من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
ذمّ الغنى ومدح الفقر
قال شريح: الجدة كنية البهل. وقال أكثم بن صيفيّ: ما يسرّني أني مكفيّ كلّ أمر الدنيا. قيل: وإن أسمنت وألبنت؟ قال: نعم، أكره عادة العجز. وكان يقال: عيب الغنى أنه يورث البله، وفضيلة الفقر أنه يورث الفكرة. وقال محمد بن حازم الباهليّ:
ما الفقر عار ولا الغنى شرفولا سخاء في طاعة سرف
ما لك إلّا شيء تقدّمهوكلّ شيء أخّرته تلف
تركك مالا لوارث يتهنّاه وتصلى بحرّه أسف
وقال ابن مناذر:
رضينا قسمة الرحمن فينالنا علم وللثّقفيّ مال
وما الثّقفيّ إن جادت كساهوراعك شخصه إلّا خيال
وقال أنس بن مالك: لمّا خرج مروان من المدينة مرّ بماله بذي خشب
فلما نظر إليه قال: ليس المال إلا ما أشرجت عليه المناطق. وروي عن المسيح أنّه قال: في المال ثلاث خصال، قالوا: وما هي يا روح الله: قال:
لا يكسبه من حلّه قالوا: فإن فعل قال: يمنعه من حقّه، قالوا: فإن لم يفعل، قال: يشغله إصلاحه عن عبادة ربه. قيل لابن عمر: توفّي زيد بن حارثة وترك مائة ألف درهم، قال: لكنها لا تتركه. وقال المعلوط.
ولا سوّد المال الدّنيّ ولا دنالذاك ولكنّ الكريم يسود
متى ما ير الناس الغنيّ وجارهفقيرا يقولوا عاجز وجليد
وليس الغنى والفقر من حيلة الفتىولكن أحاظ قسّمت وجدود
فكم قد رأينا من غنيّ مذمّموصعلوك قوم مات وهو حميد
إذا المرء أعيته المروءة ناشئافمطلبها كهلا عليه شديد
وقال آخر:
ولا تهين الفقير علّك أنتركع يوما والدهر قد رفعه
الأخفش قال: قال المبرّد: أريد النون الخفيفة في ولا تهين فأسقط التنوين لسكونه وسكون اللام. وقال آخر:
ولست بنظّار إلى جانب الغنىإذا كانت العلياء في جانب الفقر
وإنّي لصبّار على ما ينوبنيلأنّي رأيت الله أثنى على الصبر
وقال أعرابيّ يمدح قوما:
إذا افتقروا عضّوا على الصبر حسبةوإن أيسروا عادوا سراعا إلى الفقر
يقول: يعطون ما عندهم حتى يفتقروا. قال الحسن: عيّرت اليهود
عيسى بن مريم بالفقر فقال: من الغنى أتيتم، وقال: حسبك من شرف الفقر أنك لا ترى أحدا يعصي الله ليفتقر. أنشد ابن الأعرابيّ:
المال يغشى رجالا لا طباخ بهمكالسّيل يغشى أصول الدّندن البالي
وقال الطائيّ:
لا تنكري عطل الكريم من الغنىفالسيل حرب للمكان العالي
قال عمر بن الخطاب: من دخل على الأغنياء خرج وهو ساخط على الله. قال أعرابيّ: الغنيّ من كثرت حسناته والفقير من قلّ نصيبه منها. وقال ذو الأصبع:
لي ابن عمّ على ما كان من خلقمخالف لي أقليه ويقليني
أزرى بنا أننا شالت نعامتنافخالني دونه بل خلته دوني
وقال آخر:
إنّ الحرام غزيرة حلباتهووجدت حالبة الحلال مصورا
وقيل لأعرابي: إن فلانا أفاد مالا عظيما قال: فهل أفاد معه أياما ينفقه فيها؟. وفي كتاب للهند: ذو المروءة يكرم معدما كالأسد يهاب وإن كان رابضا، ومن لا مروءة له يهان وإن كان موسرا كالكلب وإن طوّق وحلّى. وقال خداش بن زهير:
أعاذل، إنّ المال أعلم أنّهوجامعه للغائلات الغوائل
متى تجعليني فوق نعشك تعلميأيغني مكاني أبكري وأفائلي؟
وقال آخر:
إذا المرء أثرى ثمّ قال لقومهأنا السيّد المقضي إليه المعظّم
ولم يعطهم خيرا أبوا أن يسودهموهان عليهم رغمه وهو أظلم
وقال زبّان بن سيّار:
ولسنا كقوم محدثين سيادةيرى مالها ولا يحسّ فعالها
مساعيهمو مقصورة في بيوتهمومسعاتنا ذبيان طرّا عيالها
وقال أبو عبيد الله الكاتب: الصبر على حقوق المروءة أشدّ من الصبر على ألم الحاجة، وذلّة الفقر مانعة من عزّ الصبر كما أنّ عزّ الغنى مانع من كرم الإنصاف. وقال بعض المتكلمين في ذمّ الغنى: ألم تر ذا الغنى ما أدوم نصبه، وأقلّ راحته، وأخسّ من ماله حظّه، وأشدّ من الأيام حذره، وأغرى
الدّهر بثلمه ونقضه، ثمّ هو بين سلطان يرعاه، وحقوق تسترثيه، وأكفاء يتنافسونه، وولد يودّون فراقه، قد بعث عليه الغنى من سلطانه العناء، ومن أكفائه الحسد، ومن أعدائه البغي، ومن ذوي الحقوق الذمّ، ومن الولد الملامة، لا كذي البلغة قنع فدام له السرور، ورفض الدنيا فسلم له الجسد، ورضي بالكفاف فتنكّبته الحقوق. ضجر أعرابيّ بكثرة العيال والولد مع الفقر وبلغه أنّ الوباء بخيبر شديد فخرج إليها بعياله يعرّضهم للموت، وأنشأ يقول:
قلت لحمىّ خيبر استعدّيهاك عيالي واجهدي وجدّي
وباكري بصالب ووردأعانك الله على ذا الجند
فأخذته الحمّى فمات هو وبقي عياله. وكتب عمر بن الخطاب إلى ابنه عبد الله: يا بنيّ، إتق الله، فإنه من اتّق الله وقاه، ومن توكّل عليه كفاه، ومن شكره زاده، فلتكن التقوى عماد عينيك وجلاء قلبك، واعلم أنه لا عمل لمن لا نية له ولا أجر لمن لا حسبة له، ولا مال لمن لا رفق له، ولا جديد لمن لا خلق له. وقال محمود الورّاق:
يا عائب الفقر ألا تزدجرعيب الغنى أكثر لو تعتبر
من شرف الفقر ومن فضلهعلى الغنى إن صحّ منك النظر
أنك تعصي الله تبغي الغنىولست تعصي الله كي تفتقر
وقال آخر:
ليس لي مال سوى كرميفيه لي أمن من العدم
لا أقول الله أعدمنيكيف أشكو غير متّهم
قنعت نفسي بما رزقتوتمطّت بالعلى هممي
وجعلت الصبر سابغةفهي من قرني إلى قدمي
فإذا ما الدّهر عاتبنيلم يجدني كافرا نعمي
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع