من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
قول الممدوح عند المدحة
حدّثني سهل بن محمد عن الأصمعيّ قال: كان أبو بكر يقول عند المدحة: اللهمّ أنت أعلم بي منّي بنفسي وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيرا مما يحسبون واغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤاخذني بما يقولون.
قال: حدّثنا الرّياشي عن الأصمعيّ عن حمّاد بن سلمة قال: أثنى رجل على علّي بن أبي طالب كرّم الله وجهه في وجهه، وكان تهمة، فقال عليّ: أنا دون ما تقول وفوق ما في نفسك.
قيل لأعرابي: ما أحسن الثناء عليك! فقال: بلاء الله عندي أحسن من وصف المادحين وإن أحسنوا، وذنوبي إلى الله أكثر من عيب الذامّين وإن أكثروا، فيا أسفا على ما فرّطت ويا سوءتا ممّا قدّمت. كان رسول الله، ﷺ، لا يقبل الثناء إلا من مكافىء. ومن أحسن ما قيل في مدح الرجل نفسه قول أعشى بني ربيعة:
ما أنا في أهلي ولا في عشيرتيبمهتضم حقّي ولا قارع سنّي
ولا مسلم مولاي عند جنايةولا خائف مولاي من سوء ما أجني
وإنّ فؤادا بين جنبيّ عالمبما أبصرت عيني وما سمعت أذني
وفضّلني في الشّعر واللّب أنّنيأقول على علم وأعلم ما أعني
فأصبحت إن فضّلت مروان وابنهعلى الناس قد فضّلت خير أب وابن
وقال آخر:
إذا المرء لم يمدحه حسن فعالهفمادحه يهذي وإن كان مفصحا
وقال آخر:
لعمر أبيك الخير إنّي لخادملصحبي وإنّي إن ركبت لفارس
وقال آخر:
ونحن ضياء الأرض ما لم نسر بهاغضابا، وإن نغضب فنحن ظلامها
وأنشد الحسن البصريّ قول الشاعر:
لولا جرير هلكت بجيلهنعم الفتى وبئست القبيله
قال الحسن: ما مدح رجل هجي قومه. وقال أبو الهندام:
يقولون الحديد أشندّ شيءوقد ثني الحديد وما ثنيت
تخرّ الأرض إن نوديت باسميوتنهدّ الجبال إذا كنيت
ومدح النفس في الشّعر كثير، وهو فيه أسهل منه في الكلام المنثور.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع