من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
باب مصالح الطعام
قال رئيس من رؤساء الطبّاخين: العجين يملك. وفي الحديث المرفوع: «أملكوا العجين فإنه أحد الرّيعين».
السّويق: يغسل بالماء الحارّ مرّات ثم بالبارد ويشرب.
والملح: يتقبّل به الطبيخ.
والخلّ: ينضج العدس ويصلحه للأكل.
الباقلي: ينقع ثم يطبخ. ولا يؤكل من الفاكهة إلا ما نضج على شجره، ويلقى ثفله وعجمه، ويؤكل على ريق النّفس.
والعنب: يقطف ويمهل أيّاما ثم يؤكل. ولا يؤكل من القنّب إلا لبّه.
ولا يؤكل من الرأس إلا أسنانه وعيونه.
الباذنجان: يشقّ ويحشى بالملح، ويترك ساعة في الماء البارد، ثم يصبّ عنه ويعاد إلى الماء مرارا، ثم يسلق بعد ذلك.
الكبر: يؤكل بالخلّ بعد غسله بالماء من الخلّ.
الزيتون: يؤكل وسط الطعام ويصبّ في الخل.
ويؤكل من الأشترغاز خلّه ولا يعرض لجسمه.
والكمأة: تنصّف ويقشر عنها قشرها، وتسلق بالماء والملح ثم تستعمل بالسّعتر والفلفل، وتقلى بالزّيت الرّكابي، وكذلك الفطر.
السّلق والكرنب: يسلقان بالماء والملح، ويصبّ ماؤها ثم يستعملان.
والبقول: تمسح ثم تؤكل ولا تغسل بالماء.
وأحمد التّمور الهيرون. وأحمد البسور الجيسران. وما اصفرّ أحمد مما اسودّ.
وخير السّمك الشّبّوط والبنانيّ والميّاح. ولا يؤكل السمك الطّريّ إلا
حارّا بالخردل في الشتاء، وفي الصيف بالخلّ وبالأبازير. وأقلّ السّمك أذى الممقور. وشرّ السمك كباره السماريس. وخير السماريس البيض، وأكلها خير من أكل الحمر، وشرّها السّود.
وخير البيض بيض الشّوابّ من الدّجاج، ولا خير في بيض الهرمة.
وأخفّ البيض الرقيق، وأثقله البيض الصلب.
ولا يعرض من الرأس للدّماغ ولا للسان، ولا الغلصمة ولا الخراطيم.
ولحم العنق خفيف سريع الإنهضام. وفي الحديث المرفوع: «العنق هادية الشاة وهي أبعدها من الأذى».
والفقّاع: يشرب قبل الطّعام ولا يشرب بعده.
واللّبن: لا يؤكل ولا يشرب إلا بعد وضع الشاة بشهر ونحوه.
والباقليّ؛ يؤكل بعد الفوذنج فإنه يذهب بنفخته.
اللوبياء: يؤكل بعده الخردل الرّطب، ويشرب بعده ماء الرّمّان
والسّكنجبين المعمول بالسّكر.
الهريسة: تؤكل بالفلفل الكثير والمرّيّ ولا يجعل فيها السّمن.
والمضيرة: تطبخ بالفوذنج والسّذاب والكرفس.
الزّيت الرّكابيّ: إذا خلط بالخلّ أو أغلي على النار ثم رفعت رغوته عاد كالمغسول. وفي الحديث: أن عمر ﵁ قال: عليكم بالزّيت، فإن خفتم ضرره فأثخنوه بالماء فإنه يصير كالسّمن.
عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ: «عليكم بالشّجرة التي نادى الله منها موسى ﵇ زيت الزّيتون ادّهنوا به فإنه شفاء من الباسور».
الخردل: يعجن بالخلّ ويغسل بالماء ورماد البلّوط أو رماد الكرم مرارا بعد أن ينعم دقّه ونخله، ثم يغسل بالماء القراح ويرشّ بالماء حتى تخرج رغوته ويكثر خلّه، ويخلط معه اللّوز الحلو أو ماء الرّمان الحامض وماء الزّبيب.
صورة ما جاء بخاتمة الجزء التاسع من النسخة الخطية التي نقل عنها الأصل الفتوغرافي.
تمّ كتاب الطعام وهو الكتاب التاسع من عيون الأخبار لابن قتيبة، ويتلوه في الكتاب العاشر كتاب النساء. والحمد لله ربّ العالمين، وصلاته على خير خلقه محمد وآله أجمعين.
وكتبه الفقير إلى رحمة الله تعالى إبراهيم بن عمر بن محمد بن عليّ
الجزريّ الواعظ، في شهور سنة أربع وتسعين وخمسمائة هجرية.
نجز كتاب الطعام ويتلوه في الجزء العاشر كتاب النساء.
جاء بعد خاتمة الجزء التاسع من النسخة الخطية التي نقل عنه الأصل الفتوغرافي ما يأتي:
قال الأصمعيّ: دخلت على هارون الرشيد وبين يديه بدرة، فقال: يا أصمعيّ، إن حدّثتني بحديث في العجز فأضحكتني وهبتك هذه البدرة؛ فقال: نعم يا أمير المؤمنين؛ بينا أنا في صحارى الأعراب في يوم شديد البرد والرّيح وإذا بأعرابيّ قاعد على أجمة وهو عريان، قد احتملت الرّيح كساءه، فألقته على الأجمة؛ فقلت له: يا أعرابيّ؛ ما أجلسك هاهنا على هذه الحالة؟
فقال: جارية وعدتها يقال لها سلمى، أنا منتظر لها؛ فقلت: وما يمنعك من أخذ كسائك؟ فقال: العجز يوقفني عن أخذه، فقلت له: فهل قلت في سلمى شيئا؟ فقال: نعم؛ فقلت: أسمعني لله أبوك! فقال: لا أسمعك حتى تأخذ كسائي وتلقيه عليّ؛ قال: فأخذته فألقيته عليه، فأنشأ يقول:
لعلّ الله أن يأتي بسلمىفيبطحها ويلقيني عليها
ويأتي بعد ذاك سحاب مزنتطهّرنا ولا نسعى إليها
فضحك الرشيد حتى استلقى على ظهره، وقال: أعطوه البدرة، فأخذها الأصمعيّ وانصرف.
ويروى أن الحسن بن زيد لما ولي المدينة قال لابن هرمة: إني لست
كمن باعك دينه رجاء مدحك أو خوف ذمّك، فقد رزقني الله بولادة نبيّه ﵇ الممادح وجنّبني المقابح، وإنّ من حقّه عليّ ألّا أغضي على تقصير في حقّ ربّه. وأنا أقسم لئن أتيت بك سكران لأضربنّك حدّا للخمر وحدّا للسكر، ولأزيدنّ لموضع حرمتك بي. فليكن تركك لها لله تعن عليه، ولا تدعها للناس فتوكل إليهم؛ فنهض ابن هرمة وهو يقول:
نهاني ابن الرسول عن المداموأدّبني بآداب الكرام
وقال لي اصطبر عنها ودعهالخوف الله لا خوف الأنام
وكيف تصبّري عنها وحبّيلها حبّ تمكّن في عظامي
أرى طيب الحلال عليّ خبثاوطيب النفس في خبث الحرام
ذكر هذا الخبر أبو العباس المبرّد في كتاب الكامل.
﷽
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع