تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

في العدّة والسلاح

حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا سفيان بن عيينة عن يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد- فيما حفظت إن شاء الله- أنّ النبيّ ﷺ كان عليه درعان يوم أحد. قيل لعبّاد بن الحصين وكان أشدّ رجال أهل البصرة: في أيّ عدّة تحبّ أن تلقى عدوك؟ قال: في أجل مستأخر.

حدّثني زياد بن يحيى قال: حدّثنا بشر بن المفضّل قال: حدّثنا داود بن أبي هند عن عكرمة قال: لما كانت ليلة الأحزاب قالت الجنوب للشّمال:

انطلقي بنا نمدّ رسول الله ﷺ فقالت الشمال: إنّ الحرّة لا تسري بالليل، فكانت الريح التي أرسلت عليهم الصّبا.

حدّثني سهل بن محمد قال: حدّثنا الأصمعيّ قال: حدّثنا ابن أبي الزّناد قال: ضرب الزبير بن العوّام يوم الخندق عثمان بن عبد الله بن المغيرة فقطّه إلى القربوس فقالوا: ما أجود سيفك! فغضب، يريد أنّ العمل ليده لا لسيفه.

وقال الوليد بن عبيد البحتريّ يصف سيفا:

ماض وإن لم تمضه يد فارسبطل ومصقول وإن لم يصقل
للشاعر البحتري، من قصيدة «أهلا بذالكم الخيال المقبل»
متوقّد يفري بأوّل ضربةما أدركت ولو انّها في يذبل

وقال آخر:

وما السيف إلا بزّ غاد لزينةإذا لم يكن أمضى من السيف حامله
للشاعر البحتري، من قصيدة «هب الدار ردت رجع ما أنت قائله»

رئي الجرّاح بن عبد الله في بعض الحروب وقد ظاهر بين درعين، فقيل له في ذلك. فقال: إني لست أقي بدني وإنما أقي صبري. واشترى يزيد بن حاتم أدرعا وقال: إني لم أشتر أدراعا إنما اشتريت أعمارا.

وقال حبيب بن المهلّب: ما رأيت رجلا في الحرب مستلئما إلا كان عندي رجلين، ولا رأيت حاسرين إلا كانا عندي واحدا. فسمع هذا الحديث بعض أهل المعرفة فقال: صدق، إنّ للسلاح فضيلة. أما تراهم ينادون عند الصّريخ: السلاح السلاح ولا ينادون: الرجال الرجال؟ قال المهلب لبنيه: يا بنيّ، لا يقعدنّ أحد منكم في السوق، فإن كنتم لا بدّ فاعلين فإلى زرّاد أو سرّاج أو ورّاق. وقال عمر بن الخطاب ﵁ لعمرو بن معد يكرب:

أخبرني عن السلاح. قال: سل عمّا شئت منه. قال: الرمح؟ قال: أخوك وربما خانك. قال النّبل؟ قال: منايا تخطىء وتصيب. قال: التّرس؟ قال: ذاك المجنّ وعليه تدور الدّوائر. قال: الدّرع؟ قال: مثقلة للراجل متعبة للفارس، وإنّها لحصن حصين. قال: السيف؟ قال: ثمّ، قارعتك أمّك عن الثّكل. قال عمر: بل أمّك. قال: الحمّى أضرعتني لك.

وقال الطائيّ يصف الرّماح:

مثقّفات سلبن الروم زرقتهاالعرب سمرتها والعاشق القضفا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أما الرسوم فقد أذكرن ما سلفا»

وقال دعبل يصف الرّمح:

وأسمر في رأسه أزرقمثل لسان الحيّة الصادي

وقال الشاعر:

تلمّظ السيف من شوق إلى أنسفالموت يلحظ والأقدار تنتظر
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «تلمظ السيف من شوق إلى أنس»
أظلّه منك حتف قد تجلّلهحتى يؤامر فيه رأيك القدر
أمضى من السيف إلا عند قدرتهوليس للسيف عفو حين يقتدر

وقال آخر:

متى تلقني يعدو ببزّي مقلّصكميت بهيم أو أغرّ محجّل
تلاق امرأ إن تلقه فبسيفهتعلّمك الأيام ما كنت تجهل

وقال عليّ ﵁: بقية السيف أبقى عددا وأكثر ولدا. وفي الحديث «بقيّة السيف مباركة» يعني أنّ من نجا من ضربة السيف ينمو عدده ويكثر ولده. وقال المهلّب: ليس شيء أنمى من سيف. ويقال: لا مجد أسرع من مجد سيف.

وكانت درع عليّ ﵁ صدرا لا ظهر لها فقيل لها في ذلك فقال: إذا استمكن عدوّي من ظهري فلا يبق. وقال أبو الشّيص:

ختلته المنون بعد اختيالبين صفّين من قنا ونصال
في رداء من الصفيح صقيلوقميص من الحديد مذال

بلغ أبا الأغرّ أنّ أصحابه بالبادية قد وقع بينهم شرّ فبعث ابنه الأغرّ وقال: يا بنيّ، كن يدا لأصحابك على من قاتلهم، وإيّاك والسيف فإنه ظلّ الموت، واتق الرمح فإنه رشاء المنيّة، ولا تقرب السّهام فإنها رسل لا تؤامر مرسلها. قال: فبماذا أقاتل؟ قال: بما قال الشاعر:

جلاميد يملأن الأكفّ كأنّهارؤوس رجال حلّقت في المواسم

وقال الخريمي في بغداد أيام الفتنة:

يا بؤس بغداد دار مملكةدارت على أهلها دوائرها
للشاعر الخُرَيْمي، اقرأ القصيدة
أمهلها الله ثمّ عاقبهالمّا أحاطت بها كبائرها
للشاعر الخُرَيْمي، اقرأ القصيدة
رقّ بها الدّين واستخفّ بذي الفضل وعزّ الرجال فاجرها
وصار ربّ الجيران فاسقهموابتّز أمن الدروب شاطرها
يحرق هذا وذا يهدّمهاويشتفي بالنّهاب داعرها
والكرخ أسواقها معطّلةيستنّ شذّابها وعائرها
أخرجت الحرب من أساقطهمآساد غيل غلبا تساورها
من البواري تراسها ومن الخوص إذا استلأمت مغافرها
للشاعر الخُرَيْمي، اقرأ القصيدة
لا الرزق تبغي ولا العطاء ولايحشرها بالعناء حاشرها

ونحوه قول عليّ بن أمية:

دهتنا أمور تشيب الوليدويخذل فيها الصدّيق الصدّيق
فناء مبيد وذعر عتيدوجوع شديد وخوف وضيق
وداعي الصباح بطول الصياح السلاح السلاح فما نستفيق
فبالله نبلغ ما نرتجيوبالله ندفع ما لا نطيق

جنى قوم من أهل اليمامة جناية فأرسل إليه السلطان جندا من بخاريّة زياد، فقال رجل من أهل البادية يذمّر قومه: يا معشر العرب، ويا بني المحصنات، قاتلوا عن أحسابكم ونسائكم، والله لئن ظهر هؤلاء عليكم لا يدعون بها لبنة حمراء ولا نخلة خضراء إلا وضعهوها بالأرض ولاعتراكم من نشّاب معهم في جعاب كأنها أيور الفيلة ينزعون في قسيّ كأنها العتل فتئطّ

إحداهنّ أطيط الزّرنوق يمغط أحدهم فيها حتى يتفرّق شعر إبطيه ثم يرسل نشّابة كأنها رشاء منقطع فما بين أحدكم وبين أن تنفضخ عينه أو ينصدع قلبه منزلة، فخلع قلوب القوم فطاروا رعبا.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأخبار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.