عبد كان للنعمان بن المنذر. وله يقول النابغة

فإنّي لا ألوم على دخولولكن ما وراءك يا عصام؟

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأخبار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.