من «الهفوات النادرة» لغرس النعمة الصابئ (ت ٤٨٠هـ)
الهفوات النادرة
ربّ أعنْ
قال الشيخ الأجل محمد بن هلال بن المحسن بن إبراهيم المعروف بالصابئ: الحمد لله رب العالمين، وصلواته على محمد النبي خاتم المرسلين، الذي انتخبه ربه تعالى للرسالة يؤديها، يوضحها ويبديها، صلاة يزكو لديه عرفها وطيب، ويورق في دوحته عودها الرطيب، كما صدق فيما حكى، وحقق فيما أدى، واحتمل الأذى وأغمض على القذى طاعة منه لمولاه، وصبراً على ما ابتلاه، وحرصاً على صلاح الأمة، ورضى بما لاقى في ذلك من المذلة، حتى أظهر الدين منشورة بنوده، منصورة جنوده، طالعة سعوده، ساطعة جدوده، ولم يزل معه ربه إلى أنت طبقت الأرض شرقاً وغرباً دعوته، وعمت الخلق عجماً وعرباً بركته، ضاعف الله تعالى في تلك الدار الخيرات، وأسبغ عليه السعادات، وأجزل قسمه من الزلفات، وحظه من رفيع الدرجات، بمنه ومجده.
وكنتَ جاريتني من الهفوات الجارية على ألسن المتحفظين المتحررين، والسقطات الآتية من الغارين الغافلين وما أشبه ذلك من المقالات وطرف الاتفاقات طرفاً استطرفناه وحديثاً استغربناه، واتفق أن لحقني منه ما صدق العجب والاستطراف، ونالني فيه من الخجل والحياء ما بلغ الإفراط والإسراف، فعلمت على جمع ما ندر من ذلك وإن كان قليلاً معلوماً، وضم ما تفرق منه إن كان علماً مأموماً، وأضفت إليه قطعة من أخبار المغفلين المحظوظين والجهال المرزوقين، فإنها جارية في أسلوبه، وشبيهة بمقصوده، إحماضاً لقاريه، وتنبيهاً له على قدر نعمة، اله تعالى عنده وفيه، والله تعالى ولي التوفيق والتسديد.
فأول ما أبدأ به ما خصني منه، وهو أنني كنت جالساً وإلى جانبي أبو سعد القادسي أحد المتفقهين المتشدقين، وجرى ذكر بعض ثقلاء الزمان المتعسفين فقلت مسرعاً متبرعاً: إنه يشبه ابن القادسي فيما يتعاطاه مما يتجاوز فيه الصواب ويتخطاه! ثم استيقظت من رقدة زلتي، وانتبهت لهفوتي، فالتفت إليه عجلاً وقلت له مسرعاً وكان له أخ بالحمق مشهور وبالهذيان معروف، وهو بذاك عالم، وله دائماً عليه لائم: اعلم أيها السيد أن أخاك يسمع من الألفاظ الأديبة، ذات المعاني الغريبة ما لا يفهمه، ويجب أن يستعمله، وعنده أن ذلك ورد يرده الواردون من غير تعب، ويورده الموردون من غير أدب، فيصدر عنه الكلام المستعجم، وتصير أغراضه ومعانيه لا تفهم، فنحن نضرب به الأمثال، هذاء يورده بوجه وقاح غير حيي، وخاطر لفاح غير وني فقال لي: والله العظيم إنني لألومه على فعله دائماً، وأمنعه منه دائباً، وأعلم أن الأقوال تكثر فيه، وتزري عليه، وهو على ما عمت من الجهل الذي يورده ولا يصدره، ويحسن له ما يقوله ويذكره! فحين شاهدته قد تحقق قولي ورضيه، ولم يخطر بقلبه ما يغضبه ويؤذيه، أتتني فرجة اقتحمتها، ولحقتني فرحة ما احتبستها.
وحدثني الوزير فخر الدولة أبو نصر محمد بن محمد بن جهير قال: حضر رسل نصير الدولة أبي نصر بن مروان الكردي أمير آمد وميافارقين وأعمالها عند معتمد الدولة أبي المنيع قرواش بن المقلد أمير بني عقيل، يستحلفونه على معاهدة بينت، ومعاقدة قررت، وفيهم المنازي الشاعر فلما حلف معتمد الدولة أنشد المنازي:
كلفوني اليمينَ فارتعتُ منهاكي غروا بذلك الارتياعِ
ثم أرسلتها كمنحدرِ السَّيلِ تهادى من المكانِ اليفاعِ
قال له قرواش: يا ويلك قبحك الله وقبح ابن مروان، ما هذا الكلام! وبدا الشر في وجهه، وكاد يكون ذلك اليوم آخر أيام المنازي من عمره، فبدأ المنازي باليمين الغموس أنه أنشد ما أنشد عن سهوٍ لا عن روية، وباتفاق سوء لا عن قصد ونية، فتحقق ذلك قرواش وصدق قوله، لأنه ممات لا يقدم عليه مثله، فأغضى وعفا، عما غلط فسه وهفا.
وحدثت عن بعض المغنين قال: حضرت عند شرف الدولة أبي المكارم مسلم بن قريش أمير بني عقيل يوماً أغنية، وجرى حديث عميد الملك أبي نصر الكندري ﵀ وزير طغرل بك، فذكرت من محاسنه وما كان يستعمله معي ومع أمثالي من العطاء الذي مولنا، والإنعام الذي خولنا، طرفاً قوياً أسرفت فيه وزدت قصداً لتحريك مسلم لمثله، ثم انتهت نوبة الغناء إلى حيث انتهى ذكري لعميد الملك وترحمي عليه، فضربت وغنيت:
قواصد كافورٍ توارك غيرهومن قصدَ البحرَ استقلَّ السواقيا
فقال لي مسلم: قبحك لله ما هذه المعاشرة! فاستيقظت لغفلتي وحلفت أنني لم أقل ما قلته عن نية فيه ولا عزمٍ عليه، إلا بحسب ما اتفق لي وعرض على قلبي، وخفت بادرة شره، فكفي الله تعالى وأمسك عني.
وكان عبد الله بن حسن بن حسن يساير أبا العباس السفاح يوماً بظهر مدينة الأنبار، وهو ينظر إلى مدينته التي بناها هناك، ويريه أبنيته فيها، ويعجبه بها، فأنشد عبد الله:
ألم تر مالكاً أضحى يبنيبناءً نفعهُ لبني بقيلهْ
يؤمل أن يعمَّر عمرَ نوحٍوأمرُ الله يأتي كلَّ ليلهْ
فتبسم السفاح كالمغضب وقال: لو علمنا لاشترطنا حسن المسايرة، فقال عبد الله: يا أمير المؤمنين، بوادر الخاطر وإغفال المشايخ فقال: صدقت، خذني في غير هذا، وأنشد السفاح:
أريدُ حياته ويريد قتليعذيرك من خليلك من مرادِ
وذكروا المدائني أن عيسى بن موسى بيننا هو يساير أبا مسلم يوم إدخاله على المنصور ووقوع الفتك به فيه إذا أنشد عيسى ابن موسى:
سيأتيك ما أفنى القرونَ التي مضتْوما حلَّ في أكبادِ عادٍ وجرهم
من كان آبى منكَ عزَّاً ومفخراًوأنهدَ للجيشِ اللهام العرمرم
فقال أبو مسلم: هذا مع الأمان الذي أعطيت، فقال عيسى: أعتقت ما أملك إن كان هذا الشيء من أمرك أضمرته، أو في الفك أجلته، بل خاطر أبداه لساني قال له: بئس الخاطر واله أبدى! ودخل على المنصور فأتاه ما أتى.
وحكى إبراهيم بن المهدي قال: لما اشتد حصار طاهرين الحسين للأمين أبي عبد الله خرج ذات ليلة من قصر الذهب إلى قصر القرا بقرب الصراة ووجه إلي فجئته فقال (لي): أما ترى طيب هذه لليل وحسن القمر وضوءه في دجلة والصراة؟ فقلت: إن الموضع لحسن فاشرب، فشرب رطلاً وسقاني رطلاً، وابتدأتن فغنيت بما يشتهيه علي، فقال لي: هل لك فيمن يضرب عليك؟ فقلت: ما أستغني عن ذلك؟ فدعا بجارية متقدمة عنده يقال لها ضعف، فتطيرت من اسمها، وقال لها: غني، فغنت بشعر النابغة:
كليبٌ لعمري كان أكثر ناصراًوأيسر جرماً منكَ ضرِّجَ بالدمِ
فاشتد ذلك عليه وعلي، ثم قال لها: غني غير هذا! فغنت:
أبكى فراقهم عيني وأرقهاإن التفرُّق للأحبابِ بكاءُ
ما زال يعدو عليهم ريبُ دهرهمُحتى تفانوا وريبُ الدهرِ عدَّاِءِ
فقال لها: لعنك الله، أما تعرفين غير هذا؟ فقالت: ما تغنيت إلا بما كنت تقترحه علي وتستدعي مني ثم غنت:
أما وربَّ سكونِ والحركِإنَّ المنايا كثيرةُ الشركِ
ما اختلف الليلُ والنهارُ ولادارتْ نجومُ السماءِ في الفلك
إلاَّ لنقل السلطانِ من ملكعانٍ بحبِّ الدنيا إلى ملك
وملكُ ذي العرش دائمٌ أبداًليس بفانٍ ولا بمشركِ
فقال لها قومي غضب الله عليك ولعنك! فنهضت وعثرت بقدح بلور حسن الصنعة فكسرته، فقال لي أما ترى! أظن أمري قد قرب، فقلت: بل يبقيك الله تعالى طويلاً، فسمعنا قائلاً يقول: "قضي الأمر الذي فيه تستفتيان" فقال لي: أما سمعت يا إبراهيم؟ فقلت: ما سمعت شيئاً وكنت قد سمعت، فلما كان بعد أيام (قلائل) قتل!.
وحكى الصولي قال: أمر الأمين أن يفرش له بساط على دكان في الخلد أيام الفتنة، فبسط وطرح عليه نمارق، وملئ من آنية الذهب المرصعة بالجوهر ومشام، المسك والعنبر بما ملأه، وبين يديه عشر مغنيات، فابتدأت واحدة منهن فغنت بشعر الوليد بن عقبة في عثمان ﵀:
همُ قتلوه كي يكونوا مكانهُكما غدرتْ يوماً بكسرى مرازبهُ
فإلا يكونوا قاتليه فإنهسواءٌ علينا ممسكاه وضاربه
فتأفف ولعنها، وقال الأخرى: غني، فغنت:
من كان مسروراً بمقتل مالكٍفليأت نسوتنا بوجهِ نهارِ
يجدِ النساءَ حواسراً يندبنُبالليلِ قبلَ تبلجَ الأسحارِ
فزاد ضجره، ولعنها، وقل الأخرى: غني، فغنت:
كليبٌ لعمري كان أكثر ناصراًوأيسرُ جرماً منكَ ضرج بالدمِ
فنهض، وأمر بنقض الدكان تطيراً بما جرى.
وعزم المأمون عند دخوله إلى بغداد على العبور إلى زبيدة والدة الأمين، ليعزيها به، فقدم إليها، من أعلمها ذلك، وعبر إليها فعزاها وأكثر البكاء معها، فقالت له: يا أمير المؤمنين إن دوائي وباب تسليتي في غدائك اليوم عندي، فأقام وتغدى، وأخرجت إليه من جواري الأمين من يغنيه، وسألته أن يأخذ منهن من يرتضيه، فأومى إلى واحدة إلى لتغني، فغنت وضرب الباقيات عليها:
همُ قتلوه كي يكونوا مكانهَكما فعلت يوماً بكسرى مرازبهْ
فإلاَّ يكونوا قاتليه فإنّهسواءٌ عينا ممسكاهُ وضاربهْ
فوثب المأمون مغضباً، فقالت له زبيدة: يا أمير المؤمنين حرمني الله أجره إن كنت علمتها أو دسست إليها به، فصدقها وعجب من ذلك.
وحدثني الرئيس الأجل أبو الحسين والدي قال: حدثني أبو إسحق إبراهيم بن هلال جدي قال: كنت بحضرة الملك عضد الدولة بن بويه بعد قتله عز الدولة أبا منصور بختيار ابن عمه، في مجلس أنس، وكانت مشعلة الثقيلة وظلوم الشهرامية قد حضرتاه، فابتدأت مشغلة، وكانت المقدمة عليها عنده فغنت:
أيا عمرو ولم أصبرْ ولي فيكَ حيلةٌولكن دعاني اليأسُ منكَ إلى الصبرِ
سأصبرُ محزوناً وإني لموجعٌكما صبر العطشانُ في البلد القفرِ
فظن أنها عرضت بعز الدولة بختيار، فأعرض عنها، وغاظه ذاك منها، وأقل الحفلَ بغنائها مع أنها واحدةُ زمانها، وأخذتُ أطريها فلا يرعيني سمعاً فيها، ثم غنت ظلومُ بعدها:
سيسليك عما فات مقبلٍأوائلهُ محمودةٌ أواخره
ثنى الله عطفيه وألف شخصهعلى الجود مذ شدت عليه مآزره
فتهلل وجهه، وطرب وشرب واستعاد الصوت، وقال لي: يا أبا إسحق، هذا الغناء، ولم يكن بين المرأتين تقارب، قال أبو إسحق: فما أدري كيف اتفق ذلك على مشغلة وأن غنت ظلوم بعدها ما غنت، فإن كان عن نية من ظلوم وعمدٍ فما قصرت، أو اتفاق فقد وفقت!
وكان العلاء بن الفيروزان يوماً على طعامه، ومعه بعض الرؤساء، فقدم جدي، فأنشد العلاء:
من كان يعجب الجداءُ الرضعُمن غير حاصله فلم لا يصفعُ
فرفع الرجل يده ونهض، وقال: أما أنا فما يعجبني! فاعتذر العلاء إليه، وحلف أنه لم يقصد ما أنشد، وإما جرى لسانه بما لم يعلم، فتمم الرجل نهوضه ولم يعد، والحق العلاء من الخجل ما ترك الأكل معه ونهض.
وروي شقير الخادم أنه كان مع المأمون في بلاد الروم، قال: فصاح بي ليلة وقال لي: ويلك من هوذا يغني؟ فقلت: ما يغني يا مولاي أحدٌ، قال: امض وتحسس، فمضيت إلى دار الحرم، وتحسست فلم أسمع شيئاً، فعدت إليه فأعلمته، فقال لي: ويلك! بلى والله إنه ليغني بشيء قد حفظته وهو:
ألم تعجب لمنزلةٍ ودورِخلتْ بين المشقر والحرور
كأنَّ بقيةَ الآثار فيهابقايا الخط! ِ من قلمٍ من قلم الزبور
واعتلَّ في اليوم الثالث من هذا ومات.
وقال إبراهيم بن المهدي: رأيت في منامي كأن قليب جارية الرشيد على منبر رسول الله ﷺ وفي يدها عود وهي تغني:
سوف يأتي الرسولُ من بعد شهرٍبنعي الخليفةٍ المأمونِ
فجاء نعيه بعد شهر!
وحدث محمد بن العباس اليزيدي قال: حدثني عمي عن أخيه أحمد بن محمد قال: لما فرغ المعتصم من بناء قصره بالميادين الذي كان للعباسية، جلس فيه وجمع أه بيته وقومه وأصحابه ومواليه، وأمر الناس أن يلبسوا الديباج ويدخلوا عليه، وجعل سريره في أفيوان المنقوس بالفسافا الذي كان في صده العنقاء، فجلس على سرير مرصع بأنواه الجوهر، ووضع على رأسه التاج الذي فيه الدرة اليتيمة، وفي الديوان الأسرة عن يمينه وشماله من حد السرير إلى باب الإيوان فكلما دخل رجل رتبه وهو بنفسه في الموضع الذي يراه، فما رأى الناس أحسن من ذلك اليوم، فاستأذنه إسحق بن إبراهيم في النشيد فأذن له، فأنشد شعراً ما سمع الناس أحن منه وفي صفته وصفة المجلس، إلا وأن أوله تشيب بالدار المتقدمة ونعته إياها، فكان البيت الأول منه:
يا دار غيرك البلى فمحاكِيا ليتَ شعري ما الذي أبلاكِ
فتطير المعتصم، وتغامر الناسُ على إسحق، وتعجبوا كيف ذهب مثل هذا عليه مع فهمه وعلمه وطول خدمته للملوك! قال: فأقمنا يومنا وانصرفنا، وما عاد منا اثنان إلى ذلك المجلس، وخرج المعتصم إلى سر من رأى، وخرب القصر.
وحدث حمدون بن إسماعيل قال: ما كان الخلفاء أحلم من الواثق ولا أصبر على أذى وخلاف، وكان يعجبه غناء أبي حشيشة الطنبوري، فوجد المعروف بالمسدود المغني من ذلك حسداً، وهجا الواثق بيتين، وكانا معه في رقعة، واتفق يوماً أن كتب رقعة إلى الواثق في حاجة له، وأراد تسليمها إليه، فغلط منها إلى الرقعة التي تتضمن الهجاء، فسلمها إلى الواثق فقرأها، وفيها:
من المسدودِ في الأنفِإلى المسدودِ في العينِ
أنا طيلٌ له شقٌّفيا طبلاً بشقينِ
وكان الواثق على إحدى عينيه فص وإلى ذاك نحا المسدود، فلما قرأها علم أنها فيه، فقال له للمسدود: قد غلطت من رقعة الحاجة التي سألتها إلى هذه الرقعة، فاحترس من مثل هذا! وردها إليه، فو الله العظيم ما زاده على هذا القول شيئاً، ولا تغير له عما كان عليه، وكان يحب أن يتشبه بالمأمون في أفعاله.
وذكر أحمد بن يحيى البلاذري قال: أقبل المتوكل يوماً فقام الناس إليه من بعيد، ولم يقم المنتصر ابنه حتى قرب منه، فاغتاظ المتوكل وجرى على لسانه:
همُ سمنوا كلباً ليأكلَ بعضهمْولو علموا بالحزمِ ما سمَّنوا الكلبا
فلم يبعد أن قتله المنتصر بعد ذلك.
وانحدر المستعين من سر من رأى إلى بغداد أيام الفتنة مع الأتراك التي آلت إلى إمامة المعتز وخلع المستعين وقتله، واستصحب معه محمد بن الواثق، وأغفل أن يأخذ المعتز والمؤيد معه، فلما نزل المستعين ببغداد على محمد بن عبد الله بن طاهر قال له محمد: يا أمير المؤمنين أين المعتز والمؤيد؟ فقال له: بسر من رأى، قال محمد فجرى على لساني أن قلت شعر زهير:
أضاعت فلم تغفر لها غفلاتُهافلاقتْ بياناً عند آخر معهدِ
دماً حول شلوٍ تحجل لطَّير حولهُويضعٍ لحامٍ في إهابٍ مقدَّد
فعلمت أن أمر الرجل مدبرٌ بتركه هذين الرجلين بسر من رأى، وبما جرى على لساني من التمثيل.
وكان بالبصرة مغنية تسمى فضلة، وتقلب خيط البرادة، وجذرها خمسة دنانير في كل ليلة، وكانت مفرطة في الجمال وطيب الغناء، وتقلب القاف كافاً في كلامها، فحكت أنه دعيت لأمير من أمراء البصرة، فلما حصلت عنده ابتدأت فغنت:
وما لي لا أبكي وأندبُ ناقتي ...
فجاء بكلامها: "أبكي وأندب ناكتي"، فتطير الأمير من قولها وقال: قدر وزناً لك خمسة دنانير وأحضرناك لما يحضر مثلك له، فإذا كنت تبكين، وتندبين ناكتك فما نريد مقامك عندنا، وصرفها! قالت: فخجلت أتمَّ خجل واستحييت أعظم حياء، وانصرفت خزيانة.
وحكت أنها ابتيعت للمتوكل، وحملت من البصرة إلى سر من رأى، قالت: فكنت أعلم آداب خدمة الخلفاء طول طريق، لأجل جهلي ونشوئي في خدمة العوام والسفهاء، فلما عدت إلى دار المتوكل وقع علي من التهيب والخوف ما أنساني جميع ما علمت ولقنت، وخلعت مداسي في بعض الحجر، وحملت إلى طرز عظيم، في صدره دست مضروب، فحين رأيت الدست صعدت على ما جرت العادة لي به في الختانات والأعراس، فقعدت إلى جانب الدست ساعة، ثم خرج غلام أسمر مليح الوجه، عليه قميص قصب مذهب وعمامة خفيفة مذهبة، وبين يديه خادم، فلما قرب قمت ولا أعفه، لكنني أظنه بعض أصحاب المتوكل، فقال: اقعدي، وجلس في عتبة الطرز، وجيء بمخدة، فجعلها خلفه، ثم دخل غلام شاب أملح منه، فقبل الأرض وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، ورحمه الله وبركاته، فعلمت حينئذٍ أنه المتوكل، فقمت هاربة من مكاني، فردني وأمرني بالجلوس حيث كنت أولاً جالسة ففعلت، وأجلس ذلك الرجل وهو الفتح بن خاقان مقابلي من الطرز، ثم قال: ما اسمك؟ قلت: فضلة، قال: ما لقبك، وقلت: خيط البرادة، فضحك ثم قال: بم تغنين؟ قلت: بالعود، فأمر بإحضار عود، فأحضر الخادم خريطة ديباج فيها عود، من عود فسلمه إلي فأصلحته وغنيت:
ما نقموا منْ بني أميَّةَ إللا أنهم يحلمون إنْ غضبوا
وأنهم سادةُ الملوكِ فماتصلحُ إلاَّ عليهمُ العربُ
فتغير لونه وقال: غني غير هذا، لعنك لله؟ وأنا لا أعلم ما في ذاك، فاندفعت فغنيت:
أعني ابن ليلى عبد العزيز بيابليون تغدو جفانه رذما
الواهب البختَ والولايدَ كالغزلانِ والخيلَ تعلكُ اللجما
طرب له طرباً شديداً، واستعادة مراراً، ثم التفت إلى الفتح ابن خاقان لمن هذا الشعر وفيمن قيل؟ فقال: هذا لكثير عزة في عبد العزيز بن مروان أخي عبد لملك بن مروان، فغضب أشد من الغضب الأول، وقال: يا خدم خذها فعلقها في خيط البرادة مشدودة بالشادوفة، ثم دخل غلام شاب ظريف، في يده عود، فجلس بين يديه وغنى:
أقبلي فالخيرُ مقبلْودعي قولَ المعلَّلْ
وثقي بالنجحِ إذْ أبصرتِ وجهَ المتوكلْ
ملك ينصفُ ياظالمتي منكِ ويعدلْ
فهو الغايةُ وألمأُمولُ يرجوهُ المرملِّ
فرفع المتوكل رأسه إلي وقال لي: كذا ويغني الناس! والله العظيم لا نزلت من مكانك حتى تحفظيه وتأخذيه عنه وتغنيه فما زال الغلام يردده حتى كحفظته ولقنته، وحططت فغنيته.
وذكر أن مغنية كانت تغني بين يدي المهدي، فغنت:
ما نقموا من بني أمية إللا أنهم يسفهون إنْ غضبوا
فقيل ها: غلطت في شيء تخلص له! فقالت: لا والله ما غلطت، وإنما بدأت بالبيت وعرفت غلطي بغنائي فيه، فاستدركته وأصلحته بما سمعتهم، ولم أرجع عنه ولم أورده على وجهه فيثقل على المهدي سماعه.
وحكى الربيع أن المنصور أحضر أحد بني أمية يوماً إلى حضرته، فوبخه على فعلهم، وعدد ما حضره ما مساويهم وقبيحهم توبيخاً لم يشك الرجل أن السيف بعده، فامتقع لونه وكان أن يقتله خوفه، ثم أن المنصور رجع عن ذلك القول إلى الصفح عنه وإيمانه، فقلت له قليلاً قليلاً: قد وهبك أمير المؤمنين فأشكره وأدع له! فقال الرجل بإنذعاره وانزعاجه:
فما بقيا عليَّ تركتمانيولكن خفتما صرد النِّبالِ
واتفق لسعادته أن لم يسمع المنصور قوله، ورد عليَّ ما حيرني وأدهشني، فأما الرجل فلم يدر ما قاله لسانه لزوال عقله عنه ومفارقة لبه له، فقال لي المنصور: ما قال فقلت: قال:
العبدُ عبدكمُ والأمرُ أمركمفعل عذابكَ عنّي اليومَ مصروفُ
فقال: لعل في أذنه ثقلاً، ولم يسمع ما قلناه في العفو عنه وهبة دمه، فلأعلمه ذلك واصرفه، فلت له (في) ذلك واجب، مما سمعه المنصور، صرفته، ثم حدثه من بعد بما كان منه فانذعر له، وحلف أنه لا يدري ما قاله، وقال: قد حقنت دمي بحسن تلطفك بعد أن أراد أن يطيح بسوء الاتفاق ويكون لساني القاتل لي!
وحكي أن امرأة وقفت للمأمون على الطريق وقد تحفظت كلاماً، سجعته ورتبه لتدعو له وبه وتستميحه فيه، فانقلب لسانها بالدعاء عليه على السجع الذي رتبته وهيأته، فعلم المأمون أنها غالطة، فقال: الله يفعل بنا ما نويته لا ما أبديته، اقضوا حاجتها.
وكان شاعر يعرف بالدلو يخدم بني عبد الرحيم في سني نيف وعشرين وأربعمائة، وهم وزراء لوقت، وله فيهم مدائح، ولهم إليه إياد ومنائح، وهو بهم مختص، ومعهم منتصر، فاتفق أن صعد يوماً من سفينة وهو سكران، وأبو سعد بن عبد الرحيم الوزير الأكبر منه قد لبس خفاً وإزاراً إلى دجلة هارباً من العسكر، فقال الدلو بسكره، غير عالم ولا عامد، بل بخاطر عن له عابث، شعراً هو:
سري يخبط الظلماء والليلُ عاكفُوزيرٌ بأوقاتِ التسلل عارفُ
وقصده بيده فيما أبداه، فلم يشك أبو سعد بن عبد الرحيم أنه عرفه وعناه، نزل إلى سميرة، انحدر فيها إلى حريم دار الخلافة، ثم عاود العبور والنظر بعد أيام، وجاءه الدلو بقصيدة يمدحه فيها، فمنعه من إنشادها واستخف به، وقال له: ويلك قد عاملناك بالجميل الذي لا تجحده، واستخلصناك لأنفسنا الاستخلاص الذي لا تنكره، فلم تصلح لنا ساعة من نهار وقفت لنا فيها على سر من الأسرار! لا فائدة لنا في الإقبال عليك والالتفاف إليك، وانصرف عنا معداً، فقال له: ما معنى هذا القول أيها الوزير، وأي سر عندي لك، ومتى كتبت بهذه المنزلة منك! فقال له: ويلك أما رأتني في اليوم الفلاني على الصورة الفلانية فقلت كذا وكذا؟
فقال: والله العظيم الرحمن الرحيم ما أدري ما يقو الوزير ولا أفهمه ولا عندي علم منه، فلا تجعل لي ذنباً تبعدني به! فقال: يلك أحقاً تقول؟ فحلف بالله تعالى وبالطلاق على صحة قوله وبطلان ما ظن فيه، فاستطرف أبو سعد لك استطرافاً شديداً، واستغربه كثيراً، وكان يحدث به دائماً.
ولما قصد المتنبي عضد الدولة أبا شجع بن بويه بفارس ممتدحاً له جلس له ووصله، فأول ما بدأ بإنشاده:
أوه بديلٌ من قولتي وسهالمنْ نأتْ والبديلُ ذكراها
فقال عضد الدولة أوه! وطعنه وتطير من ابتدأئه.
وحكى الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عبد قال: ذكر يوماً أبو الفضل محمد بن الحسين بن العميد الشعر فقال يحتاج الشاعر إلى حسن المطالع ورونق المقاطع، فإن فلاناً أنشدني في يوم نوروز قصيدة من كلامه أولها: "بقبر وما .. " فتطيرت من افتتاحه بذكر القبر، فتنغصت باليوم والشعر، فقلت له: كذا وكانت حالة أبي مقاتل مع الداعي لما امتدحه بقوله:
لا تقل بشرى ولكنْ بشريانغرَّة الداعي ويوم المهرجان
فإنه نفر من قوله "لا تقل بشرى" أشد نفار، وقال: أعمى ويبتدئ بهذا القول في مثل هذا اليوم!
وأنشد الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عباد عضد الدولة رقصيدة مدحه بها، فلما انتهى إلى قوله:
ضممتَ على أبناء تغلب تاءهاوتغلب ما كرَّ الجديدان تغلبُ
فتطير عضد الدولة من قوله (تغلب) وقال: نعوذ بالله وتيقظ الصاحب لهفوته فامتقع لونه، ولم يظهر تهيأ لما كان معه.
وأضاف تغلبي طائياً، فلما قدم إليه طعامه أنشد الطائي بيت جرير في الأخطل:
والتغلبي إذا تنحنحَ للقِرىحكَّ أستهُ وتمثَّلَ الأمثالا
واسترجع الطائي وعلم أنه على طعام، وفي ضيافة تغلبي، فرجع عن الطعام، فقال له التغلبي: عاود كعامك فإنما قلت ما قيل! قال: لا والله فإني استحيي أن أضع طعامك بحيث سمعتَ منه ما كرهتَ! ورحل عنه خجلاً عجلاً!.
ونزل أبو عبد الله بن الجصاص الجوهري يوماً مع الخاقاني الوزير في زبزبه، وفي يده بطيخة (فيها) كافور، فأراد أن يعطيها الوزير يبصق في دجلة، فبصق في وجه الوزير ورمى بالبطيخة في دجلة، فارتاع الوزير واشتغل بغسل وجهه مما أصابه، وانزعج ابن الجصاص وتحير لما شاهده من سوء فعلة وشدة تخلفه، فقال: والله العظيم أيها الوزير لقد أخطأت وغلطت، أردت أن أبصق في وجهك وأرمي بالبطيخة في دجلة! فقال: له الوزير: كذاك فعلت يا جاهل! فغلط في الفعل وأخطأ في الاعتذار.
ودخل الأخطل على عبد الملك بن مروان فاستنشده، فقال: قد يبس حلقي فمر من يسقيني فقال: اسقوه ماء، فقال: شراب الحمار، وهو عنده كثير! قال: أسقوه لبناً، قال: عن اللبن فطمت! قال: فأسقوه عسلاً، قال: شراب المريض! قال: فتريد ماذا؟ قال: أريد خمراً يا أمير المؤمنين، قال: ويلك أعهدتني أسقي الخمر لا أم لك، لولا حرمتك بنا لفعلت بك وعلت، فخرج فلقي فراشاً لعبد الملك، فقال له: ويلك إن أمير المؤمنين استنشدني، وقد صحل صوتي، فاسقني شربة خمر، فسقاه رطلاً، فقال: أعد لي آخر، فسقاه آخر، فقال له: تركتهما يعتركان في بطني، اسقني ثالثاً فسقاه ثالثاً، فقال: تركتني أمشي على واحدة أعدل ميلي برابع، فسقاه رابعاً، ودخل على عبد الملك فقال:
خف القطين فراحوا منك أو بكروا
فقال له عبد الملك: لا بل منك، فتطير من قوله، وعلم الأخطل خطأه فراجع وأنشد:
خفَّ القطينُ فراحوا اليومَ أو بكروا
ومر في القصيدة فلما بلغ إلى قوله:
شمسُ العداوةِ حتَّى يستقاد لهمْوأعظمُ الناسِ أحلاماً إذا قدروا
فقال عبد الملك: يا غلام خذ بيده فأخرجه ثم ألق عليه من الخلع ما تغمره به، ففعل.
وذكر إسحق بن إبراهيم الموصلي قال: دخلت يوماً على الواثق وهو مصطبح فقال: غني يا إسحق صوتاً غريباً لم أسمعه منك حتى أكون عليه بقية يومي مسروراً، فكأن الله أنساني الغناء كله إلا هذا الصوت:
يا دارُ إن كان البلى قد محاكْفإنَّه يعجبني أنْ أراكْ
أبكي الذي قدْ كان لي مألفاًفيكَ فآتي الدارَ من أجلِ ذاكْ
قال: فتبينت الكراهة في وجهه، وندمت على ما فرط مني، وتجلدت، وشرب رطلاً كان في يده، وعدلت عن الصوت إلى غيره، وكان والله ذلك اليوم آخر جلوسي معه.
وروى أنا أبا النجم العجلي ورد على هشام بن عبد الملك في الشعراء فقال له هشام: صفوا إبلاً فقبطوها، وأصدروها حتى كأني أنظر إليها، فأنشدوه، وأنشد أبو النجم العجلي قصيدته:
الحمدُ لله الوهوب المجزلأعطى فلم يبخل ولم يبخلِ
حتى بلغ إلى ذكر الشمس فقال:
وهي على الأفقِ كعينِ الأحولِ
ولم يقل (الأحول) وقطع البيت، وأرتج عليه، فقال له هشام: أتمم ويلك! فقال: (عين الأحول) وأتم القصيدة، فأمر هشام بوجء عنقه وإخراجه من الرصافة، وقال لصاحب شرطه: يا ربيع إياك وأن أرى هذا! فكلم وجوه الناس الربيع في أمره وأن يقره، ففعل، وكان أبو النجم متخفياً، يأوي (إلى) المساجد، ويصيب من فضول أطعمة الناس على المزابل، فاهتم هشام ليلة، وأراد محدثاً يحدثه، فقال الخادم له: أبغني محدثاً أعرابياً شاعراً يروي الشعر، فخرج إلى المسجد فإذا هو يأبى النجم، فضربه برجله وقال: قم وأجب أمير المؤمنين! قال: إني رجلٌ أعرابي غريب، قال: إياك أبغي، هل تروي الشعر؟ قال: نعم وأقوله، فأقبل به حتى أدخله القصر، وأغلق الباب! قال: فأيقنت بالشر، ثم مضى به وأدخله على هشام وهو في بيت صغير، بينه وبين نسائه ستر رقيق، والشمع يزهر بين يديه، فلما دخل قال له هشام: أأبو النجم: قال: نعم يا أمير المؤمنين طريدك، قال: اجلس، وسأله فقال: لمن كنت تأوي وأين منزلك؟ فأخبره، قال: ومالك من الولد؟ قال: ثلاث بنات وبني اسمه شيبان، وقال: وكيف اجتمعوا لك، وهل زوجت منهن أحداً؟ قال: نعم زوجت اثنتين وبقيت واحدة تجمز في أبياتنا كأنها نعامة، وقل: وما وصيت به الأولى؟ وكانت تسمى برة فقال:
أوصيتُ منْ برةَ قلباً حراًبالكلب خيراً والحماةِ شراً
لا تسأمي شرباً لها وجراًحتَّى ترى حلوَ الحياة مراً
وإن كستكِ ذهباً ودراًوالحيَّ عميهم بشرِّ طراً
فضحك هشام وقال: ما الذي قلت للأخرى، قال: قلت:
سبِّي الحماةَ وابهتي عليهاوإنْ دنتْ فازدلفي إليها
وأوجعي بالفهرِ ركبيتهاومرفقيها واضربي جنبيها
قال: فضحك حتى بدت نواجذه وسقط على قفاه، وقال: ويحك ما هذه وصية يعقوب لولده، فقال: ولا أنا كيعقوب، قال: ما الذي قد قلت: في وصيتك للثالثة؟ قال: قلت:
أوصيكِ يا بنتي فإني ذاهبُأوصيكَ أن تحمدكَ القرائبُ
والجارُ والضيفُ الكريم السَّاغبُلا يرجع المسكينُ وهو خائبُ
ولا تني أظفاركِ السَّلاهبُفي الزوجِ إنَّ الزوجِ بئس الصاحبُ
قال: وما قلت ف تأخير تزويجها؟ قال: قلت واسمها ظلامة:
كأنَّ ظلامةَ أختَ شيبانْيتيمةٌ ووالدها حيَّانْ
الرأسُ قملٌ كله وصئبانْوليس في السَّاقين إلاَّ خيطان
تلك التي يفزع منها الشيطانْ.
فضحك هشام حتى ضحك النساء لضحكه وقال للخادم: كم بقي معك من نفقتك؟ قال: ثلاثمائة دينار، فقال: أعطه إياها فيجعلها في رجل ظلامه مكان الخيطين! وكان أبو النجم أسرع الشعراء بديهةً.
وحكى عبد الله بن طاهر قال: حدثني من شهد لمأمون مع جماعة يتراءون هلال شهر رمضان، وأبو عيسى أخوه معه، وهو مستلقٍ على قفاه، فرأوا، وجعلوا يدعون للمأمون، فقال أبو عيسى قولاً أنكره عليه المأمون في التسخط لورود شهر رمضان، فما صام بعده، وقيل إنه قال:
دهاني شهرُ الصَّومِ لا كان من شهرِولا صمتُ شهراً بعدهُ آخرِ الدهرِ
فلو كانَ يغنيني الإمامُ بقدرةٍعلى الشَّهرِ لاستعديتُ جهدي على الشهرِ
ومات قبل ورود السنة الثانية.
وروي أن المأمون امتنع من النوم عند وفاة أبي عيسى أخيه، فدخل عليه أبو العتاهية فقال له المأمون: حدثني بحديث بعض الملوك ممن كان في حالنا، يا أمير المؤمنين لبس سليمان بن عبد الملك بن مروان أفخر ثيابه، ومس أطيب طيبه، وركب أفره دوابه، وتقدم إلى جميع من معه بأن يركب في زيه وسلاحه، ونظر في مرآته فأعجبه هيئته وحسنه، فقال: أن الملك الشاب! ثم قال لجارية له: كيف ترينني؟ فقالت:
أنتَ نعمَ المتاعُ لو كنتَ تبقىغيرَ أن لا بقاءَ للإنسانِ
أنت خلوٌ من العيوبِ وممايكرهُ الناسُ غيرَ أنك فانِ
فقال له: ويلك ما أنشدت؟ فقالت: والله ما أعلم، غير أن لساني نطق بما سمعت، فأعراض بوجهه وتطير من قولها، وعلمت الجارية بزلتها فاستطار عقلها، ولم تدر عليه الجمعة حتى حط ف قبره، فبكى الناس والمأمون، فما رئي أكثر باكياً من ذلك اليوم، وهذان البيتان لموسى شهوات.
وحدث أبو نواس قال: جاء شاعر غث إلى زبيدة فامتدحها بقصيدة قل فيها:
أزبيدةُ ابنةَ جعفرٍطوبى لزائركِ المثابِ
غطين منْ رجليكِ ماتغطى الأكفُ من الرِّغابِ
فهم الخدم به، فمنعتهم وقالت: إنما أراد الخير فأخطأ، ومن أراد الخير فأخطأ حب إلي ممن أراد الشر فأصاب، أعطوه ما أمل وتعرفوه ما جهل! قال أبو نواس: إنما أراد الشاعر أن يزيد على قول الآخر: "شمالك خيرٌ من يمين غيرك" فظن أنه إذا ذكر الرجلين كان أبلغ في المديح.
وقال دعبل بن علي: اجتمعنا ثلاثة من الشعراء في قرية تسمى (طهياثا) فشربنا يومنا ثم قلنا: ليقل كل واحدٍ منا بيتاً من الشعر في وصف يومنا، فقلت:
نلنا لذيذَ العيشِ في طهياثا
فقال الثاني:
لمّت حثثنا القدحَ استحثاثاً
فارتج على الثالث، وأعجلناه، فجاء على لسانه أن قال:
وامرأتي طالقةٌ ثلاثا!
ثم قعد يبكي وينتحب على تطلقه لزوجته، وقعدنا نضحك منه ونتعجب مما اتفق له.
ودخل أرطأة بن سهية المزني علي عبد الملك بن مروان، وكان قد أدرك الجاهلية، فرآه عبد الملك شيخاً كبيراً، فاستنشده ما قاله في طول عمره:
رأيتُ المرءَ تأكلهُ اللياليكأكلِ الأرضِ ساقطةَ الحديدِ
وما تبغي المنيَّةُ حين تأتيعلى نفسِ ابن آدم منْ مزيدِ
واعلمُ أنَّها سكرُ حتَّىتوفَّى نذرها بأبي الوليدِ
فارتاع عبد الملك، وظنَّ أنه عناه، وعلم ارطأة بسهوة وزلته فقال: يا أمير المؤمنين إني أكني بأبي الوليد، وصدقه الحاضرون، فسري عن عبد الملك قليلاً.
ومن طريف الاتفاق أنَّ سليمان بن عبد الملك كان من أشدِّ الناس غيرةً وكانت له جارية تسمى بعوان يجد فيها، وهي برسم سفره لشدة محبته لها، واتفق أن خرج في بعض السنين غازياً، فنزل بدير البلقاء وأقام هو وحرمه فيه، ترك العسكر وحواليه، وكان معه فارس يعرف بسنان الكلبي، أحسن الناس وجهاً وغناءً وشعراً، فزار قومٌ من بني عمه فأطعمهم وسقاهم، فقالوا: يا سنان ما أتمت ضيافتك! فقال: وكيف؟ قالوا: لأنك لم تغننا فتطربنا، فغناهم:
محجوبةٌ سمعتْ صوتي فارقهامن خر الليل لمّا طلَّها السَّحر
تثني على جيدها ثنتي معصفرةٍوالحلي منها على لبّاتها حصرُ
في ليلة البدرِ ما يدري مضاجعهاأوجها عنده أضوا أم القمرُ
لم يحجب الصَّوت أحراسٌ ولا غلقٌفدمعها لطروق الصوتِ منحدرُ
لو خليتْ لمشتْ نحوي على قدمٍتكادُ من رقةٍ للمشي تنفطرُ
فتفهم سليمان الصوت وقام مرعوباً نحو عوان، فلما أحسست به وقد كانت سمعت الشعر أنشأت تقول خوفاً من سليمان:
ألا ربَّ صوتٍ جائني من مشوهٍقبيحِ المحيَّا ناقصِ الأبِ والجدِّ
قصير نجادِ السَّيفِ جعدٍ بنانهإلى أمةٍ يدعى معاً وإلى عبدٍ
فلما دخل عليها وجدها نائمة في القمر، قد انحسر إزار أحمر كان عليها عن صدرها، وحليها يلمع في القمر على صدرها ونحرها، فلما رآها على الحال التي وصفها الشاعر تغير وارتعد، وقال لها، يا عوان والله لكأنه يراك وينعتك في شعره! والله لأقطعنه قطعاً، كاناً من كان، وخرج وكان على رأسها خصي فقالت له: إن لحقت سناناً وحذرته وأنجبته فلك رقبتك وديته! فمضي الخضي وقد سبقت رسل سليمان إلى سنان وأحضرته بين يديه مكتوفاً، فقال له: من أنت ويلك؟ قال: سان الكلبي فارسك يا أمير المؤمنين، فأنشأ سليمان يقول:
تثكُ في الثكلى سناناً أمهُكانَ لها ريحانةً تشمَّه
وخاله يثكله وعمهذو سفيةٍ حياتهُ تغمهُ
فقال سنان:
استبقي إلى الصَّباح أعتذرإنَّ لساني بالشرابِ منكسرْ
فارسك الكلبيُّ في يومٍ يكرْفإنْ يكنْ أذنبَ ذنباً أو عثرْ
فالسيد العافي أحقُّ من غفرْ
فقال: أما أني لا أقتلك، ولكن سأنكلك نكالاً يؤنثك من تفحلك، وأمر به فخصي، ومر بأن يخصى المخثنون في كل بلد، فسمي الدير دير الخصيان، فلا يعرف إلا به!.
وصف ذو الرمة وهو غلام بالبادية لعبد الملك بن مروان، وذكر له جودة شعره فأحب أن يراه، فتقد بإحضاره وأنفذ وراءه من استحضره، فلما دخل عليه قال له: ما اسمك؟ قال: غيلان، قال: ابن من؟ قال: ابن عقبة، ونسبه فانتسب إلى مضر، واستنشده فأنشد قصيدة أولها:
ما بالُ عينيكَ منها الماءُ ينسكبُكأنَّه من كلىً مفرية سربُ
واتفق أن كانت عينا عبد الملك تسيلان دائماً فظن أنه عرض له، فغضب وقطع إنشاده وأمر بإخراجه، فسأل من بعد عن السبب فيما فعل به فأعلم ذاك وانزعج منه، استطرف سوء الاتفاق له، أقام حتى أذن للشعراء فدخل معهم، وأعاد القصيدة، وقد غير الموضع منها وقال:
لمياءُ في شفتيها حوَّةٌ لعسٌوفي اللثاتِ وفي أنيابها شنبُ
كحلاءُ في برجٍ صفراءُ في دعجٍكأنها فضةٌ قد مسَّها ذهبُ
فأجازه وأكرمه، وقال: لو أنها قيلت في الجاهلية لسجدت العرب لها!.
وكان طاهر بن عبد الله بن طاهر قد ولي خراسان بعد موت أبيه عبد لله بن طاهر، وكان أديباً فاضلاً، قليل الرغبة في سماع الغناء، فحضره يماً مغن عراقي موصوف بالحذق (والذكاء) فابتدأ يغني وجماعة جلساء طاهر وخواصه حضور:
شبَّ بالإثلِ من عزيزة نارُأوقدتها وأينَ منكَ المزارُ
وكان اسم والدة طاهر عزيزة، فتغامز الحضور به، وأعلموه بهفوته، فانقطع وأمسك، فقال طاهر: ما له؟ فسكتوا، فقال: قد علمت سبب انقطاعه ليس يغني اليوم في مجلسنا إلا بهذا الصوت! فغني فيه يومه أجمع، وخلع عليه وأجازه.
وذكر عبد الصمد بن المعذل قال: كان خليلان الأموي يتغنى، ويرى ذلك زائداً في مروءته وفتوته مع شرفه في قومه وسعة نعمته، فحضر يوماً عند عقبة بن سلم الهنائي الأزدي، وهو يومئذٍ أمير البصرة من قبل المنصور، وكان جباراً عاتياً، فلما طعما وخلياً، انظر خليلان إلى عودٍ موضوع في جانب البيت، فعلم أنه عرض له به، فأخذه وتغنى:
يا بنة الأزدي قلبي كئيبُمستهامُ عندكم ما يؤوب
ولقد لاموا فقلت دعونيإن منْ تلحون فيهِ حبيبُ
فجعل وجه عقبة يتغير، وخليلانُ في غفة مما فيه عقبة، يرى أنه محسنٌ، ثم فطن لتغير وجهه، وعلم أنه قد غلط فيما تغنى به وذكر الأزدية فيهن فقطع الصوت وغنى مكانه:
ألا هزلت بنا قرشيية يهتز موكبُها
فسري عن عقبة، فلم فرغ من الصوت وضع العود، وحلف إيماناً أكدها على نفسه أنه لا يتغنى عند من يجوز عليه أمره.
وذكر أن بعض المغنين غنى عند الرشيد بشعر مدح به أخوه علي بن المهدي المعروف بابن ريطة، وهي بنت السفاح، وغناه المغني وهو لا يعرف قائله ولا من قيل فيه، وهو:
قل لعلي أيا فتى العربوخيرَ نامٍ وخيرَ منتسب
أعلاك جداكَ يا عليُّ إذاقصر جدٌ في ذروة النَّسبِ
فتغير الرشيد تغيراً شديداً، واستفهم المغنى عن الشعر وقائله ومن قيل فيه، فوجده لا علم من ذلك شيئاً، فبحث عن أول من غنى فيه مكان عبد الرحيم الرقاص، فأمر به فضرب أربعمائة سوطٍ.
وحدث القاضي أبو الحسن بن السيني قال: حضرت يوماً مجلساً فيعه أبو يعلى ين كيكس كاتب منيع بن حسان الخفاجي ووزيره في سنة اثنتين وعرشني وأربعمائة بالجامعتين، وقد حضر هناك رؤساء لبلاد من سقي الفرات للسلام على منيع بن حسن وأبي يعلى بن كيكس، وكانا وردا من الشام، وحضر في جملة الأشراف الطالبين من الكوفة الزكي أبو علي عمر بن محمد بن السابسي، والزكي الآمر الناهي في الإقامات وترتيب الأمور، وبين يديه غلام يدعى بأبي يعلى بن عرس، فأخذ الزكي يقول له: ويلك يا أبا يعلى افعل كذا وامض في كذا، وينتهره ويستخف به استعجالاً له وحثاً فيما يستنهضه فيه ويستبطئه، ويقول: يا أبا يعلى يا فاعل يا صانع! فلما طال ذاك على أبا علي بن كيكس، لأجل موافقة كنيته لكنيته، قال له: أيها الشريف سأستخدم ليوم غلاماً كنيته أبو علي، واستخف به بحضرتك، مجازاة لك عن هذا الفعل منك! فاسترجع الزكي واستيقظ وقال: الله الله يا سيدنا، فو الله ما كان عن قصد مني بل بنسية، حضرتني! فضحكت الجماعة منه، ثم قال أبو يعلى: كان بخوزستان مير من أمراء الديلم بخصب لحيته، فحضر في مجلس فيه رجل من أكابر أصحاب الملك (أبي) كاليجار، ولذلك غلام خضيب، وكان يأمره وينهاه ويقول له: يا خر منحنى يا فاعل ويا صانع، ويا حر منحى، ومدبر منحوس، وما يشبه هذا القول، فنهض الديلمي مغضباً وقال هذا تعريض بي قصد لي، وصار ذلك سبب عداوة تأكدت بينهما واستحكمت معهما.
وكان بالأهواز شيخ جلل ومتقدم كبير وذو نعمة ظاهرةٍ وحال زائدة يعرف بأبي إسحق بن هرون، فحدثني أبو سعد ابن سعدان العطار عنه قال: نفق له حمار مصري من مراكبه، وحضر عنده جماعة توجعوا له، وعزوه به، فتبرمك هم وبما واصلوه في ذاك قولهم، فقال لهم: أما مات حمار قبلي قط حتى انقلبت بي! أراد: ما مات لأحد حمار قبلي، فضحكوا وأمسكوا.
وحدثني أبو سعدٍ قال: رأى أبو إسحق يوماً خادماً راكباً، وبعده صبي أسود راكب يتبعه، فالتفت إلي وقال لي: هذا الصبي ولده، فقلت: يا سيدنا خادم لا يكون له ولد، فقال: صدقت، وأنت بغدادي والبغداديون أذكياء، فضحكت من قوه الثاني.
قال: وشكا علي يوماً قيامه للبول في الليل ووجدانه لبرد، فقلت: أنفذ إلى البصرة تستعمل لك مبولة زجاج تغنيك عن القيام في الليل، فقال: افعل، وأنفذ بمن استعملها وأحضرها فلما كان من الغد قال لي: أيها الشيخ ما نفعتنا تلك المبولة، ونحن في وجدان البرد على حالنا الأولى، فقلت: كيف ذاك؟ قال: قد جعلتها الفراش في طست على البالوعة، وأحتاج إلى أن أقوم إليها كما كنت أقوم! فضحكت وقلت: إذا كان الأمر على هذا فبل في البالوعة وأرح المبولة! ثم قلت: هذه تترك بقرب الفراش وبحيث تنالها اليد، فإذا أردت البول مددت يدك وأخذتها إلى الفراش وبلت فيها وأخرجتها وامتسحت بخرقة تكون معدة معها، وأنت في فراشك لم تبرح! قال نجرب هذا الليلة، وجئته من غد فقال: سبحان الله فما أحذقكم وأحصفكم وأعقلكم يا بغداديون جرى الأمر على ما ذكرته من غير زيادة ولا نقصان، فقلت: الحمد لله!.
النص من طبعة مجمع اللغة العربية بدمشق، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع