من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
باب في الخيل
حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا سفيان بن عيينة عن شبيب بن غرقدة عن عروة البارقي قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة».
حدّثني يزيد بن عمرو قال: حدّثني أشهل بن حاتم قال: حدّثني موسى ابن علي بن رباح اللّخمي عن أبيه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني أريد أن أعدّ فرسا. قال رسول الله ﷺ: «فاشتره إذا أدهم أو كميتا أقرح أرثم أو محجّلا مطلق اليمين» وفي حديث آخر «فإنها ميامين الخيل ثم اغز تسلم وتغنم إن شاء الله».
حدّثني سهل بن محمد قال: أخبرني أبو عبيدة أن النبي ﷺ قال:
«عليكم بإناث الخيل فإن ظهورها حرز وبطونها كنز» قال: وكان النبي ﷺ يستحبّ من الدواب الشّقر ويقول: «لو جمعت خيل العرب كلها في صعيد
واحد ما سبقها إلا أشقر». وسأل رجل رسول الله ﷺ: أيّ المال خير؟ قال:
«سكة مأبورة» يعني النخل «ومهرة مأمورة» يريد كثيرة النتاج. قال: وكان يكره الشّكال في الخيل. قال أبو ذرّ: ما من ليلة إلا والفرس يدعو فيها ربه ويقول: اللهمّ سخّرتني لابن آدم وجعلت رزقي بيده فاجعلني أحبّ إليه من أهله وماله، اللهمّ ارزقه وارزقني على يديه. سأل المهدي مطر بن درّاج: أيّ الخيل أفضل؟ قال: الذي إذا استقبلته قلت نافر، وإذا استعرضته قلت زافر، وإذا استدبرته قلت زاخر. قال: فأيّ البراذين شر؟ قال: الغليظ الرقبة الكثير الجلبة الذي إذا أرسلته قال: أمسكني وإذا أمسكته قال:
أرسلني. قال: فأيّ البراذين خير؟ قال: ما طرفه إمامه وسوطه عنانه.
وصف رجل برذونا فقال: إن تركته نعس وإن حرّكته طار. وقال ابن أقيصر: خير الخيل الذي إذا استقبلته أقعى وإذا استدبرته جبّى وإذا استعرضته استوى وإذا مشى ردى وإذا عدا دحا.
محمد بن سلّام قال: أرسل مسلم بن عمرو بن عمّ له إلى الشام ومصر يشتري له خيلا فقال: لا علم لي بالخيل قال: ألست صاحب قنص؟
قال: بلى. قال: فانظر، كلّ شيء تستحسنه في الكلب فاطلبه في الفرس.
فقدم بخيل لم يك في العرب مثلها. وقالوا: سمّيت خيلا لاختيالها.
وذكر أعرابي فرسا وسرعته فقال: لما خرجت الخيل جارى بشيطان في أشطان فلما أرسلت لمع لمعة سحاب فكان أقربها إليه الذي تقع عينه عليه.
وسئل رجل من بني أسد: أتعرف الفرس الكريم؟ قال: أعرف الجواد المبرّ من المبطىء المقرف. أما الجواد المبرّ فالذي نهز نهز العير وأنّف تأنيف السّير، الذي إذا عدا اسلهبّ وإذا قيّد اجلعبّ وإذا انتصب اتلأبّ. وأما المبطىء المقرف فالمدلوك الحجبة الضخم الأرنبة الغليظ الرقبة الكثير الجلبة الذي إن أرسلته قال: أمسكني وإن أمسكته قال: أرسلني وأنشد الرّياشي»
كمهر سوء إذا سكّنت شرّتهرام الجماح فإن رفّعته سكنا
حدّثني عبد الرحمن بن عبد الله قال: حدّثني الأصمعي عن أبي عمرو ابن العلاء أن عمر بن الخطاب شكّ في العتاق والهجن، فدعا سلمان بن ربيعة الباهلي فأخبره، فأمر سلمان بطست فيه ماء فوضع في الأرض ثم قدّمت الخيل إليه فرسا فرسا فما ثنى منها سنبكه فشرب هجّنه، وما شرب ولم يثن
سنبكه عرّبه. وذلك لأن في أعناق الهجن قصرا فهي لا تنال الماء على تلك الحال حتى تثني سنابكها وأعناق العتاق طوال.
وحدّثني أبو حاتم قال: حدّثنا الأصمعيّ قال: ذكروا أن كسرى كان إذا أتاه سائسه فقال: الفرس يشتكي حافره، قال: المطبخ. وإذا قال: يشتكي ظهره، قال: البيطار.
وأنشدني أبو حاتم لأبي ميمون العجليّ وهو النّضر بن سلمة في شعر طويل له يصف الفرس، وقال قرأته على أبي عبيدة وعلى الأصمعيّ:
الخيل منّي أهل ما أن يدنينوأن يقرّبن وأن لا يقصّين
وأن يبأبأن وأن يفدّينوأن يكون المحض مما يسقين
وأهل أن يعلين أو يغالينبالطّرف والتّلد وأن لا يجفين
وأهل ما صحبننا أن يقفينوأهل ما أعقبننا أن يجزين
أليس عزّ الناس فيما أبلينوالحسب الزاكي إذا ما يقنين؟
والأجر والزّين إذا ريم الزّينكم من كريم جدّه قد أعلين
وكم طريد خائف قد أنجينومن فقير عائل قد أغنين
وكم برأس في لبان أجرينوجسد للعافيات أعرين
وأهل حصن في امتناع أرذينوكم لها في الغنم من ذي سهمين
يكون فيما اقتسموا كالرجلينوكم وكم أنكحن من ذي طمرين
بغير مهر عاجل ولا دينوالخيل والخيرات في قرينين
لا تشتكينّ عملا ما أنقينما دام مخّ في سلامى أو عين
ما بلّل الصوفة ماء البحرين
وأنشدني أبو حاتم عن أبي عبيدة. قال: وقال: لي أبو عبيدة: لا أعرف قائل هذا الشعر وعروضه لا يخرّج. قال أبو حاتم: أحسبه لعبد الغفار الخزاعي:
ذاك وقد أذعر الوحوش بصلت الخدّ رحب لبانه مجفر
طويل خمس قصير أربعةعريض ست مقلّص حشور
حدّت له تسعة وقد عريتتسع ففيه لمن رأى منظر
ثم له تسعة كسين وقدأرحب منه اللّبان والمنخر
بعيد عشر وقد قربن لهعشر وخمس طالت ولم تقصر
نقفيه بالمحض دون ولدتناوعضّه في آريّه ينثر
نصبحه تارة ونغبقهألبان كوم روائم أظؤر
حتى شتا بادنا يقال ألايطوون من بدنه وقد أضمر
موثّق الخلق جرشع عتدمنضرج الحضر حين يستحضر
خاظي الحماتين لحمه زيمنهد شديد الصّفاق والأبهر
رقيق خمس غليظ أربعةنائي المعدّين ليّن الأشعر
وقد فسّرت هذا الشعر في كتابي المؤلف في أبيات المعاني في خلق الفرس. أنشدنا أبو سعيد لبعض الضّبّيين في وصف فرس:
متقاذف عبل الشّوى شنج النّساسبّاق أندية الجياد عميثل
وإذا تعلّل بالسّياط جيادهاأعطاك نائله ولم يتعلّل
قيل لما وضعت حرب صفّين أوزارها قال عمرو بن العاص:
شبّت الحرب فأعددت لهامفرع الحارك مرويّ الثّبج
جرشعا أعظمه جفرتهفإذا ابتلّ من الماء حرج
يصل الشّد بشدّ فإذاونت الخيل من الشدّ معج
ووجدت في كتاب من كتب الروم أن من علامة فراهة المهر الحولي صغر رأسه وشدّة سواد عينيه وأن يكون محدّد الأذنين أجرد باطنها كثيف العرف، في عرفه ميل من قبل يمين راكبه عريض الصدر مرتفع الهادي معتدل العضدين مكتنز الجنبين طويل الذنب عريض الكفل مستدير الحوافر صحيح باطنها، ومن علامة فراهة المهر ألا يكون نفور ولا يقف عند دابة إلا مع أمّه وإذا دفع إلى عين أو نهر ماء لم يقف لتجاوزه دابة فيسير بسيرها ولكنه يقطع ذلك النهر والعين.
قالوا: ومما يسلم الله به الخيل من العين وأشباه ذلك أن يجعل في أعناقها خرزة من قرون الأيايل.
حدّثني محمد بن عبيد عن معاوية عن أبي إسحاق عن سفيان عن حصين بن عبد الرحمن عن هلال بن إساف وعن سحيم بن نوفل قالا: كنا جلوسا عند عبد الله بن مسعود ونحن نعرض المصاحف، فجاءت جارية إلى سيّدها فقالت: ما يجلسك؟ قم فابتغ لنا راقيا فإن فلانا لقع مهرك بعينه فتركته يدور كأنه فلك. فقال عبد الله: لا تبتغ راقيا ولكن اذهب فانفث في منخره الأيمن أربعا وفي الأيسر ثلاثا ثم قل: بسم الله لا باس لا باس أذهب الباس
ربّ النّاس واشف أنت الشافي لا يكشف الضراء إلا أنت. قال: فما قمنا حتى جاء الرجل فقال: قد فعلت الذي أمرتني به فبال وراث وأكل.
حدّثني أبو حاتم عن أبي عبيدة أنه قال: إذا كان الفرس صلودا لا يعرق سقيته ماء قد دفت فيه خميرة أو علفته ضغثا من هندباء فإن ذلك يكثر عرقه، فإن حمر أدخلته الحمّام وأشمّه عذرة. فقلت لأبي عبيدة: ما يدريك أنّ هذا كذا؟ فقال: أخبرني به جلّ الهنديّ وكان بصيرا. قال: فإن أصابته مغلة وهي وجع البطن من أكل التراب أخذ له شيء من بورق فدقّ ونخل فجعل في ربع دورق من خمر فحقن به وبلّ تراب طيّب ببول أتان حتى يصير طينا ثم لطخ به بطن الدابة. قال: ومما يذهب العرن دماغ الأرنب.
وقف الهيثم بن مطهّر على باب الخيزران على ظهر دابته، فبعث إليه الكاتب في دارها: انزل عن ظهر دابتك فقد جاء في الأثر: لا تجعلوا ظهور دوابّكم مجالس. فبعث إليه: إني رجل أعرج وإن خرج صاحبي خفت ألّا أدركه. فبعث إليه: إن لم تنزل أنزلناك. قال: هو حبيس إن أنزلتني عنه إن أقضمته شهرا فانظر أيّما خير له، راحة ساعة أو جوع شهر؟ فقال: هذا شيطان، اتركوه.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع