من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
الهمّة والخطار بالنفس
قال: أخبرنا خالد بن جويرية عن محمد بن ذؤيب الفقيميّ وهو العمانيّ الراجز عن دكين الراجز قال: أتيت عمر بن عبد العزيز بعد ما استخلف أستنجز منه وعدا كان وعدنيه وهو والي المدينة، فقال لي: يا دكين، إن لي نفسا توّاقة، لم تزل تتوق إلى الإمارة، فلما نلتها تاقت إلى الخلافة، فلما نلتها تاقت إلى الجنة. وما رزأت من أموال المسلمين شيئا، وما عندي إلا ألفا درهم، فاختر أيّهما شئت، وهو يضحك. فقلت: يا أمير المؤمنين، قليلك خير من كثير غيرك، ويقال قليلك خير من كبير غيرك، فاختر لي أنت، فدفع إليّ ألفا وقال: خذها بارك الله لك فيها، فابتعت بها إبلا وسقتها إلى البادية، فرمى الله في أذنابها بالبركة بدعوته حتى رزقني الله ما ترون.
قال معاوية لعمرو بن العاص حين نظر معسكر عليّ ﵇: من طلب عظيما خاطر بعظيمته. وكان عمرو يقول: عليكم بكل أمر مزلقة مهلكة.
أي عليكم بجسام الأمور. وقال كعب بن زهير:
وليس لمن لم يركب الهول بغيةوليس لرحل حطّه الله حامل
إذا أنت لم تقصر عن الجهل والخناأصبت حليما أو أصابك جاهل
وفي كتاب للهند: ثلاثة أشياء لا تنال إلا بارتفاع همّة وعظيم خطر:
عمل السلطان، وتجارة البحر، ومناجزة العدوّ. وفيه أيضا: لا ينبغي أن يكون الفاضل من الرجال إلا مع الملوك مكرّما أو مع النّسّاك متبتّلا، كالفيل لا يحسن أن يرى إلا في موضعين: في البرّيّة وحشيّا أو للملوك مركبا وفيه أيضا:
ذو الهمة إن حطّ فنفسه تأبى إلا علوّا كالشّعلة من النار يصوّبها صاحبها وتأبى إلا ارتفاعا. وقال العتّابيّ:
تلوم على ترك الغنى باهليّةطوى الدّهر عنها كلّ طرف وتالد
يسرّك أني نلت ما نال جعفرمن الملك أو ما نال يحيى بن خالد
وأنّ أمير المؤمنين أغصّنيمغصّهما بالمشرقات البوارد
ذريني تجئني ميتتي مطمئنّةولم أتقحّم هول تلك الموارد
فإنّ كريمات المعالي مشوبةبمستودعات في بطون الأساود
وقال الطائي:
وأخرى لحتني يوم لم أمنع النّوىقيادي ولم ينقض زماعي ناقض
أرادت بأن يحوي الغنى وهو وادعوهل يفرس اللّيث الطّلا وهو رابض؟
وقال أيضا:
فاطلب هدوءا في التقلقل واستتربالعيس من تحت السّهاد هجودا
ما إن ترى الأحساب بيضا وضّحاإلا بحيث ترى المنايا سودا
وقال آخر:
ما العزّ إلا تحت ثوب الكدّ
وقال آخر:
الذّلّ في دعة النفوس ولا أرىعزّ المعيشة دون أن يشقى لها
وقال بعض المحدثين وأظنه البحتريّ:
فاطلبا ثالثا سواي فإنّيرابع العيس والدّجى والبيد
لست بالواهن المقيم ولا القائل يوما إن الغنى بالجدود
وإذا استصعبت مقادة أمرسهّلتها أيدي المهارى القود
وقال عبد الله بن أبي الشّيص
أظنّ الدهر قد آلى فبرّابأن لا يكسب الأموال حرّا
لقد قعد الزمان بكل حرّونقّض من قواه المستمرّا
كأنّ صفائح الأحرار أردتأباه فحارب الأحرار طرّا
فأصبح كلّ ذي شرف ركوبالأعناق الدجى برّا وبحرا
فهتّك جيب درع الليل عنهإذا ما جيب درع الليل زرّا
يراقب للغنى وجها ضحوكاووجها للمنيّة مكفهرّا
ومن جعل الظلام له قعوداأصاب به الدجى خيرا وشرّا
وكان يقال: من سرّه أن يعيش مسرورا فليقنع، ومن أراد الذكر فليجهد.
قيل للعتّابيّ: فلان بعيد الهمة، قال: إذن لا يكون له غاية دون الجنة. وقيل لبعض الحكماء: من أسوأ الناس حالا؟ قال: من اتّسعت معرفته وضاقت مقدرته وبعدت همّته.
وقال عديّ بن الرّقاع:
والمرء يورث جوده أبناءهويموت آخر وهو في الأحياء
أبو اليقظان قال: كان أوّل عمل وليه الحجّاج تبالة، فسار إليها فلما قرب منها قال للدليل: أين هي وعلى أيّ سمت هي؟ قال: تسترها عنك هذه الأكمة. قال لا أراني أميرا إلّا على موضع تستر منه أكمة! أهون بها ولاية! وكرّ راجعا. فقيل في المثل: «أهون من تبالة على الحجّاج». وقال الطائيّ:
وطول مقام المرء في الحيّ مخلقلديباجتيه فاغترب تتجدّد
فإني رأيت الشمس زيدت محبّةإلى الناس أن ليست عليهم بسرمد
وقال رجل لآخر: أبوك الذي جهل قدره وتعدّى طوره فشقّ العصا وفرّق الجماعة، لا جرم لقد هزم ثم أسر ثم قتل ثم صلب. قال الآخر: دعني من ذكر هزيمة أبي ومن صلبه، أبوك ما حدّث نفسه بشيء من هذا قطّ. قال حاتم طيء:
لحى الله صعلوكا مناه وهمّهمن العيش أن يلقى لبوسا ومطعما
يرى الخمص تعذيبا وإن يلق شعبةيبت قلبه من قلّة الهمّ مبهما
ولله صعلوك يساور همّهويمضي على الأهوال والدهر مقدما
يرى قوسه أو رمحه ومجنّهوذا شطب لدن المهزّة مخذما
وأحناء سرج قاتر ولجامهمعدّا لدى الهيجا وطرفا مسوّما
فذلك إن يهلك فحيّ ثناؤهوإن يحي لا يقعد لئيما مذمّما
وقال آخر:
لا يمنعنّك خفض العيش تطلبهنزاع شوق إلى أهل وأوطان
تلقى بكلّ بلاد إن حللت بهاأهلا بأهل وجيرانا بجيران
ويقال: ليس بينك وبين البلدان نسب فخير البلاد ما حملك. وقال عروة ابن الورد:
لحى الله صعلوكا إذا جنّ ليلهمصافي المشاش آلفا كلّ مجزر
يعدّ الغنى من دهره كلّ ليلةأصاب قراها من صديق ميسّر
ينام عشاء ثم يصبح قاعدايحتّ الحصا من جنبه المتعفّر
يعين نساء الحيّ لا يستعنّهويمسي طليحا كالبعير المحسّر
ولله صعلوك صفيحة وجههكضوء شهاب القابس المتنوّر
مطلّ على أعدائه يزجرونهبساحتهم زجر المنيح المشهّر
وقال آخر: تقول سليمى: لو أقمت بأرضنا! ولم تدر أني للمقام أطوف
وقال الطائيّ في نحوه:
أآلفة النّحيب كم افتراقألمّ فكان داعية اجتماع
وما إن فرحة الأوبات إلالموقوف على ترح الوداع
نظر رجل إلى روح بن حاتم واقفا في الشمس على باب المنصور فقال له: قد طال وقوفك في الشمس. فقال روح: ليطول مقامي في الظل. وقال خداش بن زهير:
ولن أكون كمن ألقى رحالتهعلى الحمار وخلّى صهوة الفرس
وقال آخر:
لا أنت قصّرت عن مجد ولا أنا، إذأسمو إليك بنفسي، قصّرت هممي
قال عمر بن الخطاب: أشنعوا بالكنى فإنها منبّهة. دخل عبيد الله بن زياد بن ظبيان التيميّ على أبيه وهو يجود بنفسه فقال له: ألا أوصي بك الأمير؟ فقال عبيد الله: إذا لم يكن للحيّ إلّا وصيّة الميت فالحيّ هو الميت.
وقال الشاعر في نحوه:
إذا ما الحيّ عاش بعظم ميتفذاك العظم حيّ وهو ميت
وقال معاوية لعمرو بن سعيد وهو صبيّ: إلى من أوصى بك أبوك؟ قال:
أوصى إليّ ولم يوص بي. نظر أبو الحارث حمير إلى برذون يستقى عليه، فقال: المرء حيث يجعل نفسه، لو هملج هذا لم يبل بما ترون. قال الطائي:
وقلقل نابي من خراسان جاشهافقلت اطمئني أنضر الرّوض عازبه
وركب كأطراف الأسنّة عرّسواعلى مثلها، والليل تسطو غياهبه
لأمر عليهم أن تتمّ صدورهوليس عليهم أن تتمّ عواقبه
وقال آخر:
وعش ملكا أو مت كريما، وإن تمتوسيفك مشهور بكفك تعذر
والمشهور في هذا قول امرىء القيس:
فلو أنّ ما أسعى لأدنى معيشةكفاني ولم أطلب قليل من المال
ولكنّما أسعى لمجد مؤثّلوقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي
وقوله:
بكى صاحبي لما رأى الدّرب دونهوأيقن أنّا لاحقان بقيصرا
فقلت له: لا تبك عينك، إنمانحاول ملكا أو نموت فنعذرا
وقال أبو نواس:
سأبغي الغنى إمّا جليس خليفةنقوم سواء، أو مخيف سبيل
وقيل ليزيد بن المهلّب: ألا تبني دارا! فقال: منزلي دار الإمارة أو الحبس. والمشهور في سقوط الهمة قول الحطيئة:
دع المكارم لا ترحل لبغيتهاواقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
وقال مالك بن الرّيب:
فإن تنصفونا، آل مروان، نقتربإليكم وإلّا فأذنوا ببعاد
فإنّ لنا عنكم مراحا ومرحلابعيس إلى ريح الفلاة صوادي
وفي الأرض عن دار المذلّة مذهبوكلّ بلاد أوطنت كبلادي
فماذا عسى الحجّاج يبلغ جهدهإذا نحن جاوزنا حفير زياد
فباست أبي الحجاج واست عجوزهعتيّد بهم يرتعي بوهاد
فلولا بنو مروان كان ابن يوسفكما كان عبدا من عبيد إياد
زمان هو المقري المقرّ بذلّةيراوح غلمان القرى ويغادي
بعث ينحاب خليفتها إلى ابن عائشة المحدّث وهو عبيد الله بن محمد ابن حفص التّيميّ، فأتاه في حلقته في المسجد فقال له: أبو من؟ قال: هلّا عرفت هذا قبل مجئيك؟ قال: أريد أن تخليني. قال: في حاجة لك أم في حاجة لي؟ قال: في حاجة لي. قال: فالقني في المنزل. قال: فإنّ الحاجة لك. قال: ما دون إخواني سرّ.
وقال بعض لصوص همدان وهو مالك بن حريم:
كذبتم وبيت الله لا تأخذونهامراغمة مادام للسّيف قائم
متى تجمع القلب الذكّي وصارماوأنفا حميّا تجتنبك المظالم
ومن يطلب المال الممنّع بالقنايعش مثريا أو تخترمه المخارم
وكنت إذا قوم غزوني غزوتهمفهل أنا في ذا يا لهمدان ظالم
وقال أبو النّشناش، من اللصوص:
إذا المرء لم يسرح سواما ولم يرحسواما ولم تعطف عليه أقاربه
فللموت خير للفتى من حياتهفقيرا ومن مولى تدبّ عقاربه
وسائله بالغيب عنّي وسائلومن يسأل الصّعلوك أين مذاهبه؟
وطامسة الأعلام ماثلة الصّوىسرت بأبي النّشناش فيها ركائبه
فلم أر مثل الفقر ضاجعه الفتىولا كسواد الليل أخفق صاحبه
وقال آخر من اللصوص:
وإنّي لأستحيي من الله أن أرىأطوف بحبل ليس فيه بعير
وأن أسأل المرء اللئيم بعيرهوبعران ربّي في البلاد كثير
فللّيل، إن واراني الليل، حكمةوللشمس إن غابت عليّ تدور
عوى الذئب فاستأنست للذئب إذ عوىوصوّت إنسان فكدت أطير
رأى الله أنّى للأنيس لشانىءوتبغضهم لي مقلة وضمير
وقال النّمر بن تولب:
خاطر بنفسك كي تصيب غنيمةإنّ الجلوس مع العيال قبيح
فالمال فيه تجلّة ومهابةوالفقر فيه مذلّة وقبوح
وقال آخر:
تقول ابنتي: إنّ انطلاقك واحداإلى الرّوع يوما تاركي لا أباليا
ذريني من الإشفاق أو قدّمي لنامن الحدثان والمنيّة واقيا
ستتلف نفسي أو سأجمع هجمةترى ساقيها يألمان التّراقيا
وقال أوس بن حجر:
ومن يك مثلي ذا عيال ومقترامن المال يطرح نفسه كلّ مطرح
ليبلي عذرا أو ليبلغ حاجةومبلغ نفس عذرها مثل منجح
وقال آخر:
رمى الفقر بالأقوام حتى كأنّهمبأطرار آفاق البلاد نجوم
قال كسرى: إحذروا صولة الكريم إذا جاع، واللئيم إذا شبع. وقال الشاعر:
خلقان لا أرضى اختلافهماتيه الغنى، ومذلّة الفقر
فإذا غنيت فلا تكن بطراوإذا افتقرت فته على الدّهر
واصبر، فلست بواجد خلقاأدنى إلى فرج من الصّبر
كان أعرابيّ يمنع ابنه من التصرف إشفاقا عليه، فقال شعرا فيه:
إذا ما الفتى لم يبغ إلّا لباسهومطعمه، فالخير منه بعيد
يذكّرني خوف المنايا، ولم أكنلأهرب ممّا ليس منه محيد
فلو كنت ذا مال لقرّب مجلسيوقيل إذا أخطأت: أنت رشيد
رأيت الغنى قد صار في الناس سؤدداوكان الفتى بالمكرمات يسوده
وإن قلت لم يسمع مقالي وإنّنيلمبدىء حقّ بينهم ومعيد
فذرني أجوّل في البلاد لعلّهيسرّ صديق أو يساء حسود
ألا ربّما كان الشّفيق مضرّةعليك من الإشفاق وهو ودود
وقال أعرابيّ من باهلة:
سأعمل نصّ العيس حتى يكفّنيغنى المال يوما أو غنى الحدثان
فللموت خير من حياة يرى لهاعلى الحرّ بالإقلال وسم هوان
متى يتكلّم يلغ حسن كلامهوإن لم يقل قالوا: عديم بيان
كأنّ الغنى عن أهله- بورك الغنى- بغير لسان ناطق بلسان
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع