من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
باب الحياء
حدّثني أبو مسعود الدّارميّ، قال: حدّثني جدّي خراش عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «الحياء شعبة من الإيمان». وروى ابن نمير عن الأحوص ابن حكيم، قال: حدّثني أبو عون المدنيّ قال: سمعت سعيد بن المسيّب يقول: قال رسول الله ﷺ: «قلّة الحياء كفر». وروى جرير بن حازم عن يعلى ابن حكيم عن رجل عن ابن عمر، قال: الحياء والإيمان مقرونان جميعا فإذا رفع أحدهما ارتفع الآخر. وكان يقال: أحيوا الحياء بمجالسة من يستحيا منه.
ذكر أعرابيّ رجلا فقال: لا تراه الدّهر إلا وكأنه لا غنى به عنك وإن كنت إليه أحوج، فإن أذنبت غفر وكأنه المذنب، وإن أسأت إليه أحسن وكأنه المسيء.
وقالت ليلى الأخيليّة:
ومخرّق عنه القميص تخالهوسط البيوت من الحياء سقيما
حتى إذا رفع اللواء رأيتهتحت اللواء على الخميس زعيما
ونحوه قول الآخر إلّا أنه في التواضع:
يبدو فيبدو ضعيفا من تواضعهويكفهرّ فيلفى الأسود اللّحما
وقال أبو دهبل الجمحيّ:
إنّ البيوت معادن فنجارهذهب وكلّ جدوده ضخم
متهلّل بنعم للّاء مجانبسيّان منه الوفر والعدم
نزر الكلام من الحياء تخالهضمنا وليس بجسمه سقم
عقم النساء فلا يلدن شبيههإنّ النساء بمثله عقم
حدّثنا أبو الخطاب قال: حدّثنا المعتمر، قال: سمعت ليث بن أبي سليم يحدّث عن واصل بن حيّان عن أبي وائل عن ابن مسعود، قال: كان آخر ما حفظ من كلام النّبوة «إذا لم تستحي فاصنع ما شئت». قال الشاعر:
تخالهمو للحلم صمّا عن الخناوخرسا عن الفحشاء عند التهاجر
ومرضى إذا لوقوا حياء وعفّةوعند الحفاظ كاللّيوث الخوادر
وقال آخر:
عليه من التقوى رداء سكينةوللحقّ نور بين عينيه ساطع
وقال الشّعبي: تعايش الناس زمانا بالدّين والتّقوى، ثم رفع ذلك فتعايشوا بالحياء والتذمّم، ثم رفع ذلك فما يتعايش الناس إلا بالرغبة والرهبة، وأظنه سيجيء ما هو أشدّ من هذا.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع