من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
التفويز
حدّثني أبي، أحسبه عن الهيثم بن عديّ قال: لما كتب أبو بكر ﵁ إلى خالد بن الوليد يأمره بالمسير إلى الشام واليا مكان أبي عبيدة بن الجرّاح، أخذ على السّماوة حتى انتهى إلى قراقر، وبين قراقر
وسوى خمس ليال في مفازة، فلم يعرف الطريق، فدلّ على رافع بن عميرة الطائي وكان دليلا خرّيتا فقال لخالد: خلّف الأثقال واسلك هذه المفازة إن كنت فاعلا؛ فكره خالد أن يخلّف أحدا وقال: لا بد من أن نكون جميعا. فقال له رافع: والله إن الراكب المنفرد ليخافها على نفسه وما يسلكها إلا مغرّر مخاطر بنفسه، فكيف أنت بمن معك؟ فقال: لا بدّ من ذلك. فقال الطائي لخالد:
إبغني عشرين جزورا مسانّ عظاما ففعل فظمّأهنّ ثم سقاهنّ حتى روين ثم قطع مشافرهنّ وكعمهنّ لئلا تجترّ، ثم قال لخالد: سر بالخيول والأثقال فكلما نزلت منزلا نحرت من تلك الجزر أربعا ثم أخذت ما في بطونها من الماء فسقيته الخيل وشرب الناس مما تزوّدوا، ففعل. فلما صار إلى آخر المفازة انقطع ذلك وجهد الناس وعطشت دوابّهم، فقال له خالد: ويحك، ما عندك؟
قال: أدركت الريّ إن شاء الله، أنظروا هل تجدوا شجرة عوسج على ظهر الطريق؟ فنظروا فوجدوها فقال: إحفروا في أصلها، فحفروا فوجدوا عينا فشربوا منها وتزوّدوا، فقال رافع: والله ما وردت هذا الماء قطّ إلا مرة واحدة مع أبي وأنا غلام. فقال راجز المسلمين في ذلك:
لله درّ رافع أنّى اهتدىفوّز من قراقر إلى سوى
أرضا إذا سار بها الجيش بكىما سارها قبلك من إنس أوى
قال ولما مرّ خالد بموضع يقال له البشر طلع على قوم يشربون وبين أيديهم جفنة وأحدهم يتغنّى:
ألا علّلاني قبل جيش أبي بكرلعلّ منايانا قريب وما ندري
ألا علّلاني بالزّجاج وكرّراعليّ كميت اللون صافية تجري
أظنّ خيول المسلمين وخالداسيطرقكم قبل الصباح من البشر
فهل لكم في السير قبل قتالهموقبل خروج المعصرات من الخدر
فما هو إلا أن فرغ من قوله شدّ عليه رجل من المسلمين بالسيف فضرب عنقه فإذا رأسه في الجفنة، ثم أقبل على أهل البشر فقتل منهم وأصاب من أموالهم.
ابن الكلبي قال: أقبل قوم من أهل اليمن يريدون النبي، ﷺ، فأضلّوا الطريق ووقعوا على غير ماء فمكثوا ثلاثا لا يقدرون على الماء فجعل الرجل منهم يستذري بفيء السّمر والطّلح يأسا من الحياة، فبينا هم كذلك أقبل راكب على بعير فأنشد بعض القوم بيتين من شعر امرىء القيس:
لمّا رأت أنّ الشريعة همّهاوأنّ البياض من فرائصها دامي
تيمّمت العين التي عند ضارجيفيء عليها الظّل عرمضها طامي
فقال الراكب: من يقول هذا؟ قالوا: امرؤ القيس. قال: والله ما كذب، هذا ضارج عندكم، وأشار إليه، فجثوا على الرّكب فإذا ماء غدق وإذا عليه
العرمض والظلّ يفيء عليه فشربوا منه ريّهم وسقوا وحملوا حتى بلغوا الماء، فأتوا النبي، ﷺ، فأخبروه وقالوا: يا رسول الله، أحيانا بيتان من شعر امرىء القيس قال: «ذاك رجل مذكور في الدنيا شريف فيها منسي في الآخرة خامل فيها، يجيء يوم القيامة معه لواء الشعراء يقودهم إلى النار».
حدّثني عبد الرحمن بن عبد الله بن قريب عن عمه الأصمعي عن رجل من بني سليم أن رفقة ماتت من العطش بالشّجي، فقال الحجاج: إني أظنهم قد دعوا الله حين بلغهم الجهد فاحفروا في مكانهم الذي ماتوا فيه لعل الله يسقي الناس. فقال رجل من جلسائه: أيها الأمير، قد قال الشاعر:
تراءت له بين اللّوى وعنيزةوبين الشّجى مما أحال على الوادي
والله ما تراءت له إلا وهي على ماء. فأمر الحجاج عبيدة السلمي أن يحفر بالشجى بئرا فحفر فأنبط، ويقال: إنه لم يمت قوم قطّ عطشا إلا وهم على ماء.
قالت العرب: «أن ترد الماء بماء أكيس». ويقال في مثل: «برد غداة غرّ عبدا من ظمأ».
في الطّيرة والفأل
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي قال: هرب بعض البصريين من الطاعون فركب حمارا له ومضى بأهله نحو سفوان فسمع حاديا يحدو خلفه وهو يقول:
لن يسبق الله على حمارولا على ذي ميعة مطّار
أو يأتي الحتف على مقدارقد يصبح الله أمام السّاري
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي قال: حدّثني سعيد بن سلم بن قتيبة عن أبيه أنه كان يعجب ممن يصدّق بالطيرة ويعيبها أشدّ العيب وقال: فرقت لنا ناقة وأنا
بالطّفّ فركبت في إثرها فلقيني هانىء بن عتبة من بني وائل يركض وهو يقول:
والشرّ يلقى مطالع الأكم
ثم لقيني رجل آخر من الحي فقال وهو للبيد:
ولئن بعثت لهم بغاة ما البغاة بواجدينا
ثم دفعت إلى غلام قد وقع في صغره في نار فأحرقته فقبح وجهه وفسد، فقلت له: هل ذكرت من ناقة فارق؟ قال: هنها أهل بيت من الأعراب فانظر.
فوجدناها قد نتجت ومعها ولدها. يقال: ناقة فارق: قد ضربها الطّلق، وسحابة فارق: قد دنا هراقة مائها. قال المرقّش:
ولقد غدوت، وكنت لاأغدو، على واق وحاتم
فإذا الأشائم كالأيامن، والأيامن كالأشائم
وكذاك لا خير ولاشرّ على أحد بدائم
وقال آخر:
وليس بهيّاب إذا شدّ رحلهيقول عداني اليوم واق وحاتم
ولكنه يمضي على ذاك مقدماإذا صدّ عن تلك الهنات الخثارم
وقال آخر:
تعلّم أنه لا طير إلّاعلى متطيّر وهو الثّبور
بلى، شيء يوافق بعض شيءأحايينا وباطله كثير
حدّثني الرياشي عن الأصمعي قال: سألت ابن عون عن الفأل فقال:
هو أن تكون مريضا فتسمع: يا سالم، أو باغيا فتسمع: يا واجد. وفي الحديث المرفوع «أصدق الطّيرة الفأل». وفيه «الطّير تجري بقدر».
أراد أبو العالية أن يخرج من البصرة لعلّة كانت به فسمع مناديا ينادي:
يا متوكل، فحطّ رحله وأقام.
وقال عكرمة: كنا جلوسا عند ابن عمر وابن عباس ﵄ فمر طائر يصيح، فقال رجل من القوم: خير خير. فقال ابن عباس: لا خير ولا شر. قال كعب لابن عباس: ما تقول في الطّيرة قال: وما عسيت أن أقول فيها؟ لا طير إلا طير الله ولا خير إلا خير الله ولا إله إلا الله ولا حول ولا قوّة
إلا بالله. قال كعب: إن هذه الكلمات في كتاب الله المنزل. يعني التوراة.
حدّثني محمد بن يحيى القطعيّ قال: حدّثني عبد الأعلى عن سعيد عن قتادة عن أبي حسان الأعرج أن رجلين دخلا على عائشة ﵂ فقالا: إن أبا هريرة يحدّث أن رسول الله ﷺ قال: إنما الطّيرة في المرأة والدار والدابة فطارت شفقا ثم قالت: كذب، والذي أنزل الفرقان على أبي القاسم، من حدّث بهذا عن رسول الله ﷺ، إنما قال رسول الله ﷺ: «كان أهل الجاهلية يقولون إنّ الطّيرة في الدابة والدار والمرأة» ثم قرأت: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها
كان عبد الله بن زياد صوّر في دهليزه كلبا وأسدا وكبشا وقال: كلب نابح وكبش ناطح وأسد كالح. وأنشدني أبو حاتم عن الأصمعيّ:
يا أيّها المضمر همّا، لا تهمّإنك إن تقدر لك الحمّى تحمّ
ولو علوت شاهقا من العلمكيف توقّيك وقد جفّ القلم
ولما أمر معاوية بقتل حجر بن عديّ الكنديّ في ثلاثة عشر رجلا معه قال حجر: دعوني أصلّ ركعتين، فتوضّأ وأحسن الوضوء، ثم صلى وطوّل فقيل له: أجزعت؟ فقال: ما توضّأت قطّ إلّا صليت، ولا صليت قط صلاة أخفّ منها. وإن أجزع فقد رأيت سيفا مشهورا وكفنا منشورا وقبرا محفورا.
فقيل له: مدّ عنقك، فقال: إن ذلك لدم ما كنت لأعين عليه. فقدّم فضربت عنقه. وكان معاوية بعث رجلا يقال له هدبة لقتلهم، وكان أعور، فنظر إليه رجل من خثعم فقال: إن صدقت الطّيرة قتل نصفنا، فلما قتل سبعة بعث معاوية رسولا آخر بعافيتهم فلم يقتل الباقون.
خرج كثيّر عزّة إلى مصر يريد عزّة، فلقيه أعرابيّ من نهد فقال: يا أبا صخر، أين تريد؟ فقال: أريد عزّة بمصر. قال: فهل رأيت في وجهك شيئا؟
قال: لا إلا أني رأيت غرابا ساقطا فوق بانة ينتّف ريشه. فقال له: توافي مصر وقد ماتت عزة. فانتهره كثيّر ثم مضى فوافى مصر والناس ينصرفون عن جنازة عزة، فقال:
فما أعيف النّهديّ لا درّ درّهوأزجره للطير لا عزّ ناصره
رأيت غرابا ساقطا فوق بانةينتّف أعلى ريشه ويطايره
فأما غراب فاغتراب ووحشةوبان فبين من حبيب تعاشره
وهوي بعد عزّة امرأة من قومه يقال لها: أمّ الحويرث. فخطبها فأبت وقالت: لا مال لك، ولكن اخرج فاطلب فإني حابسة نفسي عليك. فخرج يريد بعض بني مخزوم، فبينا هو يسير عنّ له ظبي فكره ذلك ومضى فإذا هو بغراب يحثوا التراب على وجهه فكرهه وتطيّر منه، فانتهى إلى بطن من الأزد يقال لهم بنو لهب، فقال: أفيكم زاجر؟ قالوا: نعم، فأرشدوه إلى شيخ منهم فأتاه فقصّ عليه القصة، فقال: قد ماتت أو خلف عليها رجل من بني عمها.
فلما انصرف وجدها قد تزوّجت فقال:
تيممّت لهبا أطلب العلم عندهموقد ردّ علم العائفين إلى لهب
فقال جرى الطير السّنيح ببينهافدونك فاهمل جدّ منهمر سكب
فإلّا تكن ماتت فقد حال دونهاسواك خليل باطن من بني كعب
حدّثني أبو سفيان الغنويّ قال: حدّثني خالد بن يزيد الصّفّار قال:
حدّثنا همّام بن يحيى بن قتادة عن حضرميّ بن لاحق أو عن أبي سلمة أنّ النبي، ﷺ، كتب إلى امرأته: «إذا أبردتم إليّ بريدا فاجعلوه حسن الوجه حسن الاسم».
خرج عمر إلى حرّة واقم فلقي رجلا من جهينة فقال له: ما اسمك؟
قال: شهاب. قال: ابن من؟ قال: ابن جمرة. قال: وممن أنت؟ قال: من الحرقة. ثم قال: ممن؟ قال: من بني ضرام. فقال له عمر: أدرك أهلك وما أراك تدركهم إلا وقد احترقوا، فأتاهم وقد أحاطت النار بهم.
خرج ابن عامر إلى المدينة فإذا هو في طريقه بنعامات خمس، فقال لأصحابه: قولوا في هذه. فقال بشر بن حسان: بلغني أن رسول الله ﷺ قال:
«لا عدوى ولا طيرة» ومن علم شيئا فليقله ولكني أقول: فتنة خمس سنين.
قرأت في كتب العجم أنّ كسرى بعث وهرز إلى اليمن لقتال الحبشة
فلما اصطّفوا قال وهرز لغلام له: أخرج إليّ من الجعبة نشّابة وكان الأسوار يكتب على كل نشّابة في جعبته، فمنها ما يكتب عليه اسم الملك، ومنها ما يكتب عليه اسم نفسه، ومنها ما يكتب عليه اسم ابنه، ومنها ما يكتب عليه اسم امرأته. فأدخل العبد يده فأخرج له نشابة عليها اسم امرأته فتطيّر وقال:
أنت المرأة وعليك طائر السوء. ردّها وهات غيرها. فردّها وضرب بيده فأخرج تلك النشابة بعينها ففكر وهرز في طائره ثم انتبه فقال: زنان. وزنان بالفارسية: النساء. ثم قال: زن آن، فإذا ترجمتها: إضرب ذلك قال: نعم الطائر هذا. ثم وضعها في كبد قوسه ثم قال: صفوا لي ملكهم، فوصفوه بياقوتة بين عينيه. ثم إنه مغط في قوسه حتى إذا ملّأها سرّحها فأقبلت كأنها رشاء منقطع حتى فضّت الياقوتة فطار فضاضها ثم فلقت هامته وهزم القوم.
وقال المعلوط:
تنادى الطائران ببين سلمىعلى غصنين من غرب وبان
فكان البان أن بانت سليمىوفي الغرب اغتراب غير داني
أخذ معناها أبو الشّيص فقال:
أشاقك والليل ملقي الجرانغراب ينوح على غصن بان
أحصّ الجناح شديد الصياحيبكّي بعينين ما تذرفان
وفي نعبات الغراب اغترابوفي البان بين بعيد التداني
وقال الطائيّ:
أتضعضعت عبرات عينك أن دعتورقاء حين تضعضع الإظلام؟
لا تنشجنّ لها فإنّ بكاءهاضحك وإنّ بكاءك استغرام
هنّ الحمام فإن كسرت عيافةمن حائهنّ فإنهنّ حمام
حدّثني أحمد بن الخليل قال: حدّثني موسى بن مسعود عن عكرمة بن عمّار عن إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال: جاء رجل منا إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إنّا نزلنا دارا فكثر فيها عددنا وكثرت فيها أموالنا ثم تحوّلنا منها إلى أخرى فقلّت فيها أموالنا وقلّ فيها عددنا فقال رسول الله ﷺ: «ذروها وهي ذميمة».
بلغني عن ابن كناسة عن مبارك بن سعيد أخي سفيان الثّوريّ قال:
بلغنا أن أعرابيا أضاع ذودا له فخرج في الطلب حتى أدركه العطش، فمرّ بأعرابي يحتلب ناقة فنشده ضالّته فقال له: متى خرجت في الطلب؟ ادن مني حتى أسقيك لبنا وأرشدك. قال: قبل طلوع الفجر. قال: فما سمعت؟ قال:
عواطيس حولي: ثغاء الشّاء ورغاء البعير ونباح الكلب وصياح الصبيّ. قال:
عواطيس تنهاك عن الغدوّ. قال: فلما طلع الفجر عرض لي ذئب. قال:
كسوب ذو ظفر. قال: فلما طلعت الشمس لقيت نعامة. قال: ذات ريش
واسمها حسن، هل تركت في أهلك مريضا؟ قال: نعم. قال: ارجع فإنك ستجد ضالتك في منزلك.
حدّثني عبد الرحمن عن حفص بن عمر الخبطيّ قال: حدّثنا أبو زرعة يحيى بن أبي عمرو السّيباني عن يثيع عن كعب قال: كانت الشجرة تنبت في محراب سليمان النبي ﷺ وتكلمه بلسان ذلق فتقول: أنا شجرة كذا وفيّ دواء كذا. فيأمر بها سليمان فيكتب اسمها ومنفعتها وصورتها وتقطع وترفع في الخزائن حتى كان آخر ما جاء منها الخرّوبة فقالت: أنا الخرّوبة. فقال سليمان: الآن نعيت إليّ نفسي وأذن في خراب بيت المقدس. قال الطائيّ يصف عمّوريّة:
بكر فما افترعتها كفّ حادثةولا ترقّت إليها همّة النّوب
جرى لها الفأل برحا يوم أنقرةإذ غودرت وحشة الساحات والرّحب
لمّا رأت أختها بالأمس قد خربتكان الخراب لها أعدى من الجرب
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع