تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

الدّين

قال ثابت قطنة: الدّين عقلة الشريف. وقال دليم:

الله لقّى من عرابة بيعةعلى حين كاد النّقد يعسر عاجله
ولوى بنان الكفّ يحسب ربحهولم يحسب المطل الذي أنا ماطله
سيرضى من الرّبح الذي كان يرتجيبرأس الذي أعطى وهل هو قابله؟

عبد الرزاق عن ابن جريج قال: رآني عمر وأنا متقنّع، فقال: يا أبا خالد، إنّ لقمان كان يقول: القناع بالليل ريبة وبالنهار مذلّة، فقلت: إنّ لقمان لم يكن عليه دين. كتب يعقوب بن داود إلى بعض العبّاد يسأله القدوم عليه، فأتى محمد بن النضر الحارثيّ فاستشاره وقال: لعلّ الله يقضي ديني، فقال محمد بن النضر: لأن تلقى الله وعليك دين ولك دين خير من أن تلقاه وقد قضيت دينك وذهب دينك،. قال عياض بن عبد الله: الدّين راية الله في أرضه فإذا أراد أن يذلّ عبدا جعلها طوقا في عنقه. دخل عتبة بن عمرو على خالد القسريّ. فقال خالد يعرّض به: إنّ ههنا رجالا يدّانون في أموالهم فإذا فنيت ادّانوا في أعراضهم. فقال عتبة: إن رجالا تكون مروءاتهم أكثر من أموالهم فيدّانون على سعة ما عند الله، فخجل خالد وقال: إنّك منهم ما علمت.

وقال أعرابيّ يذكر غرماء له:

جاءوا إليّ غضابا يلغطون معايشفي أذاتهمو أن غاب أنصاري
لما أبوا جهرة إلا ملازمتيأجمعت مكرا بهم في غير إنكار
وقلت: إني سيأتيني غدا جلبيوإنّ موعدكم دار ابن هبّار
وما أواعدهم إلا لأربثهمعني فيحرجني نقضي وإمراري
وما جلبت إليهم غير راحلةتخدي برحلى وسيف جفنه عاري
إن القضاء سيأتي دونه زمنفاطو الصحيفة واحفظها من الفار

وقال آخر لغرمائه:

ولو علّقتموني كلّ يومبرجلي أو يدي في المنجنيق
لما أعطيتكم إلا ترابايطيّر في الخياشم والحلوق

وقال آخر:

إذا جئت الأمير فقل سلامعليك ورحمة الله الرحيم
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «إذا جئت الأمير فقل سلام»
وأمّا بعد ذاك فلي غريممن الأعراب قبّح من غريم
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «إذا جئت الأمير فقل سلام»
دراهم ما انتفعت بها ولكنوصلت بها شيوخ بني تميم
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «إذا جئت الأمير فقل سلام»

حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي. قال: جاء رجل من بني مخزوم إلى الحارث بن عبد الله بن نوفل وهو يقضي عن أخيه دينا فقال: إنّ لي على أخيك حقّا، قال: ثبّت حقّك تعطه. قال: أفمن ملاءة أخيك ووفائه ندّعي عليه ما ليس لنا؟ فقال: أمن صدقك وبرّك نقبل قولك بغير بينة؟. لزم سهل ابن هارون دين كثير، فقال أعرابي يوصيه بالتّواري عن غرمائه:

انزل أبا عمرو على حدّ قريةتربّع إلى سهل كثير السّلائق
وخذ نفق اليربوع فاسلك طريقهودع عنك إنّي ناطق وابن ناطق
وكن كأبي قطب على كلّ رائعله باب دار ضيّق العرض سامق

وأبو قطبة خنّاق كان بالكوفة مولى لكندة.

حدّثني محمد بن عبيد. قال: حدّثني سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير أنّ رجلا كان يبايع الناس ويداينهم، وكان له كاتب ومتجر، فيأتيه المعسر والمستنظر فيقول لكاتبه: أكلىء واستنظر ليوم يتجاوز

الله عنا فيه، فمات لا يعمل عملا غيره فغفر الله له. قال شقران القضاعيّ:

لو كنت مولى قيس عيلان لم تجدعليّ لإنسان من الناس درهما
ولكنّني مولى قضاعة كلّهافلست أبالي أن أدين وتغرما
للشاعر أبو قَطَن الغَنَوي شهيد الكرم، اقرأ القصيدة

بلغني عن يحيى بن أيّوب عن الأعمش عن إبراهيم. قال: أرسل عمر إلى عبد الرحمن بن عوف يستسلفه أربعمائة درهم، فقال عبد الرحمن:

أتستسلفني وعندك بيت المال، ألا تأخذ منه ثم تردّه؟ فقال عمر: إني أتخوّف أن يصيبني قدري، فتقول أنت وأصحابك: أتركوا هذا لأمير المؤمنين؟ حتى يؤخذ من ميزاني يوم القيامة، ولكني أتسلّفها منك لما أعلم من شحّك فإذا متّ جئت فاستوفيتها من ميراثي.

كتب أبو عبّاد المهلّبي إلى صديق له مكثر يستسلفه مالا، فاعتلّ عليه بالتعذّر وضيق الحال، فكتب إليه ابن عبّاد: إن كنت كاذبا فجعلك الله صادقا وإن كنت ملوما فجعلك الله معذورا. أبو اليقظان قال: كان الفضل بن العبّاس بن عتبة بن أبي لهب الشاعر يعيّن الناس فإذا حلّت دراهمه ركب حمارا له يقال له شارب الريح فيقف على غرمائه ويقول:

بني عمّنا، ردّوا الدراهم إنمايفرّق بين الناس حبّ الدراهم

وكان رجل من بني الدّيل عسر القضاء فإذا تعلّق به غرماؤه فرّ منهم وقال:

فلو كنت الحديد لكسّرونيولكني أشدّ من الحديد

فعيّنه الفضل فلما كان قبل المحلّ جاء فبنى معلفا على باب داره، وكان يقال للرجل عقرب فلقي كل واحد من صاحبه شدّة، فهجاه الفضل فقال.

قد تجرت في دارنا عقربلا مرحبا بالعقرب التاجره
إن عادت العقرب عدنا لهاوكانت النّعل لها حاضره
كلّ عدوّ يتّقى مقبلاوعقرب تخشى من الدّابره
للشاعر الأخضر اللهبي، اقرأ القصيدة
إنّ عدوّا كيده في استهلغير ذي كيد ولا نائره
للشاعر الأخضر اللهبي، اقرأ القصيدة

قال بعضهم: ثلاثة من عازّهم عادت عزّته ذلّة: السلطان. والوالد، والغريم. وفي الحديث المرفوع: «لصاحب الحقّ اليد واللسان». المدائني قال: ساير بعض خلفاء بني أمية رجلا وهو يحادثه ثم قطع حديثه واصفرّ لونه، فقال له الرجل: ما هذا الذي رأيت منك؟ قال: رأيت غريما لي، قال الشاعر:

إذا ما أخذت الدّين بالدّين لم يكنقضاء ولكن كان غرما على غرم

وقال آخر:

أخذت الدّين أدفع عن تلاديوأخذ الدّين أهلك للتّلاد

كان لرجل من يحصب على رجل من باهلة دين، فلما حل دينه هرب الباهليّ وأنشأ يقول:

إذا حلّ دين اليحصبيّ فقل له:تزوّد بزاد واستعن بدليل
سيصبح فوقي أقتم الرأس واقعابقالي قلا أو من وراء دبيل

قال المحدّث بهذا: فحدّثني من رآه بقالي قلا أو بدبيل وهو مصلوب وقد وقعت عليه عقاب. وقف أبو فرعون الأعرابيّ على باب قوم يسألهم، فحلفوا له: ما عندهم شيء يعطونه، فقال: استقرضوا لنا شيئا، فقالوا: ما يقرضنا أحد شيئا، فقال أبو فرعون: ذلك لأنكم تأخذون ولا تعطون، أو قال ولا تقضون. أتى قوم عباديّا فقالوا: نحبّ أن تسلف فلانا ألف درهم وتؤخره بها سنة، قال: هاتان حاجتان وسأقضي لكم إحداهما، وإذا أنا فعلت فقد أنصفت، أنا أؤخرّه ما شاء. كتب عمر بن عبد العزيز إلى رجل له عليه دين.

قد آن للحقّ الذي عندك أن يرجع إلى أهله، وتستغفر الله تعالى من حبسه.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأخبار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.