تجاوز إلى المحتوى

من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)

الحد الثامن في الصناعات والمكاسب والتقلّب والغنى والفقر

فمما جاء في الحرفة

مدح الحرفة وفضلها: قال النبي ﷺ لوفد عبد القيس: ما المروءة فيكم؟ قالوا: العفة والحرفة. وقال النبي ﷺ: خير الكسب كسب اليد لمن نصح. وكان عمر ﵁ إذا نظر إلى رجل سأله أله حرفة فإذا قال: لا، سقط من عينه.

ونظر عمر ﵁ إلى أبي رافع وهو يقرأ ويصوغ، فقال: يا أبا رافع أنت خير من تؤدي حقّ الله تعالى وحقّ مواليك. وقيل لأعرابي ينسج: ألا تستحي أن تكون نسّاجا، قال: إنما أستحي أن أكون أخرق لا أنفع أهلي، وحرفة يقال فيها خير من مسألة الناس.

وقال ﷺ: إن الله يحب التاجر الصدوق والصانع الناصح لأنه حكيم.

وقال أبو العتاهية:

ولا تدع مكسبا حلالاتكون منه على بيان
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «ما أنا إلا لمن بغاني»

ذمّ السّرقة: قيل: لا ترج الخير ممن يكون رزقه من ألسنة الموازين ورؤوس المكاييل يؤتى يوم القيامة بسوقي فيوزن عمله فتميل به الميزان، فيقول حوّلوا إلى الكفة الأخرى ففي الميزان عيب.

أصناف الصنّاع وتفضيل بعضها على بعض: قيل: الناس أربعة: ذو صناعة وزراعة وتجارة وإمارة، وما سوى ذلك فإنهم يغلون الأسعار ويكدرون المياه. وقال المأمون: السوقيون سفل والصناع أنذال والتجار بخلاء والكتاب ملوك على الناس.

كتب الوليد إلى صاحب الساحل: اجعل الحائك والإسكاف في مرتبة والحجام والبيطار في مرتبة، والبزّاز والصيرفي في مرتبة، والمعلّم والخصيّ في مرتبة والنخاس والشيطان في مرتبة.

وقيل: ثلاثة أعمال لم تزل في سفلة الناس: الحياكة والحجامة والدباغة. وقال حبيب بن محمد لمالك بن دينار: لو خيرت في الصناعات ما كنت تختار؟ فقال: أكون حدادا فأرى لفح النار لعلّي أتقيها، فقال حبيب: كنت أختار أن أكون حفّارا للقبور.

المتولّي صناعة تنافيه: قال شريك بن عبد الله: خمسة من الكبائر: عمياء مكتحلة، وسوداء مختضبة وخصي له امرأة، ومخنث يؤم قوما، وإعرابي أشقر. ومن العجائب: منجّم أعمى وأطروش صاحب خبر، وعطار أخشم، ومناد أخرس ومؤاجر أصلع، وجندي محفوف الشارب، وكنّاس متعزز وفيج منقرس ولحياني ينتف لحية كوسج، وديدبان أعمش وحجام قليل الفضول، وإمام أمي وكحال أرمد.

وضرب عبد الله بن أبي بكر ملاحا لم يحسن السباحة، وقال: من العجائب ملاح غير سابح.

المتولّي صناعة تليق به: من تمام آلة القاضي أن يكون لحيانيا، والقاص أن يكون أعمى شيخا بعيد الصوت، والزامر أن يكون أسود، والمغني فاره الدابة برّاق الثوب عظيم الكبر سيء الخلق، والشاعر أن يكون أعرابيا، والداعي إلى الله أن يكون صوفيا. من عمل عمل أبيه كفي نصف المعاش.

أنذال من الصناع متبجّح بعضهم على بعض: دعا حجّام كناسين يكنسان له كنيفا، فقال أحدهما للآخر: أتدري عند من نعمل؟

قال: لا، قال: نعمل عند حجّام، فقال: الحمد لله الذي أعلمنا ذلك قبل أن نشرب من كوزهم أردت والله أن أرمي بكل ما في جوفي. أطلب لي شيئا أشرب به فضرب يده إلى كوز معه في جوف جرّة ينقلون فيها الخرء، فمسحه بيده وناوله فشرب منه.

اجتمع كناسان على كنيف، فقال أحدهما: فيه من الخرء قامة، وقال الآخر: قامة وبسطة، فنزع ثوبه وقفز فيه وغاص ثم أخرج رأسه، وقال: تظنني حائكا.

وقع شرّ بين حجّام وحذّاء، فقال: أنت تمشط وتسرج، وأنا أحذو وأنت تشق بمبضع، وأنا بمخصف فما فضلك عليّ؟

ذكر من تولّى صناعة دنيئة من الأكابر: قيل: كان طالوت دباغا فآتاه الله الملك على رغم من كره، وكان داود ﵇ راعى غنم وآتاه الله الملك والحكمة، وموسى راعيا أجيرا لشعيب ﵉، وعيسى ﵇ صيّاد سمك وهذا باب يكثر أن يتبع.

في مدحه

لولا الحياكة والذين يلونهابدت الفروج ولاحت الأدبار

وفي ذم صناعة قليلة النفع يتمثل بقول الشاعر:

ومن يحترث حرثي وحرثك يهزل

ذمّ الإسكاف: قيل لمجنون: ما تقول في إسكاف مات وترك أختا وأما؟ فقال: ميراثه للكلاب ونفقته على الدباغين وليس لأمه ولا لأخته إلّا نثر التراب وتخريق الثياب. وقيل: وقع

كليب في كنيف فدعا إسكافا فقال: إدفع يدك إلى أخيك واخرج، فقال: ذرني في الكنيف ولا تصحح علي بذلك أخوتك. وقال الشاعر يعرّض به:

أنفذ في الطّعن من كليب ومنعمر والزبيدي فارس اليمن

الخيّاط: قال النبي ﷺ: عمل الأبرار من الرجال الخياطة وعمل الأبرار من النساء الغزل.

وقال ابن عباس: كان إدريس ﵇ خيّاطا وكذلك هود ولقمان ﵉، وكان نوح نجارا. وأتى أعرابي إلى خياط بثوب ليخيطه قميصا فقطعه فعلاه الأعرابي بالهراوة، وقال:

ما إن رأيت ولا سمعت بمثلهفيما مضى في سالف الأحقاب
من فعل علج جئته ليخيط ليثوبا فخرقه كفعل مصاب
فعلوته بهراوة كانت معيضربا فولّى هاربا للباب
أيشقّ ثوبي ثم يقعد آمناكلا ومنزل سورة الأحزاب

ذم الندّاف: قال رجل لندّاف: لو وضعت إحدى رجليك على حرّاء والأخرى على طور سيناء، ثم أخذت قوس قزح تندف به قطن الغمام في جياب الملائكة ما كنت إلا ندّافا، قال الصاحب:

قل لابن ماسويه الفقيهيا آنف النّاس من أبيه
جمعت ضدّين في مكانصنعة حلج وفرط تيه

المخاطر بنفسه من الصنّاع: في كتاب كليلة: خمس نفر، المال أحب إليهم من أنفسهم: المقاتل بالأجرة وراكب البحر للتجارة وحافر البئر والاسراب، والمدل بالسباحة والمخاطر على السم. وقد تقدم مدح الطبيب وذمه.

القين: قال جرير:

هو القين يدني الكير من صدر إستهويعرف مدّ الكلبتين أنامله

وقال آخر:

القين لا يصلح إلا ما جلسللكلبتين والعلاة والقبس

الكنّاس: قال رجل من الكناسين لآخر: ويحك ألا تعجب من فلان يزعم أنه كناس ابن كناس؟ فقال: قل له يا ابن الخبيثة مالك والكنس، قد والله بغضوا إلينا هذا العلم، أف وتف من النوكى رجاء أمس. ويقول أنا كناس، أما والله لو شهدنا ونحن نكنس المطابق والسجون فلا نخطىء ما قدرنا بزنبيل واحد ولا نتحاشى من الدخول في كنفها. علم من الكناس ابن الكناس، وكان أبو إبراهيم الكساح رئيس الكساحين، قال له أحمد بن سليمان: احمل مائة سفينة مع المائة التي كنت حملتها قبل، وخذ ثمنها. فقال: تلك المائة كنت قد جعلتها طعمة للأمير.

ومما جاء في المبايعات

مدح السوق: كان النبي ﷺ: إذا دخل السوق يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، اللهمّ إني أسألك من خير هذه السوق وأعوذ بك من الكفر والفسوق. وقيل: السوق موائد الله فمن أتاها أصاب منها. وقال ﷺ لرجل: الزم سوقك.

ذمّ السّوق: قيل للحسن ﵁: هلا تصلي فإن أهل السوق قد صلّوا، قال: من يأخذ دينه من أهل السوق، إن نفقت سوقهم أخّروا الصلاة وإن كسدت عجلوها. وقال: أهل السوق ذئاب تحت ثياب. وقال ابن السماك: يا أهل السوق سوقكم كاسد وبيعكم فاسد وجاركم حاسد ومأواكم النار.

ذكر أسواق العرب: كانت عكاظ ومجنّة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية، فلما جاء الإسلام تأثّموا أن يتجروا في الحج، فأنزل الله: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ

يعني في مواسم الحج.

مدح التجارة وذمّها: قال مجاهد في قوله تعالى: لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ

إنها التجارة، وأشراف قريش

كانوا تجارا، قال النبي ﷺ: لا خير في التجارة إلا لستة، تاجر إن باع لم يمدح وإن اشترى لم يذم وإن كان عليه دين أيسر الاقتضاء وإن كان له أيسر الاقتضاء وتجنب الحلف والكذب وقال ﵊: بعثت مرحمة ومرغمة ولم أبعث تاجرا ولا زارعا، وإن شاور هذه الأمة التجار والزراعون إلا من شح على دينه. وقال ﷺ: ما أوحى الله إلي أن أجمع المال وأكون من التاجرين، ولكن أوحى إليّ أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين، وقال تعالى: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها

فقرن التجارة باللهو وهو مذموم.

ذمّ الحكرة: قال النبي ﷺ: من احتكر على المسلمين طعامهم ضرب الله ماله بالإفلاس، وعنه ﷺ: من احتكر طعاما أربعين يوما فقد برىء من الله ورسوله وقال ﷺ: الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون.

وفي عهد أزدشير: لا تحبوا الاحتكار فيعمّكم القحط. وقال معاذ بن جبل ﵁: قلت يا رسول الله ما الحكرة، فقال: الذي إذا سمع بالغلاء فرح وإذا سمع بالرخص اغتم. وقال علي ﵁: لا أسمع بالكوفة برجل احتكر إلا أحرقت طعامه بالنار أو أنهبته. وكتب الوليد بن مصعب إلى صاحبه بالساحل: تفقد أمر الحناطين فإن زادوا في السعر من غير علة فأنهبهم عوامك فالغلاء من أسباب الفتن. مع الغلاء تكون الشكوى ثم الجلاء ثم الوباء.

تحليل البيع وذمّ الرّبا: قال الله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا

وقال: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ

وقال: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ

ولعن النبي ﷺ: آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه. وقال ﷺ: الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم عند الله من ستة وثلاثين زنية زناها زان. وقال ﷺ: يأتي على الناس زمان لا يبقى فيه أحد إلا أكل الربا فمن لم يأكله أصابه من غباره. وروي: كل قرض جر منفعة فهو الربا.

الحثّ على مراعاة العلم في المبايعة: قال أمير المؤمنين عليّ كرم الله وجهه: من أتجر بغير فقه فقد ارتطم في الربا. وقال الضحاك: ما من تاجر ليس بفقيه إلا أكل الربا شاء أم أبى.

المكروه من البيوع: قال النبي ﷺ: لا يبيع أحدكم على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه. وقال ﷺ: لا تناجشوا والنجش الزيادة في السلعة من غير حاجة، ونهى عن تلقي الركبان وبيع حاضر لباد. وقال ﷺ: لا يحل شراء المغنيات ولا بيعهن ولا تعليمهن، وتلا قول الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ

. ونهى عن بيع فضل الماء، فقال: من منع فضل الماء ليمنع به فضل الكلأ منعه الله فضل رحمته يوم القيامة. وقال ﷺ: لا يحل

منع الملح، وكل ذلك مكروه، وإذا فعله إنسان صح بيعه وشراؤه.

السّلف: قال ابن عباس ﵄: قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون في التمر العام والعامين، فقال ﷺ: من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم. وكان ﷺ استسلف بكرا فجاءته إبل من إبل الصدقة، قال أبو رافع: فأمرني النبي ﷺ أن أقضي الرجل بكره فلم أجد إلا رباعيا، فقال ﷺ: أعطه إياه فإنّ خير الناس أحسنهم قضاء.

السّهل البيع: مر النبي ﷺ برجل يبيع شيئا، فقال: عليك بالسماح أول السوق فالرباح في المساح.

وعن أبي هريرة ﵁: أحب الله عبدا سهلا، إذا باع أو ابتاع سمحا إذا قضى أو اقتضى. وقال ابن عون: ما أرسلني الحسن ﵁ في ابتياع شيء له إلا قال: لما عدت بارك الله فيك، ولم يسألني عن ثمنه وما أرسلني ابن سيرين إلا قال حين عدت:

كيف اشتريت؟ وقيل لعبد الرحمن بن عوف ﵁: بم بلغ بسارك فقال لم أرد ربحا ولم أشتر عيبا ولم أبع بنسيئة.

جواز المماكسة: قيل: المماكسة في البيع مكايسة. وكان عبد الله بن جعفر يماكس في درهم ويجود بمال، فقيل له في ذلك، فقال: الغبن في البيع بله وفي الجود كرم. وقيل لآخر مثل ذلك، فقال: الغبن في البيع جود بالعقل وفي السخاء جود بالمال، ولا أسخى بالعقل وقيل: الحر يتغابن في ابتياع الحمد ولا يتغابن في الشراء والبيع. وقيل: من الغباوة السخاء في التجارة.

وكان ابن عمر ﵁ لا يرى بأسا بالمماكسة والمكايسة. والهند لا تستحل غرارة الجاهل وتستحل غبن البائع.

عذر مبتاع مرغوب فيه بفضل ثمن: اشترت سكينة شيئا بفضل ثمن، فقيل: غبنت فقالت: ما غبن من بلغ شهوته، وقيل:

استكرمت فاربط واشدد يديك بغرزة ولا تنظر إلى كثرة ثمنه. قال شاعر:

أشدد يديك به وحزهـ فإنه علق مضنّه

الحثّ على استجادة ما تشتريه: قال عمر ﵁: إذا اشتريت بعيرا فاشتره سمينا فإن أخطأك الخبر لم يخطئك

النظر، وقيل: الغبن غبنان غبن الغلاء وغبن الرداءة، فإذا اشتريت فاستجد تربح أحد الغبنين. وقيل لبعضهم: بم كثر مالك؟ فقال: لم أشتر قط غبنا ولا شينا.

مدح متظلف عن المبايعة

وعن التفكر في الطفيف. قال شاعر

يبيع ويشتري لهم سواهمولكن بالسّيوف هم تجار
للشاعر الخُرَيْمي، اقرأ القصيدة

وقال العباس بن المأمون لغلامه: إن رأيت نقلا حسنا فاشتر بنصف درهم، فقال المأمون: لا تفلح إذا عرفت للدرهم نصفا. وطلب الحسن ﵁ ثوبا، فقيل:

بثلاثة عشر ونصف، فقال: خذ أربعة عشر فالمسلم لا يشاطر أخاه الدرهم.

ترك مبيع لغلائه: كان الفضيل ﵁ إذا أرسل غلامه ليشتري له شيئا فرجع إليه، فقال وجدته غاليا، قال: الحمد لله إذا غلا علينا شيء تركناه. وقال بعضهم: إذا غلا عليّ شيء تركته فيكون حينئذ أرخص ما يكون، قال شاعر:

وإذا غلا شيء عليّ تركتهفيكون أرخص ما يكون إذا غلا
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «إني رأيت الصبر خير معول»

وأنشد جحظة هذا البيت مجيزا له:

إلا الدقيق فإنّه قوت لنافإذا غلا يوما فقد نزل البلا
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

واشتهت امرأة مزبد يوما عليه جراد فقالت: اشتر لي فإن مدا منه بدرهم. فقال لو جاء الدجال بزلزلة المدينة وأنت ما خض بالمسيح تنتظرين أن تأكلي الجراد وتضعي الحمل ما اشتريته بهذا السعر.

من باع نفيسا واشترى خسيسا: قال الله تعالى: وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ

. باع رجل دابة واشترى بها بازيا فقال له أبوه: يا أحمق بعت ما تركبه واشتريت ما يركبك. وباع رجل بستانا واشترى به دابة، فقال له رجل: بعت ما كنت تعلفه السرجين فيعوضك الشعير بما يأكل ويعوضك السرجين.

وفي المثل: كالمشتري النافقاء باليربوع وما كل مبتاع من رابح، قال ابن معروف القاضي:

يا خاسر الصفقة في سعيهوبائعا بالخزف الدرّه

كان يباع زرياب بدينار فقال أعرابي: لماذا يصلح هذا؟ فقيل إنه يضغب ضغيب السنور، فقال: اشتر سنورا بنصف درهم يضغب لك أجود من هذا ويصطاد الفأر زيادة.

بيع نفيس للحاجة إليه: دخل أعرابي بفرس يبيعه، فقيل له: صف فرسك، فقال: ما طلبت عليه قط إلا لحقت ولا طلبت عليه إلا سبقت، فقيل له: فلم تبيعه؟ فقال:

وقد تخرج الحاجات يا أمّ مالككرائم من ربّ بهنّ ضنين
للشاعر أبو الحسن الفالي، اقرأ القصيدة

ذمّ البيع والابتياع نسيئة: قيل: إياك أن تتكلم على وجهك في سوقك دون رأس مالك، أو تشتري شيئا بجميع مالك وخير التجارة ما لا يعرف أهلها النسيئة. باع رجل دارا من تركي نسيئة فجاءه يوما متقاضيا فأخذه وصفعه صفعات، فلما انصرف، قيل له: ما استوفيت من ثمن الدار، فقال:

صفعات في قفاي. عرضت جارية على عمر بن عبد العزيز ﵁ فأحب شراءها ولم يكن عنده ثمنها، فقال البائع: أنا أوخرك، إلى العطاء، فقال: لا أريد لذة عاجلة بذلة آجلة. وعرض على رجل شيء ليشتريه، فقال: ما عندي ثمنه، فقال البائع: أنا أؤخرك، فقال: أنا أؤخر نفسي.

بيع مرغوب عنه: قال أبو حكيمة في عبد باعه:

بعنا تعيسا ولم يحزن له أحدقد غاب عنّا فغاب الهمّ والنكد
أحسن به خارجا من بين أظهرنالم نفتقده وكلب الدار يفتقد

وباع عبيد الله ضيعة له، فقال:

قيل لي كيف أنتم قلت بعناضيعة عدة بشيء قليل
فيه أدنى صون وأدنى نوالواسترحنا من طول غمّ الوكيل

وله:

ومبتاع بعض الملك منّي يقول ليوما باعه إلّا نوائب تعتري
متى صرت مضطرا لبيع ذخائرفقلت له مذ صار مثلك يشتري

المغالاة بما لا يقلّ وجوده: عاتب محمد بن عبد الملك الزيات أبا تمام في أنه يمدح غيره من السوقة، فقال:

رأيتك سمح البيع سهلا وإنّمايغالي إذا ما ضنّ بالشيء بائعه
فأما إذا هانت بضائع مالهفيوشك أن تبقى عليه بضائعه
هو الماء إن أجممته طاب وردهويفسد منه أن تباح شرائعه
للشاعر ابن الزيات، اقرأ القصيدة

وقال ربيب النصراني:

وكلّ شيء غلا أو عزّ مطلبهمسترخص ومهان القدر إن رخصا

أحبّ شيء إلى الإنسان ما منعا

قيل: كل مبذول مملول، وكل ممنوع متبوع.

الوزن والكيل: قال الله تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ

(الآية) وقال ابن عمر ﵄: أقبل علينا رسول الله ﷺ فقال: يا معشر المهاجرين لا ينقص قوم المكيال والميزان إلا أخذهم الله بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم. قال عكرمة:

أشهد لكل كيال ووزان بالنار إلا القليل منهم، فقيل له: سبحان الله وكيف؟ قال: لأنه لا يزن كما يتزن ولا يكيل كما يكتال. وقال ﷺ لقوم شكوا إليه سرعة فناء طعامهم: كيلوا ولا تهيلوا، وقال ﷺ لرجل ابتاع منه شيئا: زن وأرجح.

مدح الإقالة في البيع والحثّ عليها: قال ﷺ: من أقال مسلما أقال الله عثرته يوم القيامة.

الشريك في البيع: قال السائب: كان رسول الله ﷺ شريكي، وكان خير شريك لا يشاري ولا يماري.

وقال ﷺ: لا تزال يد الله على الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه فإذا خان أحدهما صاحبه رفع البركة عنهما.

الشّفعة في البيع: قال النبي ﷺ: الجار أحق بصفقته. وقال ﷺ: الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها إن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا، وقال ﷺ: من كان له شريك في زرع أو نخل فليس له أن يبيع حتى يأذن شريكه، فإن رضي أخذ وإن كره ترك وقال ﷺ: إذا أرفت الحدود فلا شفعة، يعني ميزت وبيتت، وقال: الشفعة فيما لم يقسم.

الخيار في البيع: قال النبيّ ﷺ: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار. وشكا رجل إلى رسول الله ﷺ أنه يغبن في البيع، فقال ﷺ: إذا ما بعت فقل لا خلابة ثم أنت بالخيار إلى ثلاثة أيام.

وقال ﷺ: من اشترى شاة مصرّاة فهو بالخيار إن شاء أمسك وإن شاء ردها ومعها صاعا من تمر.

ما هو في حكم المستثنى من البيع: قال النبي ﷺ: من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع. ومن باع نخلا مؤبرا فثمرته للبائع إلا أن يشترطه المبتاع.

مدح الدلالين وذمّهم: قال بعضهم: نعم المعين على البيع والإبتياع وعلى الألفة والاجتماع الدلالون، ولو أمكن الاستعانة بهم في الفراش لا نتفع بمكانهم. وقيل: آذى بعض الدلالين الأصمعي في شيء، فقال: شر الناس الدلالون لأن أول من دل إبليس حيث قال لآدم: هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى.

الكفالة: قال النبي ﷺ: الزعيم غارم. وكلم رجل آخر في أن يؤخر شيئا على غيره، فقال:

إضمن أنت عنه، فقال: أردنا منك سعة المهلة فكفتنا ضيق الضمان. قال الخليل: في الكفالة ست خصال، الندامة والملامة والكفران والخسران والغرامة والقطيعة. وقيل: إن الفرس صورت كل شيء حتى الكفيل ينتف لحيته من الندامة.

الحوالة: قال النبي ﷺ: إذا اتبع أحدكم على ملأ فليتبع، ومن غير هذا الباب احتيج أن يكتب على المعتضد كتاب ليشهد فيه العدول، فكتب في صحة من عقله وجواز أمر له وعليه، فقال جعفر بن محمد بن ثوابة: لا يجب أن يكتب هذا للخليفة، فضرب عليه وكتب: في سلامة من جسمه وأصالة من رأيه.

ومما جاء في الدين ومتعلقاته

من مات وعليه دين: قال النبي ﷺ: من داين الناس بدين في نفسه وفاؤه ثم مات وليس عنده وفاؤه، تجاوز الله عنه وأرضى غريمه بما شاء. ومن داين الناس بدين ليس في نفسه وفاؤه ثم مات وليس عنده وفاؤه اقتص الله لغريمه منه. وقال النبي ﷺ: نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضي عنه وقال أبو هريرة ﵁: جيء بجنازة يوما فوضعت بين يدي النبي ﷺ، فقام ليصلّي عليه، فقيل: إن عليه دينا، فقال صلّوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة ﵁، على دينه يا رسول الله، ثم خطب فقال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من مات وعليه دين أو ضياع فعليّ ومن ترك مالا فلورثته.

مدح من أدنت عليه: وقال سعدان:

ولو كنت مولى قيس عيلان لم تجدعلى الإنسان من الناس درهما
ولكنّني مولى قضاعة كلّهافلست أبالي أن أدين وتغرما
للشاعر أبو قَطَن الغَنَوي شهيد الكرم، اقرأ القصيدة

وهذا أجمع شعر جمع فيه بين مديح وهجاء. وقال ابن الرومي:

عليّ دين نبيل أنت قاضيهيا من يحملني دينا رجائيه

من قضى دينا بدين: قال شاعر:

إذا ما قضيت الدّين بالدّين لم يكنقضاء ولكن كان غرما على غرم

وقال آخر:

أخذت الدين أدفع عن تلاديوكان الدين أدفع للتلاد

وقيل لمحمد بن واسع: فلان قد قضى دينه مما كسبه، فقال: ما كان أكثر دينا قط منه الساعة.

من أعطى دينا على أن يسترجع: قال أبو الأصبع:

أيها المسترفدونالقرض في برد الشتاء
ليس قرضي لكم الدهربقرض ذي اقتضاء
أنت عندي منه فيحلّ إلى جن الظّباء
فاستعن بالواحد الفرد وأخلص في الدّعاء
فلعلّ الدهر يأتيعن قريب بامتلاء

من تقاضى دينا قديما: للبحتري:

من أمارات مفلس أن تراهموجفا في اقتضاء دين قديم
للشاعر البحتري، من قصيدة «قَدْ تَرَى دارِاساتِ تِلْكَ الرّسومِ»

وطلب رجل دينا عتيقا، فقال: دعني من هذا، فهذا دين عتيق. فقال: لعن الله من أعتقه.

من أحسن التقاضي: قال النبي ﷺ: خيركم أحسنكم قضاء. وقال ﷺ: خيركم الذي إذا كان عليه دين أحسن القضاء وإذا كان له أحسن الاقتضاء. وقال ﷺ: من أدان دينا وهو ينوي أن لا يؤديه إلى صاحبه فهو سارق.

قال ابن الرومي:

هو دين وأحسن الأمر فيهأن يكون القضاء قبل التّقاضي

الحثّ عليه: قال النبي ﷺ: رحم الله امرأ سهل البيع سهل الشراء سهل التقاضي. وقال ﷺ: من طلب أخاه فليطلبه في عفاف وافيا أو غير واف. وقال ﷺ: كفى بالمرء من الشحّ أن يقول آخذ حقي لا أترك منه شيئا، قال:

إنّي وجدتك من قوم إذا طلبوابعد النسيئة دينا أحسنوا الطّلبا

وقال آخر:

وحسبك من تقاض المرء يومالحاجته الزيارة والحديث

الرخصة في التقاضي: استسلف النبي ﷺ من رجل تمرا فلما جاء يتقاضاه قيل له في ذلك، فقال رسول الله ﷺ:

دعه فإن لصاحب الحق مقالا، انطلق إلى خولة بنت حكيم فالتمسوا عندها تمرا، فقالت: والله ما عندي إلا تمر ذخيرة. فقال: خذوه فاقضوه، فلما استوف ى قال له: استوفيت، قال: نعم قد أوفيت وأطيبت. فقال ﷺ: إن خيار هذه الأمة الموفون المطيبون.

المتبجّح بمطل الدين والنّاوي الذهاب به: قال بعضهم:

أماطله العصّرين حتّى يملّنيويرضى بنصف الدّين والأنف راغم

وقال عبّاس السليطي:

إني وجدّك ما أقضي الغريم وإنحان القضاء ولا رقّت له كبدي
إلّا عصا رزنت طالّت برايتهاتنوء ضربتها بالكفّ والعضد

وقال، وقد نظر إلى غريم له يحسب ربحه:

يلوي بنان الكفّ يحسب ربحهولا يحسب المطل الذي أنا ماطله
ومن دون ما يرجو عناء مبرحأواخره ما تنقضي وأوائله

وذهب رجل إلى صديق له، فقال: أقرضني مائة درهم لأشتري بها شيئا عسى أربح فيه عشرين درهما، فقال: إني أعطيك عشرين درهما وأتخلص. فقال: لا أريد إلا المائة، فقال: حديث من لا يريد أن يرد الدين.

العارية: قال النبي ﷺ: العارية مؤداة. قال بشر: أحق الخيل بالركض المعار. وجلس بعض أصحاب الحديث فقال واحد لآخر: تفضل وأعرني قلما فأعطاه، فقال: وأولني ورقا فدفعه إليه، فقال: ومحبرة فأعطاه، وقال: يا فتى أتنشط للتزوج فإن أمي فارغة. وفي ذم من لا يعير، قال الله تعالى: وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ.

الإفلاس: قال رسول الله ﷺ: أيما رجل أفلس وعنده مال امرىء بعينه لم يقبض منه شيئا فهو

أحق بعين ماله، فإن قبض منه شيئا فهو أسوة الغرماء. وقال الحجّاج: لا تجعلوا مالي عند من لا يمكنني استرجاعه منه، فقيل: ومن الذي لا يمكنك استرجاعه منه، قال: المفلس.

وقيل لمفلس: يا مرابي، فقال: فأل حسن. وفي المثل: أفلس من طنبور بلا وتر.

وقيل لمفلس: هل في كفّك مال، فقال: هو أفرغ من فؤاد أم موسى. وفلس القاضي رجلا فأركبه حمارا وطوّف به ونودي عليه أن لا يبايع فإنه مفلس، فلما أنزل، قال له صاحب الحمار: هات الكراء، فقال له: فيم كنا من أول النهار يا أبله.

الحثّ على أخذ الرّهن: قال الله تعالى: فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ

. وقيل: إن الله تعالى لا يسمع دعاء من له على غيره حق، ولا رهن لديه ولا قبالة له عليه، فيقول: قد أمرتك بالاستيثاق فخالفت. ورهن ﷺ درعه بثلاثين صاعا من شعير كان أخذها رزقا لأهله.

حكم غلق الرهن وتلفه: روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ: لا يغلق الرهن الرهن، من راهنه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه. وروي: الرهن بما فيه وروي عنه ﷺ: الرهن مركوب ومحلوب. وقال بعض الشعراء في السخف:

أمسى غلامك رهنا لا انفكاك لهوالرهن في الحكم مركوب ومحلوب
فالدرّ منه حرام ما نطيف بهوالظهر منه على الأحوال مركوب

الراهن آلات داره لفقره: قال زياد الأعجم يشكو فقرا:

لقد لجّ هذا الدهر في نكباتهعليّ إلى أن ليس في الكيس درهم
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة
وأمست جواليقي برغم طبيعتيرهانا عليّ ما في الجواليق يعلم

وأخذ ذلك أبو زرعة الكناني، فقال:

وسفرتي في السّوق مرهونةعلى الذي يؤكل في السّفرة

الرهون الظريفة من السخفاء: قيل: تقدم رجل إلى بقال يسأله فامتنع فدنا منه فسارّه فدفع إليه، فقيل له: ما قال لك؟

قال: رهنني طلاق امرأته وذلك أنه حلف بالطلاق أنه يرده غدا. فقال: ما رأيت رهينا مثله قط.

وتقدم فتيان إلى فقاعي فشربوا فقاعا، وقالوا: ما معنا شيء فخذ من كل واحد منا صفعة رهنا، فصفع كل واحد صفعة، فجاؤوه في اليوم الثاني فقالوا خذ حقك ورد الرهن، فقال:

حلال لكم، فأبوا إلّا رد الرهن وأخذ الحق فأعطوه حقه وصفعه كل واحد صفعة.

ومما جاء في الأيمان

النهي عن الحلف بغير الله: قال النبي ﷺ: من كان حالفا فليحلف بالله. وكانت قريش تحلف بآبائهم، فقال ﷺ: لا تحلفوا بآبائكم.

الرخصة في لغو اليمين: قال الله تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ

وقيل: لغو اليمين أن يقول كان كذا والله ولا والله ونحو ذلك، وروي أن رجلا قال للحسن، وعنده الفرزدق، ما تقول فيمن يقول بلى والله ونعم والله، فقال الفرزدق: أما سمعت قولي في ذلك. فقال الحسن ما قلت، فقال:

فلست بمأخوذ بلغو تقولهإذا لم تعمّد عاقدات العزائم

فقال الحسن: أصبت. ثم قيل له: ما تقول في امرأة لها حليل؟ فقال الفرزدق: ألم تسمع قولي:

وذات حليل أنكحتها رماحناحلالا لمن يبني بها لم تطلّق
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «نحن أرينا الباهلية ما شفت»

فقال الحسن: أصبت. فقال الفرزدق: كنت أراني أشعر منك، فإذا أنا أفقه منك أيضا.

وصف الكاذب بكثرة الحلف: قيل: علامة الكاذب جوده بيمينه لغير مستحلف، ومنه أخذ المتنبّي:

وفي اليمين على ما أنت واعذهما دلّ أنّك في الميعاد متّهم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

وقال المنصور لعمر بن عبيد: بلغني أن كتاب محمد بن عبد الله الدارمي ورد عليك، فقال: قد ورد له كتاب وما قرأته وأنت تعلم رأيي في الخوارج، فقال له: طيّب نفسي بخلعة، فقال: لا تسمني فإني إن كذبتك تقية لأحلفن تقية.

الإيمان بالله: من حلف أمير المؤمنين ﵁: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لا والذي أمن من آمن به، وبالله جهد المقسم، وبالله الذي لا شيء أعظم منه وكل يمين بعد دونه، وأنا أعلم علم اليقين واحلف إن دعيت إلى اليمين الصابي، والله العظيم مالك يوم الدين وأنا غني عن اليمين، إني أعلم ذلك علم اليقين، بالله يمينا حلوة مرة. ومن أقسام النبي ﷺ: لا ومقلب القلوب، لا والذي نفسي بيده، قال شاعر:

وأقسمت بالرحمن لا شيء غيرهيمين امرىء برّ ولا أتحلّل

قال أبو بكر الصولي: لا أعرف في الأيمان شعرا أعذب من قول البحتري:

حلفت بربّ زمزم والمصلّىوربّ الحجر والحجر اليماني
للشاعر البحتري، من قصيدة «عناني من صدودك ما عناني»
وبالسّبع الطّوال ومن تولّىتلاوتهنّ والسبع المثاني
للشاعر البحتري، من قصيدة «عناني من صدودك ما عناني»

اليمين بالبيت والهدى: تقول العرب: وحقّ هذه البنية.

قال عويف بن الأحوص:

وإنّي والذي حجّت قريشمحارمه وما جمعت حراء
للشاعر عوف بن الأحوص، اقرأ القصيدة
وشهر بني أميّة والهداياإذا حبست تضرّجها الدماء
للشاعر عوف بن الأحوص، اقرأ القصيدة

وقال الفرزدق:

حلفت بما إليه يؤم ناسمن الآفاق من يمن ومصر

أيمان الشّرب ومتعاطي اللهو: قال وهب الهمذاني:

لا والذي سنّ للمدامة ولاماء نكاحا بغير طلاق

وقال المخزومي:

لا والذي قسّم الصهباء من ذهبوالماء من فضّة ما ساد من بخلا

وقال علي الأحول:

كفرت إذا بحقوق الصّديقوعربدت في الشّرب عند المدام

أيمان الكهنة وأهل الجاهلية: أقسم بالضياء والحلك، والنجوم والفلك، والشروق والدلك. لقد خبأت ثدين فرخ في إعليط مرخ.

كانت العرب تتحالف على النار وتتعاقد على الملح، ولذلك قال الشاعر:

حلفت لهم بالملح والقوم شهدوبالنّار واللات التي هي أعظم

وقال الكميت:

بهولة ما أوقد المخلفونلدى الخائفين وما هوّلوا

والهولة نار كانوا يوقدونها ويلقون عليها الكبريت ليستعظم مرآها، ويهابها من أقدم على اليمين، ويخشاها.

أيمان الظرفان: قال الرصافي:

أما وتفتير طرفك الوسنوحسن خال بخدّك الحسن

وقال الخبزارزي:

بمجاري فلك الحسن التي في وجناتك

وقال ابن المعتز:

وحياة عاذلتي لقد صارمتهوكذبت بل واصلته وحياته
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «نطقت مناطق خصره بصفاته»

وقال البحتري:

وحياة من أهوى فإنّي لم أكنأبدا لأحلف كاذبا بحياته

ومن أيمان اليهود: والله الذي لا إله إلا هو منزل التوراة على موسى، وإلا فأنت بريء من اليهودية داخل في الحنيفية، وبرئت من الآيات العشر التي أنزلت على موسى بطور سيناء، وبرأك الله من الأربعة الأخياط التي في كساء هارون أخي موسى، وبرئت من شمعون وشمعى ومن يوم السبت وحقّه، وحرمت الفطير في وقته، وخرقت توراة موسى بأسنانك ومحوت كل آية بلسانك، وعليك المشي إلى بيت المقدس.

أنواع من ذلك: حلف أعرابي بالمشي إلى بيت الله أن لا يكلم ابنه، فحضرته الوفاة فقيل له كلمة قبل مفارقة الدنيا، فقال: ما كنت قط أعجز عن المشي إلى بيت الله منّي الساعة. كان قوم عليهم دين لأعرابي فقدموا على أن يحلفوا، فقال الأعرابي:

يا ربّ إن كان بنو عميرهقد أجمعوا بحلفة مشهوره
فابعث إليهم سنة قاشورهتحتلق المال احتلاق النوره

ومما جاء في الاكتساب والإنفاق

الحثّ على تثمير المال في الصّغر والكبر: حكي أن كسرى مرّ بشيخ كبير يغرس فسيلا، فقال له يا هذا: كم أتى عليك من العمر؟ قال: ثمانون سنة، قال أفتغرس فسيلا بعد الثمانين. فقال: أيها الملك لو اتكل الآباء على هذا لضاع الأبناء. قال كسرى: زه يأخذ أربعة آلاف درهم. فقال: أيها الملك:

الفسيل يطعم بعد سنين من غرسه وهذا قد أطعمني في سنته فقال: زه يأخذ أربعة آلاف درهم فقال: أيها الملك: الفسيل يطعم في السنة مرة وهذا قد أطعمني في أوّل السنة مرتين، فقال:

زه يأخذ أربعة آلاف درهم، فقال الوزير: إن لم ينهض الملك أردى هذا بحكمته بيت المال.

التمدح بالتكسّب والحثّ على ذلك: قال الله تعالى: وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ

، فدل على وجوب الطلب أو فضيلته. قال الموصلي: عليكم بالتكسب فأوّل ما يبدأ به الفقر دين الإنسان. ولما أقبل النبي ﷺ من غزوة تبوك استقبله معاذ فصافحه، فقال: كبنت يداك، قال: نعم أحترث بالمسحاة وأنفقه على عيالي فقبله، وقال لا تمسها النار. وقال بعض الحكماء: لا تدع الحيلة في التماس الرزق بكل مكان فالكريم محتال والدنيء عيال.

قال عروة بن الورد:

إذا المرء لم يطلب معاشا لنفسهشكى الفقر أو لام الصديق فأكثرا
للشاعر عروة بن الورد، من قصيدة «إذا المرء لم يطلب معاشا لنفسه»
فسر في بلاد الله والتمس الغنىتعش ذا يسار أو تموت فتعذرا
للشاعر عروة بن الورد، من قصيدة «إذا المرء لم يطلب معاشا لنفسه»

وقيل: هو أكسب من الذر والنمل ومن الذئب. وقيل: فلان يسعى سعي الأم البرّة ويجمع بجهده جمع الذره.

الترغيب في طلب المعاش مع مراعاة المعاد: قال النبي ﷺ: خيركم من لم يدع دنياه لآخرته ولا آخرته لدنياه. وقال أبو الدرداء ﵁: إحرث لآخرتك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا. ينبغي للعاقل أن يكون ظاعنا إلا في ثلاث: تزود لمعاد ومرمة لمعاش ولذة في غير محرم، قال جرير:

فلا هو في الدنيا مضيع نصيبهولا غرض الدّنيا عن الدّين شاغله
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «فلا هو في الدنيا مضيع نصيبه»

وقال خالد: يا بني، خصلتان لا تبال ما صنعت بعدهما، دينك لمعادك ودرهمك لمعاشك.

التّرغيب في اكتساب الحلال: قال ابن المبارك: لقيت رجلا بمكة يبيع الخرز وكان أبوه خزازا فسألته عن ذلك، فقال: إن الله لا يسألني هلّا كنت خزازا، وإنما يسألني من أين اكتسبت وفيم أنفقت؟ وقال ﷺ: لا يكتسب عبد درهما من حرام فيتصدق به أو ينفقه أو يتركه إلا كان زاده إلى النار.

وقال سفيان: عليكم بعمل الأبطال الإكتساب من الحلال والإنفاق على العيال.

واستأذن رجل النبي ﷺ في الجهاد، فقال: ألك من تعوله؟ قال: نعم، قال: كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعوله.

النّهي عن التّواني في التّكسب: قال هرم: من التوفيق رفض التواني ومن الخذلان مسامرة الأماني.

قال شاعر:

وإنّ وطاء العجز أورث خلّةوأصلد ما أورى الأكّف القوادح

وقال:

وما طلب المعيشة بالتمنّيولكن ألق دلوك في الدّلاء
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «وما طلب المعيشة بالتمني»

وقيل:

حبّ الهوينا يكسب النّصبا

مدح الشغل وذمّ الفراغ: قال بزرجمهر: إن يكن الشغل محمدة فالفراغ مفسدة. الراحة للرجال عقلة وللنساء غلمة. واستشار رجل في عمل يتولاه آخر، فقال: إعلم أن الفراغ من شأن الأموات والإشتغال من شأن الأحياء، فإن قدرت أن تكون حيا فافعل. وقال حكيم: لا تفرغ قلبك من ذكر ولا ولدك من شغل، فالقلب الفارغ يبحث عن السوء واليد الفارغة تنازع إلى الإثم. وقال آخر: أحذركم عاقبة الفراغ فإنه شر من السكر. وقال الفضل بن مروان:

الكاتب كالدولاب إذا تعطل انكسر.

إقامة العذر في الطلب: قال عروة بن الورد:

لتبلغ عذرا أو تصيب رغيبةومبلغ نفس عذرها مثل منجح

وقال كشاجم:

وعليّ أن أسعى وليسعليّ إدراك النّجاح

وقال آخر:

قد قضى ما عليه من بلغ الجهد وإن لم يصل إلى ما أرادا

المتكسّب بسلاحه: دخل رجل على أبي دلف فاستماحه وانتسب له، فقال له: أتستميح وجدك القائل:

ومن يفتقر منّا يعيش بحسامهومن يفتقر من سائر الناس يسأل

فخرج الرجل وجرّد سيفه فاستقبله وكيل لأبي دلف معه مال، فاستلبه وقتله، فاتصل الخبر بأبي دلف. فقال: دعوه، فإني علّمته. وقال بعض الشجعان: التظلل ضرر والاتكال غرر، ولا يكسب الأموال إلا منازلة الأبطال ومصاولة الرجال وتجريد السيوف ومباشرة الحتوف.

قال الأعشى:

فتى لا يحب الزاد إلا من التّقىولا المال إلا من قنا وسيوف
للشاعر الفارعة بنت طريف، اقرأ القصيدة

وقال ابن نباتة:

شرابهم في الحرب ما تمطر القناوأكلهم ما تجتنيه الصوارم
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة

وصف الناس بأنّ تصرفهم في طلب المعاش: وقال أبو العتاهية:

المرء يغلط في تصرّف حالهفلربما اختار العناء على الدّعه
كل يحاول حيلة يرجو بهادفع المضرّة واجتلاب المنفعه
للشاعر الحلاج، من قصيدة «النفس بالشيء الممنع مولعه»

وقيل لفارسي: فيم تقلب الناس، فقال بالفارسية أش نياز واز، أي من الفقر والحرص، قال آخر:

كلّ امرىء مشتغل بنفسهيطلب ما يطحنه بضرسه

النهي عن الاغترار بما في يد الغير: قيل: غثّك خير من سمين غيرك. قال شاعر:

وإن حدّثتك النفس أنك قادرعلى ما حوت أيدي الرجال فجرّب
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «لعمري لقوم المرء خير بقية»

وقال أبو العتاهية:

لا تغضبنّ على امرىءلك مانع ما في يديه
واغضب على الطمع الذي استدعاك تطلب ما لديه
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «لا تغضبن على امرئ»

تفضيل الحاضر على المنتظر: في المثل: عش ولا تغتر. وقيل: لقمة في فمك أحضر منفعة من فخذ في تنور.

معاطاة الموجود خير من انتظار المفقود.

الحثّ على حفظ المكتسب: قال سقراط: لتكن عنايتك بحفظ ما اكتسبته كعنايتك باكتسابه. قال شاعر:

لحفظك مالا قد عنيت بجمعهأشدّ من إدراك الذي أنت طالبه

وقال آخر:

لحفظ المال خير من ضياعوطوف في البلاد بغير زاد

وقيل: حفظ الموجود أيسر من طلب المفقود، وقيل: احذر نفاد النعم فما كل شارد مردود.

الحثّ على حفظ المال لنوب الأيام: قال محمد بن غالب:

إنّما الدّنيا ضباب قذىتكفّ الأحزان عن مطره
فاتّخذ للدهر في يسرعدة تقضي على عسره

وقال البديهي:

لا تحسبنّ إدخار المرء قنيتهلصونه وجهه بل لا، هو الكرم
عزّ القناعة بالموجود يمنع منذلّ القنوع، وحفظ العرض مغتنم

حفظ المال بالختم عليه: قيل: من ختم البضاعة أمن الضياعة. من الكيس ختم الكيس. طينة خير من ظنّة.

وقيل: أربعة أشياء لا يستحيا من الختم عليها: المال لنفي التهمة، والجوهر لنفاسته والطّيب للإبدال، والدواء للاحتياط.

التهكّم على مبذّر: قيل في المثل: خرقاء وجدت صوفا. وقيل: من يطل ذيله ينتطق به. وقيل: يطأ فيه. ومن وجد دهنا دهن إسته. وقيل: عبد خلي في يديه، وعبد ملك عبدا. وكان بعض المتخلفين ورث مالا فكان يحمل الدنانير ويأتي الشطّ فيقذف واحدا واحدا في الماء، فقيل له في ذلك، فقال: يعجبني طليته وصوته. وبنى عون العبادي دكانا وسط داره وأسرف في الإنفاق عليه إسرافا متناهيا فليم في ذلك، فقال: ما أصنع بالدراهم إذا.

الحثّ على حفظ المال والإستغناء به عن الأنذال: كان لسفيان بن عيينة صرة دنانير يحفظها، فقيل له: أتحفظ ذلك وأنت موصوف بالزهد؟

فقال: لئلا أكون مناديل الغمر من الرجال. وقيل لأفلاطون: لم تدخر المال فأنت شيخ؟ فقال:

لأن يموت الإنسان ويخلف ما لا لعدوّه خير من أن يحتاج إلى أصدقائه في حياته.

وقيل: خلّف للأعداء ولا تحتج إلى الأصدقاء. وقيل لحكيم: لم حفظت الفلاسفة ما في أيديهم؟ فقال: لئلا يقيموا أنفسهم المقام الذي لا يستحقونه، فقد علموا أن لا اتكال على ما في يد الغير. وفي المثل: بق نعليك وابذل قدميك.

النهي عن إنفاق جميع المال والرخصة في ذلك: روي في الخبر: أن كعب بن مالك أراد أن يتصدق بماله كله، فنهاه النبي ﷺ وقال

له: إمسك عليك مالك فإنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس.

وقال ابن عباس ﵁ حث النبي ﷺ ذات يوم على الصدقة، فجاء أبو بكر بماله كله، فقال له النبي ﷺ: ما أعددت لعيالك فقال الله ورسوله، وجاء عمر ﵁ بنصف ماله، فقال له: ما أعددت لعيالك؟ فقال: الله ورسوله ونصف مالي، فقال ﷺ:

بين الرجلين ما بين الكلمتين.

وسئل الشبلي عمّا يجب في مائتي درهم، فقال: أما من جهة الشرع فخمسة دراهم وأما من جهة الإخلاص فالكل. وقيل للمأمون لا شرف في السرف، فقال: لا سرف في الشرف.

الإنفاق على الأهل: قال النبي ﷺ: نفقة الرجل على أهله صدقة، وقال: خيركم خيركم لأهله، وقال:

ابدأ بمن تعول ولا تعجز عن نفسك.

وكان أيوب يقول لأصحابه: تعاهدوا أولادكم وأهليكم بالبر والمعروف ولا تدعوهم يطمحوا بأبصارهم إلى ما في أيدي الناس.

وقال زيد بن على ﵁: ثلاث لا يسأل الإنسان عنها: ما ينفقه في مرضه وما ينفقه في إفطاره، وما ينفقه على ضيفه.

مدح مفيد مبيد: مدح إعرابي رجلا، فقال: هو أكسبكم للمعدوم وآكلكم للمأدوم وأعطاكم للمحروم.

وقال الوليد بن يزيد: لأجمعنّ جمع من يعيش أبدا ولأنفقنه إنفاق من يموت غدا.

قال أبو تمّام:

إذا ما أغاروا فاحتووا مال معشرأغارت عليهم واحتوته الصنائع
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «إذا ما أغاروا فاحتووا مال معشر»

وقال آخر:

إذا أسلفتهن الملاحم مغنمادعاهن من كسب المكارم مغرم

وقال المتنبّي:

والسّلم يكسر من جناحي مالهبنواله ما تجبر الهيجاء

النهي عن إمساك المال: قال النبي ﷺ: ينادي مناد كلّ ليلة، فيقول: اللهم اجعل لمنفق خلفا ولممسك تلفا.

وقال ﷺ: أنفق بلالا ولا تخش من ذي العرش إقلالا.

قال شاعر:

وإن أشدّ الناس في الحشر حسرةلمورث مال غيره وهو كاسبه

ولهذا باب في ابتداء فضل الجود.

ذهاب المال الحرام في الأباطيل: قال الحسن ﵀: إذا أردت أن تعلم من أين أصاب الرجل المال فأنظر في أي شيء ينفقه، إن الخبيث ينفق في إسراف. وقيل: من درى من أين أخذ درى أين أنفق.

التظلف والتذمم لمكسب دنيء: قيل في المثل: نفع قليل وفضحت نفسي. تجوع الحرّة ولا تأكل بثدييها.

قال شاعر:

أصبت صنوف المال من كلّ وجهةفما نلته إلا بكفّ كريم
وإنّي لأرجو أن أموت فتنقضيحياتي وما عندي يد للئيم

حكم وجود الضالة: سئل النبي ﷺ عن ضالّة الإبل، فقال: مالك ولها، معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء وتأكل الشجر. قيل: فضالة الغنم، قال: هي لك أو لأخيك أو للذئب. وسئل عن اللقطة فقال: إحفظ عفاصها ووكاءها وعرفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها.

النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

في هذا الباب

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «محاضرات الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.