من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
الشرف والسّؤدد بالمال وذم الفقر والحض على الكسب
أنشد ابن الأعرابيّ:
ومن يفتقر في قومه يحمد الغنىوإن كان فيهم ماجد العمّ مخولا
يمنّون إن أعطوا ويبخل بعضهمويحسب عجزا سكته إن تجمّلا
ويزري بعقل المرء قلّة مالهوإن كان أقوى من رجال وأحولا
وقرأت في كتاب للهند: ليس من خلّة يمدح بها الغنيّ إلا ذمّ بها الفقير، فإن كان شجاعا قيل أهوج، وإن كان وقورا قيل بليد، وإن كان لسنا قيل مهذار، وإن كان زمّيتا قيل عييّ. وقال آخر:
الفقر يزري بأقوام ذوي حسبوقد يسوّد غير السّيد المال
وأنشد ابن الأعرابيّ:
رزقت لبّا ولم أرزق مروءتهوما المروءة إلّا كثرة المال
إذا أردت مساماة يقعّدنيعما ينوّه باسمي رقّة الحال
وقال آخر:
يغطّي عيوب المرء كثرة مالهيصدّق فيما قال وهو كذوب
ويزري بعقل المرء قلّة مالهيحمّقه الأقوام وهو لبيب
وقال آخر:
كم من لئيم الجدود سوّده المال، أبوه وأمّه الورق
وكم كريم الجدود ليس لهعيب سوى أنّ ثوبه خلق
أدّبه سادة كرام فماثوباه إلا العفاف والخلق
وأنشد الرّياشيّ:
غضبان يعلم أنّ المال ساق لهما لم يسقه له دين ولا خلق
لولا ثلاثون ألفا سقتها بطراإلى ثلاثين ألفا ضاقت الطّرق
فمن يكن عن كرام الناس يسألنيفأكرم الناس من كانت له ورق
وقال أحيحة بن الجلاح:
إستغن أو مت ولا يغررك ذو نشبمن ابن عمّ ولا عمّ ولا خال
يلوون ما عندهم من حق أقربهموعن صديقهمو والمال بالوالي
ولا أزال على الزّوراء أعمرها،إنّ الكريم على الإخوان ذو المال
كلّ النداء إذا ناديت يخذلنيإلّا ندائي إذا ناديت يا مالي
وقال حسّان:
ربّ حلم أضاعه عدم المال وجهل غطّى عليه النعيم
وقال الهذليّ:
رأيت معاشرا يثنى عليهمإذا شبعوا وأوجههم قباح
يظلّ المصرمون لهم سجوداولو لم يسق عندهمو ضياح
ويروى يلف. وقال بعضهم: وددت أنّ لي مثل أحد ذهبا لا أنتفع منه بشيء. قيل له: فما تصنع به؟ قال: لكثرة من يخدمني عليه. قال الصّلتان:
إذا قلت يوما لمن قد ترى:أروني السّريّ، أروك الغني
وسرّك ما كان عند امرىءوسرّ الثلاثة غير الخفي
وقال آخر:
لا تسألي النّاس: ما مجدي وما شرفي،الشأن في فضّتي والشأن في ذهبي
لو لم يكن لي مال لم يطر أحدبأبي ولم يعرفوا مجدي ومجد أبي
وقال آخر:
أجلّك قوم حين صرت إلى الغنىوكلّ غنيّ في العيون جليل
ولو كنت ذا عقل ولم تؤت ثروةذللت لديهم والفقير ذليل
إذا مالت الدنيا على المرء رغّبتإليه ومال الناس حيث يميل
وليس الغنى إلّا غنى زيّن الفتىعشيّة يقري أو غداة ينيل
وقال آخر:
وكلّ مقلّ حين يغدو لحاجةإلى كلّ من يعدو من الناس مذنب
وكان بنو عمي يقولون مرحبافلما رأوني معدما مات مرحب
وقال آخر:
أبا مصلح أصلح، ولا تك مفسدافإنّ صلاح المال خير من الفقر
ألم تر أنّ المرء يزداد عزّةعلى قومه إن يعلموا أنه مثري
وقال عروة بن الورد:
ذريني للغنى أسعى فإنيرأيت النّاس شرّهم الفقير
وأبعدهم وأهونهم عليهموإن أمسى له حسب وخير
ويقصيه النّديّ وتزدريهحليلته وينهره الصغير
وتلفي ذا الغنى وله جلاليكاد فؤاد صاحبه يطير
قليل ذنبه والذنب جمّولكن للغنى ربّ غفور
وقال زيد بن عمرو بن نفيل:
ويكأن من يكن له نشب يحبب، ومن يفتقر يعش عيش ضرّ
ويجنّب سرّ النّجيّ ولكنن أخا المال محضر كلّ سرّ
وقال آخر:
ألم تر بيت الفقر يهجر أهلهوبيت الغنى يهدى له ويزار
وقال آخر:
إذا ما قلّ مالك كنت فرداوأيّ الناس زوّار المقلّ؟
وقال عبد العزيز بن زرارة:
وما لبّ اللبيب بغير حظّبأغنى في المعيشة من فتيل
رأيت الحظّ يستر عيب قوموهيهات الحظوظ من العقول
وقال الطائيّ:
الصبر كاس وبطن الكف عاريةوالعقل عار إذا لم يكس بالنّشب
ما أضيع العقل إن لم يرع ضيعتهوفر، وأيّ رحى دارت بلا قطب؟
وقال آخر:
عش بجدّ ولا يضرّك نوكإنما عيش من ترى بالجدود
عش بجدّ وكن هبنّقة القيسيّ نوكا أو خالد بن يزيد
وقال الطائيّ:
ينال الفتى من عيشه وهو جاهلويكدي الفتى في دهره وهو عالم
ولو كانت الأرزاق تجري على الحجاهلكن إذا من جهلهنّ البهائم
وقال المرّار:
إذا لم ترافد في الرّفاد ولم تسقعدوّا ولم تستغن فالموت أروح
وقال ابن الدّمينة الثقفيّ:
أطعت العرس في الشهوات حتىأعادتني عسيفا عبد عبد
إذا ما جئتها قد بعت عذقاتعانق أو تقبّل أو تفدّي
وقال الأسعر الجعفيّ:
وخصاصة الجعفيّ ما داينتهلا ينقضي أبدا وإن قيل انقضى
إخوان صدق ما رأوك بغبطةفان افتقرت فقد هوى بك ما هوى
وقال آخر:
إذا المرء لم يكسب معاشا لنفسهشكا الفقر أو لاقى الصدّيق فأكثرا
وصار على الأدنين كلّا وأوشكتصلات ذوي القربى له أن تنكرّا
فسر في بلاد الله والتمس الغنىتعش ذا يسار أو تموت فتعذرا
وما طالب الحاجات من حيث تبتغىمن الناس إلا من أجدّ وشمّرا
فلا ترض من عيش بدون ولا تنموكيف ينام الليل من كان معسرا ؟
وقال آخر:
من يجمع المال ولا يثب بهويترك العام لعام جذبه
يهن على الناس هوان كلبه
قال أبو اليقطان: ما ساد مملق قطّ إلا عتبة بن ربيعة.
حدّثني أبو حاتم قال: حدّثنا الأصمعيّ عن حمّاد بن سلمة عن عبيد الله
ابن العيزار عن عبد الله بن عمرو أنه قال: احرث لدنياك كأنّك تعيش أبدا واحرث لآخرتك كأنّك تموت غدا.
قال: حدّثني أبو حاتم قال: حدّثنا الأصمعيّ قال حدّثني أصحاب أيّوب عن أيّوب قال: كان أبو قلابة يحثّني على الإحتراف ويقول: إنّ الغنى من العافية.
قال: وقال الأصمعيّ: سأل أعرابيّ عن رجل فقالوا: أحمق مرزوق، فقال: ذاك والله الرجل الكامل. وكان يقال: من حفظ ماله فقد حفظ الأكرمين: الدّين والعرض. ويقال في بعض كتب الله: أطعني فيما آمرك ولا تعلمني بما ينفعك وامدد يدك لباب من العمل أفتح لك بابا من الرزق. وكان يقال: من غلى دماغه في الصيف غلت قدره في الشتاء. ويقال: حفظ المال أشدّ من جمعه. وقال الحسن: إذا أردتم أن تعلموا من أين أصاب المال فانظروا فيم ينفقه فإنّ الخبيث ينفق سرفا. ونحوه قولهم: من أصاب مالا من نهاوش أذهبه الله في نهابر. ويقال في مثل «الكدّ قبل المدّ» يراد الطلب قبل الحاجة والعجز. وقال لقيط «الغزو أدرّ للّقاح وأحدّ للسلاح». وقال أبو المعافى:
وإن التواني أنكح العجز بنتهوساق إليها حين زوّجها مهرا
فراشا وطيئا ثم قال لها اتّكيقصاراهما لا بدّ أن يلدا الفقرا
وقال زيد بن جبلة: لا فقير أفقر من غنيّ أمن الفقر. وروي عن علي بن
أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال: ما دون أربعة آلاف درهم نفقة، وما فوقها كنز. ويقال: القبر ولا الفقر. ويقال: ما سبق عيال مالا قطّ إلا كان صاحبه فقيرا. وقيل لرجل من البصريين: مالك لا ينمي مالك؟ قال: لأني اتخذت العيال قبل المال واتخذ الناس المال قبل العيال. ويقال: العيال سوس المال.
وقيل لمدينيّ: كيف حالك؟ قال: كيف يكون حال من ذهب ماله وبقيت عادته. ويقال: الغني في الغربة وطن والفقر في الوطن غربة.
حدّثني محمد بن يحيى بإسناد ذكره قال: شكا نبيّ من الأنبياء إلى الله شدة الفقر فأوحى الله إليه: هكذا جرى أمرك عندي أفتريد من أجلك أن أعيد الدنيا.
قال أبو حاتم: حدّثنا العتبيّ قال: سمعت يونس بن حبيب يقول: ما أجدب أهل البادية قطّ حتى تسوّيهم السّنة ثم جاءهم الخصب إلا عاد الغنى إلى أهل الغنى.
قال الأصمعيّ: رأيت أعرابية ذات جمال رائع تسأل بمنى فقلت: يا أمة الله، تسألين ولك هذا الجمال! قالت: قدّر الله فما أصنع؟ قلت: فمن أين معاشكم؟ قالت: هذا الحاجّ نتقمّمهم ونغسل ثيابهم. فقلت: فإذا ذهب الحاجّ فمن أين؟ فنظرت إليّ وقالت: يا صلب الجبين! لو كنا إنما نعيش من حيث نعلم لما عشنا. وقال الشاعر:
أتراني أرى من الدهر يومالي فيه مطيّة غير رجلي
وإذا كنت في جميع فقالواقرّبوا للرحيل قدّمت نعلي
حيثما كنت لا أخلّف رحلامن رآني فقد رآني ورحلي
قيل لمدينيّ: ما عندك من آلة الحج؟ قال: التلبية. وقيل لآخر: ما عندك من آلة العصيدة ؟ قال: الماء. وقيل لآخر: ما عندك من آلة القريس ؟ قال: الشتاء.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع