تجاوز إلى المحتوى

من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)

الحدّ العشرون في الديانات والعبادات

الدلالة على وحدانية الله تعالى

من قول الأوائل: قال أفلاطون لتلميذه أرسطو: ما الدليل على وحدانية الله تعالى؟ فقال: ليس شيء من خلقه بأدلّ عليه من شيء.

وقال لبيد:

فوا عجبا كيف يعصى الإلهأم كيف يجحده الجاحد
وفي كلّ شيء له آيةتدلّ على أنّه واحد
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «فيا عجبا كيف يعصى الإله»
ولله في كلّ تحريكةوتسكينة أبدا شاهد
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «فيا عجبا كيف يعصى الإله»

وسئل سقراط عن دلالة الصانع، فقال: دلّ الجسم على صانعه فجمع بهذه اللفظة دلالة حدوث العالم، فإن صانعه حكيم. ونظر أعرابي إلى الناس في يوم الجمعة فقال:

صورة واحدة وخلق مختلف، ما هذا إلا صنع رب العالمين.

نفي الكيفية عن الله ﷾: قال الله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ

. وسئل جعفر بن محمد عن كيفية الله تعالى، فقال: نور لا ظلمة فيه وعلم لا جهل فيه، وحياة لا موت فيها. وسأل رجل أمير المؤمنين: أين الله تعالى؟ فقال: هذا سؤال عن المكان، وكان الله ولا مكان وقال عثمان لأعرابي: أين ربك؟ قال: بالمرصاد.

وقال العتبي: من جعل الله في مكان فقد حدّه ومن حدّه فقد عدّه ومن عدّه فقد ثنّاه، تعالى الله عن ذلك.

حقيقة التقوى: قيل: هي الامتناع من المحرّمات. وقيل: تغيّب المولى في قلوب أوليائه يحثّهم على الخير ويمنعهم من الشر. وقال الحارث: هي انتهاء الجوارح عما نهى الله تعالى عنه إلى ما أمر به. قال الله: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ

. وقال عمر بن عبد العزيز: ليست التقوى قيام الليل ولا صيام النهار والتخليط فيما بين ذلك، ولكنّ التقوى ترك ما حرم الله، وأداء ما افترض الله، فمن رزق خيرا بعد ذلك فهو خير.

وسئل رسول الله ﷺ: من آلك؟ فقال: كلّ تقي ألا أن أولياء الله هم المتّقون.

حقيقة الذّكر: هي أن يكون القلب فارغا إلا منه. قال الله تعالى: وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ

أي بذكر موسى من غير قصد منها إلى ذكره.

مدح الله تعالى باللسان: قال الله تعالى: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ

واذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً

وقيل: أوجب الله الذكر في الصلاة في كثير من المواضع. وقيل: ما سمع ﷺ أحدا ذكر الله إلا جاذبه الحمد. وقال معاذ: لا يتحسر أهل الجنة على شيء كتحسرهم على وقت مرّ عليهم ولم يذكروا الله تعالى فيه.

ذمّ ذكر الله تعالى باللّسان وتذكرّه عن النسيان: قال تعالى: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ

. وقال تعالى: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ

قيل: السكران المذموم ههنا من تتعرّى أجزاء صلاته عن الحضور.

التحذير من الكلام فيما يؤثم: سمع حكيم رجلا يفحش فقال: يا هذا إنك تملي على حافظيك كتابا إلى ربك. وقال:

عمر ﵁: من علم أن الكلام عمل أمسك. وقال الجنيد: الرحمة تنزل على العارف في ثلاثة مواضع: عند الأكل، فإنه لا يأكل إلا عن جوع وعند الكلام، فإنه لا يتكلم إلا عن ضرورة. وعند السماع فإنه لا يسمع إلا من الله. ورأى إبراهيم بن أدهم رجلا يحدث بما لا يعنيه فوقف عليه، وقال: أكلاما ترجو منه الثواب، قال: لا، قال: أفتأمن عليه العقاب، قال:

لا، قال: فعليك بذكر الله ما تصنع بكلام لا ترجو منه ثوابا ولا تخاف عقابا.

ذمّ من خلا قلبه من حلاوة الوحدانية: قيل: أوحى الله تعالى إلى بعض الأنبياء أما يستحي من يدّعي حبي وقلبه مملوء من غيري هذا علامة الخدام. قيل: وكان في بني إسرائيل حبر فقال في دعائه: يا ربّ كم أعصيك وأنت لا تعاقبني فأوحى الله تعالى إلى نبيّ ذلك الزمان: قل لعبدي كم أعاقبك ولا تدري، أسلبك حلاوة مناجاتي. وسئل الشبلي عن قول النبي: إذا رأيتم أهل البلاء فسلوا ربكم العافية من هم؟ قال: هم أهل الغفلة عن الله. وقيل: من لم يرتدع بأمر الله وذكر الموت ثم تناطحت الجبال بين يديه لم يرتدع.

قلّة المبالاة بما يفوت من عرض الدنيا: قال الله تعالى: قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ

الآية. وقيل: حق المؤمن أن لا يتحاشى ما به نجاة نفسه ألا ترى إلى السحرة لما آمنوا وهددهم فرعون، قالوا: اقض ما أنت قاض.

الحثّ على اعتبار الله دون غيره: قيل للشعبي: أوصني فقال: قل الله، ثم ذرهم في خوضهم يلعبون. وقال أبو جعفر الجوهري: سمعت زنجيا يقول: هذا قلبي فتّشوه فإن وجدتم فيه غير واحد فانبشوه، وسئل عن قوله تعالى: وإبراهيم الذي وفّى قال: الذي رضي بإسقاط الوسائط فإنه لما جعل في المنجنيق، قال: حسبي الله ونعم الوكيل، فلما صار في الجوّ أتاه جبريل ﵇ فقال: ألك حاجة؟ قال: أمّا إليك فلا.

وكتب الجنيد إلى علي بن سهل: سل محمد بن يوسف ما الغالب عليك؟ فقال:

والله غالب على أمره. وقيل للشبلي: أنظر في الفقه لتفتي، فقال: خاطر يحرك سرّي أحب إليّ من سبعين قضية قضاها شريح.

الأنس بالله في الخلوة: قال عمرو بن عثمان: من كان في خلوته عينا الله على نفسه كفاه الله هم أمره في علانيته. وقال بنان الحمال: دخلت بادية فاستوحشت فهتف بي هاتف نقضت العهد أليس حبيبك معك. وقيل: من أنس بغير الله في الخلوة فهو أبدا في وحشة.

تعظيم الله تعالى: سمع الشبلي رجلا يكثر عند ذكر الله من قوله تعالى: ﷿، فقال: أحب أن تجلّه عن هذا فإنه أجل من أن يجل. وقيل للجنيد: تقول الله ولا تقول لا إله إلا الله، فقال أخاف أن يدركني الحقّ في قولي لا وهو شأن الجحود. وقال عبد الله بن سهل: إن الله يطلع على القلوب فأيّ قلب رأى فيه غيره سلّط عليه العدو.

العفو عن حديث النفس: قال النبي ﷺ: عفى عن أمتي الخطأ والنسيان. وقال: إن العبد إذا هم بمعصية لم تكتب عليه وسئل سفيان عن الهم هل يؤخذ به العبد، قال: نعم، إذا كان عزما قال الله تعالى وهموا بما لم ينالوا.

احتمال المضرة في العاجل رجاء المسرّة في الآجل: قال ﷺ: لن تنالوا ما تحبون إلا بالصبر على ما تكرهون ولا تبلغون ما تهوون إلا بترك ما تشتهون. وقال ﵊: حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات، احتمل مضرّة يومك لمسرّة غدك، العاقل يحتمل الضر في دار الفناء إيقانا بالنفع في دار البقاء. ولما تاب عتبة الغلام كان لا يتهنأ بطعام ولا شراب، فقالت له أمه: أرفق بنفسك، فقال: الرفق أطلب لها.

الحثّ على حفظ النفس من النّار: نظر أبو هريرة إلى رجل وضيء فقال: إني أرى لك قدمين لطيفتين فابتغ لهما موقفا صالحا يوم القيامة. وقال رجل لحكيم أوصني، فقال: إن استطعت أن لا تسيء إلى من تحب فافعل، فقال: وهل يسيء المرء إلى من يحب، قال: نعم. نفسك إن عصيت الله.

وقيل: المغبون من رأى الدنيا بحذافيرها لبدنه ثمنا. وقيل: كل قتيل يودي إلا قتيل نفسه.

النّهي عن التهافت في العبادة: قال ﷺ: إن الدين متين فأوغلوا فيه برفق، فإن المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى. وقال ابن مسعود ﵁: استبق نفسك ولا تكرهها فإنّك إن أكرهت القلب على شيء عمي. وقال ﷺ: إن الله بعثني بالحنيفية السمحة ولم يبعثني بالرهبانية، فمن رغب عن سنتي فليس منّي. وقال المرعشي: من شغله الفرض عن الفضل فهو معذور، ومن شغله الفضل عن الفرض فمغرور.

التّوبة: قيل: التوبة النصوح ترك ما تنكره السنة في الظاهر والباطن. وقال أمير المؤمنين:

التوبة على أربعة دعائم، استغفار باللسان ونية بالقلب وترك بالجوارح وإضمار أن لا يعود وسئل السوسني عنها، فقال: الرجوع عن كل ما ذمه العلم إلى ما مدحه. وقيل: هي الإعتراف والندم والإقلاع. وقال ﵊: من تاب قبل موته بفواق ناقة حرم الله وجه على النار.

النّهي عن الإستغفار ما لم يصاحبه الفعل: سمع مطرف رجلا يقول: أستغفر الله وأتوب إليه فأخذ بذراعيه وقال: لعلك لا تفعل ومن وعد فقد أوجب. وقال أبو عبد الرحمن سمعني راهب أقول أستغفر الله فقال يا فتى سرعة اللسان بالإستغفار توبة الكذابين ويدل على ما قاله ﷺ: المستغفر باللسان المصر على الذنب كالسمتهزئ بربه. وقيل: الإستغفار بلا إقلاع توبة الكذابين، وقال الربيع بن خيثم:

لا يقولن أحدكم أستغفر الله وأتوب إليه فيكون ذنبا جديدا إذا لم يفعل، ولكن ليقل: اللهم تب عليّ واغفر لي، فقيل لم. فقال: انته عما ينهاك عنه فإنّه يغفر لك.

تحذير من دنا أجله وساء عمله: اجتمع فيلسوف الروم وحكيم الهند وبزرجمهر عند كسرى فتذاكروا في شر الأشياء. فقال الرومي: الهم يقترن به العدم وقال الهندي: سقم البدن ودوام الحزن. وقال بزرجمهر: دنو أجل وسوء عمل، فحكم له. ودعا بعض الصالحين، فقال: اللهم اجعل خير عملي ما ولي أجلي وقال آخر: أعوذ بالله من وقوع المنية ولما أبلغ الأمنية، وقال ابن أبي البغل:

أستغفر الله من عمر أضعت بهحظّي من الذكر في قال وفي قيل
أستغفر الله ربّ العرش من عمرأضعته في خسارات وتضليل

الحثّ على تجنّب فعل مذموم: قال حكيم: الأيام صحائف آجالكم فأودعوها أجمل أفعالكم. وقال علي بن الحسين ﵄ عجبت لمن يحتمي عن الطعام لمضرته ولا يحتمي عن الذنب لمعرته فأخذ ذلك محمود الوراق حيث يقول:

عمرك قد أفنيته تحتميفيه من البارد والحار
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «عمرك قد أفنيته تحتمي»
وكان أولى بك أن تحتميمن المعاصي خشية النّار
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «عمرك قد أفنيته تحتمي»

وقال بعضهم: حضرت مجلس الشبلي فقام إليه رجل من أصحابه، فقال له:

أوصني، فقال له: لقد أوصاك الشاعر بقوله:

قالوا توقّ ديار الحيّ إنّ لهمعينا عليك إذا ما نمت لم تنم

وقال يحيى بن معاذ: اجتناب السيئات أشد من اكتساب الحسنات.

النّهي عن تضييع الوقت: قال النبي ﷺ: إغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك. وقال سفيان:

تذكر الماضي ورجاء الباقي ذهبا ببركة ساعاتك. وقال عمر بن ذر: الأيام إذا فكرت فيها ثلاثة، يوم مضى لا ترجوه ويوم أنت فيه ينبغي أن تغنمه ويوم في يدك أمله، فلا تغتر بالأمل فتخل بالعمل فإنما اليوم وأمس كأخوين نزل بك أحدهما فأسأت نزله وقراه فرحل عنك وهو ذام لك، ثم نزل بك أخوه فقال: إن أسأت إليّ كما أسأت إلى أخي فما أخلقك أن تعدم شهادتنا.

وسمع الحسن رجلا يقول: اللهم اجعلنا منك على حذر، فقال: إنه فعل ذلك، أليس قد ستر عنك أجلك فلست من حياة ساعة على يقين.

عتب من يتوب ثم يعود: قال شاعر:

كم قلت لست بعائد في توبةونذرت فيها ثم صرت تعود
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أفنيت عمرك والذنوب تزيد»

قال مالك بن دينار: دخلت على جار لي وهو مريض فقلت له عاهد الله أن تتوب فلعله أن يشفيك فقال: هيهات قد عاهدته فسمعت هاتفا من جانب البيت قد عاهدناك مرارا فوجدناك كذوبا.

حثّ الراجع عن التوبة إلى العودة: جاء حبيب بن الحارث إلى النبي ﷺ فقال: إني مقارف للذنوب فقال: تب فقال:

إني أتوب ثم أعود فقال: كلما أذنبت ذنبا فتب فعفو الله أكبر من ذنوبك. وقال ﷺ: إن الرجل ليذنب الذنب فيدخل به الجنة. فقيل: كيف يا رسول الله؟ قال: يكون نصب عينه خائفا منه حتى يدخل الجنة.

قلّة من لا ذنب له من المكلّفين: قال الله تعالى: فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً

وذكر يونس ﵇ فقال: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً

الآية، وقصّ قصّة داوود ﵇ وقد عوتب محمد ﵊ بعبس وتولى: وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا

ولَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ

الآية، وقال: في جميع الناس، ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة.

جواز إظهار الكفر تقيّة: قال الله تعالى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ

. وكان عمار أظهر الرضا بفعل الكفار مع إنطواء قلبه على الإخلاص. وقال ﷺ: إن عادوا فعد وأتى مسيلمة برجلين فقال لأحدهما: تعلم أني رسول الله. قال: بل محمد رسول الله فقتله. وقال للآخر فقال: أنت ومحمد رسول الله فخلّى سبيله فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: أما الأوّل فمضى على عزمه ويقينه، وأما الآخر فأخذ برخصة الله فلا تبعة عليه، وكالمضاد له.

من راقب الناس في مذاهبهأصمّه ربّه وأعماه

تكذيب من ادّعى حسن ظنّه بربّه وفعله مناف لذلك: قال الحسن: إن قوما ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا وليست لهم حسنة. يقول: إني أحسن الظن بربي وكذب لو أحسن الظن بربه لأحسن العمل ثم تلا وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ

. وقال جعفر: رأيت ميسرة العابد وقد بدت أضلاعه من الاجتهاد فقلت له: إن رحمة الله قريب قال نعم من المحسنين.

ذمّ متمنّ غير عامل: قيل: إذا أبغض الله عبدا أعطاه ثلاثا يحبب إليه الصالحين ويمنعه القبول منهم ويحبب إليه الأعمال ويمنعه الإخلاص فيها ويجري الحكمة على لسانه ويمنعه الصدق بها. وكتب أبو عمير إلى صديق له: أما بعد فإنك تتمنى على الله بسوء فعلك إنما تضرب في حديد بارد.

التّحذير من الاغترار بالله تعالى في تأخير العقوبة: قال الله تعالى: إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً

وقال ابن السماك: إن الله أمهلهم حتى كأنما أهملهم ولقد ستر حتى كأنه غفر، وخطب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه

فقال: لا يغرّنكم الإملاء فإن الإملاء من الإستدراج، والله تعالى يقول: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ

. وكتب أيضا إلى عامل له لا تغتر بتأخير العقوبة من الله فإنّما يعجل خائف الفوت.

عتب طالب الرّخص: قال الأصمعي: من التمس الرخص من الإخوان عند المشورة ومن الأطباء عند المرض ومن الفقهاء عند الشبهة تاه وازداد سقما واحتمل وزرا. وقيل: إذا رأيت الزاهد يتروح إلى طلب الرخص فاعلم أنه قد بدا له في الزهد.

التّوقّي من الصّغائر: قال علي كرم الله تعالى وجهه: إياكم ومحقرات الذنوب فإن الصغير منها يدعو إلى الكبير. وقيل: من العود إلى العود ثقلت ظهور الحطابين ومن الهفوة إلى الهفوة كثرت ذنوب الخطائين. وقال بعض الأسديين:

ألا من لنفس بالذّنوب رهينةقليل على مسّ العذاب اصطبارها
كفى سقما بالمرء يا أم عاصمركوب المعاصي عامدا واحتقارها

وسقط من يد بعض الصالحين دينار فوجده في الحال، فلم يأخذه، وقال لعله غير ديناري. وكان عمر أتي بالعشاء فأطفأ السراج، وقال: لا آكل على سراج العامة.

المستكبر ذنب نفسه والمتذمّم لفعله: قال بعض الصالحين: كم لي من ذنب لو عرف به الصديق لمقتني ولو عرف به العدوّ لهتكني وقال مطرف: ما نزل بلاء فاستعظمته إلا ذكرت ذنوبي فأستصغره. قيل لحكيم كيف أصبحت؟ قال: آكل رزق ربي مطيعا عدوه. وقيل لحسان بن سنان كيف أصبحت؟ قال:

أصبحت قريبا أجلي بعيدا أملي سيئا عملي. وقال أبو العتاهية:

يظنّ الناس بي خيرا وإنيلشرّ الناس إن لم تعف عنّي
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «إلهي لا تعذبني فإني»

وقال أبو محمد الخازن:

بنعمة الله وفي دارهعصيته جهلا وسوء اختيار
إن لم يغثني عفوه عاجلافإنّني والله في النّار جار

الممتنع من تناول المشتهيات والمباحات: عاد مالك بن دينار جارا له فقال له: أتشتهي شيئا فقال: نفسي تنازعني منذ أربعين سنة رغيفا أبيض ولبنا في زجاج فأتاه بهما فجعل ينظر إليهما ويقول: دافعت شهوتي عمري حتى لم يبق إلا مثل ظمأ الحمار، ومات بشهوته.

فضيلة من كان في كلاءة الله تعالى وحفظه: قال ممشاد الدينوري: من كان مع الله فقد هلك وإنما نجا من كان الله معه. وقال رجل للشبلي: متى يقرب العبد من ربه، فزعق ثم أنشد:

من لم يكن للوصال أهلافكلّ إحسانه ذنوب
للشاعر أبو بكر الشبلي، اقرأ القصيدة

وقيل: أجلّ ما ينزل من السماء التوفيق وأجلّ ما يصعد من الأرض الإخلاص.

في ذمّ عالم غير عامل: قال أبو الدرداء: إن أخوف ما أخاف إذا وقفت على الحساب أن يقال لي قد علمت فما عملت فيما علمت. وقيل: ويل للذي لا يعلم مرة وويل للذي يعلم سبع مرات. وقال محمد بن واسع: إنّ قوما يشرفون على قوم يوم القيامة فيقولون قد نجونا بما أخذنا منك، فما لكم في العذاب فيقولون كنا نعلم ولا نعمل.

قلّة اليقين في الناس: قال الشعبي: لم يقسم الله بين الناس أقل من اليقين، وقال بعض أصحابنا: من الدلالة

على قلة اليقين إنك تخيّر يوما عن خير الدنيا بالسّيئة طمعا في الربح طفيف ربح مع ما فيه من الخطر وتأبى أن تقرض الله درهما بثمانمائة مع زعمك وقولك إنّ مستقرضه مليّ وفيّ.

فضيلة العبادة مع العلم: قال الله تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ

وقال النبي ﷺ: فقيه واحد أشد على إبليس من ألف عابد. وقال الحسن: أدركت قوما من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون من عمل بغير علم كان ما يفسده أكثر مما يصلحه.

ذمّ الورع مع الجهل: روي عن أمير المؤمنين أنه قال: قصم ظهري رجلان، جاهل متنسك وعالم متهتك.

وروي عن الحسن: قسم ظهري عالم لا زهد معه وزاهد لا علم معه، هذا يدعو إلى جهله بزهده وهذا ينفر عن علمه بحرصه. وقال النبي ﷺ: يكون في آخر الزمان قراء فسقة وعباد جهلة، وركعة من عالم أفضل من سبعين ركعة من عابد لا علم معه وكان لأبي سعيد الخراز ابن فمات فرآه في المنام، فقال: يا ولدي أوصني، فقال: يا أبت لا تعامل الله على الحمق، فقيل لإبراهيم، فقال: نعم لأنه لم يلبس القميص ثلاثين سنة. وقيل لأنوشروان: أي الناس أولاهم بالسعادة؟ فقال: أقلهم ذنوبا، قيل: ومن أقلهم ذنوبا؟ قال: أكملهم عقلا.

ذمّ مبالغ في نسكه إلى حدّ الرّقاعة: سأل الشعبي رجلا بم أفطر قال: أفطرت بزيتونة أو نصف زيتونة أو ربع زيتونة أو ما شاء الله من زيتونة ومر آخر بحمال معه شوك فشكت رجله، فقال للحمال: اجعلني في حل من هذه الشوكة فلا يمكنني إخراجها.

الحثّ على التّنظيف: قال الله تعالى: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ

وقال ﷺ: إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده ويكره البؤس والتباؤس. وقال ﷺ: إن الله جميل يحب الجمال. وقال عيسى ﵇: ألبسوا لباس الملوك وأميتوا قلوبكم بالخشية.

النّهي عن التماوت وفرط التّخشّع: روي أن عمر ﵁ رأى رجلا متماوتا في إظهار النسك فعلاه بالدرة وقال: لا تمت علينا ديننا. ومرّ رجل بعائشة ﵂ متماوتا فقالت: ماله؟ قالوا: متخشع.

قالت: هو أخشع من عمر، وكان إذا مشى أسرع وإذا قال أسمع وإذا ضرب أوجع.

من تورّع في الفسق: اجتمع جماعة على امرأة فقال أحدهم: خذي هذه الخمسة دراهم وقولي: قد فعل فقالت: أعوذ بالله أن أكذب جماعة بخمسة دراهم.

فسق بعضهم بغلام وكان عليه خف فقال: له إنزع خفك، فقال أخاف أن ينتقض وضوئي. وقال بعضهم: أدخلت قحبة على جماعة فشارطوها كل فرد بدرهم وواحد يصلي ويقول سبحان الله ويشير إني أريد فردين بدرهم.

من يخادع الله في زكاته وصدقته: قال الجاحظ: كان ببغداد لوطي موسر فإذا كان وقت الزكاة يدعو الغلام ويقول له:

ألك أم أو أخت تستحق الزكاة فيدفعه له؟ ويقول: خذ هذا من زكاة مالي وأنعم لي بواحد.

وبعض أصحابنا يبيع زكاته من الفقير ويسترجعها منه بدرهم أو درهمين يخادعون الله وهو خادعهم.

ذمّ من حسن مقاله وقبح فعاله: قال النبي ﷺ: سيكون بعدي أقوام يعطون الحكمة على المنابر وقلوبهم أنتن من الجيفة. وقال سليمان بن عبد الملك لبلال بن أبي بردة: صف لي الحجّاج فقال: كان يتزين بزينة المومسة فإذا صعد المنبر تكلم بكلام القسيسين وينزل فيعمل بعمل الفراعنة، وقال شاعر:

إذا نصبوا للقول قالوا فأحسنواولكنّ حسن القول خالفه الفعل
للشاعر عبد الله بن همام السلولي، اقرأ القصيدة
وذمّوا لنا الدنيا وهم يرضعونهاأفاويق حتّى ما يدرّ لها رسل

وقال:

قلوبهم أمرّ من دفلولفظهم أحلى من العسل

المتبجّج بتقواه رقاعة: صلى رجل بحضرة الشعبي فأطال، فقال الشعبي: ما أحسن صلاته فلما سلّم الرجل، قال: وأنا مع هذا صائم. وقال ذو اليمينين لأبي بكر المروزي: مذ كم صرت إلى العراق؟ قال: مذ عشرين سنة وأنا أصوم مذ ثلاثين سنة.

تنسّك كلّ صنف من الناس: قال الجاحظ: لكل صنف من الناس نسك، فنسك الخصيّ غزو الروم، ونسك الخراساني الحج، ونسك المغنّي كثرة التسبيح والصلاة على النبي ﷺ وشرب النبيذ، ونسك الرافضيّ ترك النبيذ وزيارة المشهد، ونسك السواديّ ترك شرب المطبوخ، ونسك المتكلم رمي الناس بالجبر والتعطيل والزندقة، ونسك المخنث أن يصير دلّال النسوة.

وقيل: إذا نسك الشريف تواضع أو الوضيع تكبر.

التّجاسر على الذّنب إتّكالا على التوبة: حكي أن الأعشى لما مدح النبي ﷺ بقوله:

ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا

قصده بها فلقيه بعض الكفار فقال: ما تصنع عنده وقد حرم عليك الزنا وشرب الخمر؟ فقال أما الزنا فقد ضعفت عنه لكبري ولكن عندي دنّان فسأشربهما ثم أقصده قبل استيفاء شربهما. وقال جميل:

تعالي نبع في العام يا بثن ديننابدنيا فإنّا قابلا سنتوب

وقال:

تعالي نبع دينا بدنيا نصيبهاونستغفر الرحمن فالله غافر

وقال:

سقى الله أيام الوصال وقولناإذا ما صبونا صبوة سنتوب

وقال:

نسرق هذا اليوم من دهرنافربّما يعفى عن اللصّ

خليع تأوّل كلام صالح على اعتقاده: سرق لرجل دراهم فقيل له: تكون في ميزانك غدا، فقال: مع الميزان سرقت.

وسرق لآخر خرج فقيل: لو قرأت عليه آية الكرسي لما سرق، فقال: كان فيه مصحف.

وسرق أعرابي نافجة مسك فقيل له: من غل شيئا يأتي به يوم القيامة، فقال إذا والله آتي بها خفيفة المحمل طيبة الريح.

عكس ذلك: روي أن رجلا سأل بلالا وقد أقبل من الحلبة من سبق، فقال: المقربون فقال السائل: سألتك عن الخيل فقال: أنا أجبتك بالخير. قيل لعمرو بن عبيد ما البلاغة؟ فقال ما بلغ بك الجنة وعدل بك عن النار. وقيل لأبي الدرداء وكان مريضا: ما تشتكي؟ قال:

ذنوبي فقيل له: ما تشتهي؟ قال: الجنة، فقيل أندعو لك طبيبا قال: الطبيب أمرضني.

وجاز الشبلي بمن يقول السعتر البري فتواجد، فقيل له ما يقول؟ قال يقول الساعة ترى بري. وأمّ أبو العلا عمرا يوما فلما قال استووا غشي عليه. وقال: قد وقع بقلبي هل استوى معي طرفة عين.

ومما جاء في المذاهب المختلفة

ذمّ المتبجّح بالميل إلى الزّندقة والتّمجّس: قال شاعر:

ليس بزنديق ولكنّماأراد أن يوسم بالظّفر

وقال:

تزندق معلنا ليقول قومإذا ذكروه زنديق ظريف
فقد بقي التّزندق فيه وسماوما قيل الظريف ولا اللطيف

وقال:

إذا ذكر أشرك في مجلسأضاءت وجوه بني برمك
فإن تليت عندهم آيةأتوا بالأحاديث عن مزدك

وقال:

يصيح لكسرى حين يسمع ذكرهبصمّاء عن ذكر النبيّ صدوف
ويعجبه أخبار كسرى ورهطهوما هو في أعلاجهم بشريف

وقال علي بن الحسين الكاتب في الكندي:

ما أرغب الكنديّ في الزّندقهتعسا ليعقوب فما أحمقه
لو علّق الكنديّ في حلقهقلفة ناء أبدا مخنقه
ما كان إلا مؤمنا مسلمالا غفر الله لمن زندقه

نوادر لمن أسلم عن كفر: قيل لمجوسي أسلم، وكان يتعاطى كل ما يتعاطاه في التمجس: ما أحسن ما عملت أسقطت عن نفسك الجزية؟ وأسلم نصراني فقالت أمه: سخنت عيناك، محمد لم يعرفك والمسيح تبرأ منك. ولمّا أسلم صاعد قصده أبو العيناء مرتين فوجده يصلّي، فقال: لكل جديد لذة. وأسلم رجل فقيل له صلّ اليوم فقال لا أبتدئ اليوم بالصلاة والقمر في المحاق.

نوادر من مال إلى الكفر: سئل زنديق عن الأضحى فقال: وباء كل سنة يقع في الأغنام والبقر. وختن رجل إبنه

فقال: أوه قتلتني، فقال: إنما قتلك أبوك إبراهيم. ولما أسر عيينة بن حصن دخل المدينة فقال له رجل: يا منافق فقال يا بارد متى كنت مسلما حتى أكون منافقا.

المتبجّح بارتكاب المحظور المحتجّ له: قيل لأبي الطمحان: ما أدنى ذنوبك؟ قال: ليلة الدير نزلت على نصرانية فأكلت

عندها طنشيلا بلحم خنزير وشربت من خمرها وزنيت بها وسرقت كساءها. وقيل لرجل من أين؟ فقال من دير ليلى، وزنت درهمين وأكلت رغيفين وشربت رطلين وعملت فردين ولم أبع نقدا بدين. ورؤي شيخ بعفج أتانا يوم الجمعة وكلما ضرطت صلّى على النبي ﷺ، فقيل له: تنيك أتانا. فقال: عوّضني عنها أختك وأنا أترك الأتان، فقيل له في يوم الجمعة، فقال: تضمنها إلى يوم السبت. فقيل له: ولم تصلي على النبي ﷺ فقال لأير يضرط الأتان.

اختلاف الناس في القدر: قالت عامة المعتزلة: إن الله يقدر على فعل الظلم ولكن لا يفعل والدلالة على القدرة على ذلك قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ

، وقوله: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ

وإنما يتمدح بذلك من قدر على ضده. وقال بعضهم: لا يوصف بأنه قادر على الظلم. وقال بعضهم: لا يقدر على ذلك وقال جهم بن صفوان: إن الله تعالى يفعل ما نعتقده ظلما لكنه عدل. وقالت المعتزلة: قدرتنا تصلح للضدين. وقال جهم: تصلح لأحدهما فالكافر لم تجعل له قدرة على الإيمان والمؤمن لم تجعل له قدرة على الكفر.

من ذهب مذهب أحد الفريقين من الشّعراء: قال بعض العلماء: قد ذهب الأعشى مذهب المعتزلة في قوله:

استأثر الله بالوفاء وبالعدل وولّى الملامة الرّجلا

وقال صالح بن عبد القدوس:

ولا أقول إذا ما جئت فاحشةإنّي على الذنب محمول ومجبور
للشاعر صالح بن عبد القدوس، اقرأ القصيدة

وقال:

لم تخل أفعالنا اللاتي نذلّ بهاإحدى ثلاث خصال في معانيها
للشاعر صالح بن عبد القدوس، اقرأ القصيدة
إما تفرّد مولانا بصنعتهافاللوم يسقط عنّا حين نأتيها
للشاعر صالح بن عبد القدوس، اقرأ القصيدة
فكان يشركنا فاللوم يلحقهإن كان يلحقنا من لائم فيها
ولم يكن لإلهى في جنايتهاصنع فما الصنع إلا ذنب جانيها

وقال الصاحب:

اصفع المجبر الذيبقضا السوء قد رضى
فإذا قال لم فعلتفقل هكذا قضى

الزامات في المناظرة لمن ذهب مذهب المعتزلة: قال أبو العتاهية لثمامة: ألا ترضى من خلق المعاصي ربا قال لا ولا عبدا. وحضر

يوما عند الرشيد فحرك أبو العتاهية أصبعه، وقال لثمامة: من حرك هذا، قال ابن زانية، فقال أبو العتاهية أفتوني، فقال ثمامة: إن قلت إني حركتها فقد تركت المذهب وإن قلت حركها غيري فلم أشتمك وإنما شتمته.

إلزامات مخالفيهم: صحب مجوسي معتزليا فقال: ما بالك لا تسلم؟ فقال: حتى يشاء الله. قال: قد شاء الله ولكن الشيطان لا يدعك، فقال: أنا مع أقواهما.

النّهي عن الخوض في ذكر القدر: روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: آخر الكلام في القدر لشرار هذه الأمة.

وقال عمر بن عبد العزيز لرجل سأله عن القدر: إن الله لا يطالب بما قضى وقدر وإنما يطالب بما نهى وأمر. وقال الأصمعي: سألت أعرابيا عن القدر فقال: ذاك علم اعتصمت فيه الظنون واختلف فيه المختلفون فالواجب علينا أن نرد ما أشكل علينا من حكمه إلى ما سبق من علمه.

وذكر القدر عند أعرابي، فقال: الناظر في القدر كالناظر في ضوء الشمس يعرف ضوءها ولا يقف على حدودها. وقيل: اختصمت بنو إسرائيل في القدر خمسمائة سنة ثم صاروا إلى عالم فسألوه عنه، فقال: القدر حرمان للعاقل وظفر للجاهل ولم يعرف القدماء القدلر

رؤية الله تعالى وتقدّس: من نفى عنه الرؤية احتج بقوله تعالى: لَنْ تَرانِي

وذلك مذكور على طريق التمدح فلا يختص به وقت دون وقت ومخالفوه احتجوا بقوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ

. وقالت عائشة ﵂: من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم الفريّة على الله، ولكنه قد رأى جبريل مرتين في صورته وخلقه سادا ما بين الأفق.

وقال ابن عباس لقد رأى من آيات ربه الكبرى أنه رأى جبرئيل على رفرف قد سد أفق السماء وروي أن أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه سمع رجلا يقول والذي احتجب بسبع سماوات، فقال: إن الله لا يحجبه شيء عن شيء، فقال هل أكفر عن يميني قال لا لأنك حلفت بغير الله ومن حلف بغيره لا تلزمه.

ومما جاء في الأنبياء والمتنبئين

ما دلّ على نبوّته ممّا أنزل الله تعالى في الكتب الأول: قال الله تعالى: الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ

واسمه مشفع ومعناه محمد.

كثرة آيات الأنبياء وقلتها: قال العلماء ﵃: إنما كثر أعلام موسى لأن عمله كان مع غباوة بني إسرائيل ونقصان أحلام القبط. قال الجاحظ: ومتى أردت ذلك فانظر إلى بقاياهم هل لهم حكمة أو مثل أو شعر. وانظر إلى أولادهم مع طول لبثهم معنا هل تغيرت بذلك أخلاقهم، ثم من غباوتهم ما حكى الله تعالى عنهم في قولهم: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ

وأَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً

وفَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ

وآياتهم انقطعت بموتهم وعرفها من بعدهم وجعل من معجزات نبينا القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأشرك الله تعالى فيه السلف وجعله باقيا على مرور الأزمان.

نوادر من تنبأ فقتل: تنبأ رجل في زمن ابن هبيرة فصلب فمرّ به خلف بن خليفة فقال: أما أنزل عليك قرآن؟ قال: نعم، إنّا أعطيناك الجماهر فصلّ لربك وجاهر إن عدوك هو الفاجر.

فقال ابن خليفة: إنا أعطيناك العمود فصلّ لربك على العود وأنا كفيلك أن لا تعود.

وادّعى رجل النبوة وادعى أنه نوح فصلب فمرّ به مجنون فقال: يا نوح لم تحصل من سفينتك إلا على دقل. وتنبأ آخر في زمن الرشيد فضربه بالسياط فأخذ يصيح، فقال له المأمون اصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، فاستطار الرشيد إعجابا بقوله وتنبأ رجل فأمر بضربه والطواف به، فجعل يقول:

أنا مالي والنبوّةليس لي بالناس قوّه
تركوا بطني وظهريفيهما عشرون كوّه

قراءة تخالف صورة حروفها ما في المصحف أو ترتيبها: قرئ بدل كالعهن كالصوف، وبدّل فهي كالحجارة فكانت كالحجارة. وذكر بعض العلماء أن ابن عباس كان يجوز أن يقرأ القرآن بمعناه، واستدل بما روي عنه أنه كان يعلم رجلا طعام الأثيم فلم يكن يحسن الأثيم فقال: قل الفاجر. وليس ذلك بشيء فيما ذكره جلّ العلماء، لأن ابن عبّاس أراد أن يعرفه الأثيم فعرفه بمعناه لما أعياه، وقرئ بدل والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما فاقطعوا أيمانهما.

وكان عمر يقرأ غير المغضوب وغير الضالّين، وعبد الله بن الزبير صراط من أنعمت عليهم. وقرأ بعضهم: وضربت عليهم المسكنة والذلّ، وأبو بكر رضي الله تعالى عنه وجاءت سكرة الحق بالموت.

ما روي فيه زيادة: قرئ: اصبروا وصابروا ورابطوا بعضهم. وقرأ بعضهم: وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم. وقرأ بعضهم إن هذا أخي له تسعة وتسعون نعجة أنثى. وقرئ: السارقون والسارقات فاقطعوا أيديهما.

وقرأ ابن عباس: أن لا يطوف وليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج عبد الله: فلا إثم عليه لمن اتقى. وعن أبي ذرّ: فان فأوافيهن فإن الله غفور رحيم. وقوله: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر. وقرأ سعد: فإن كان له أخ أو أخت من أبيه ومثل هذا كثير فلنقتصر على هذا القدر منه.

ما في القرآن من تغيير الكتابة: كان القوم الذين كتبوا المصحف لم يكونوا قد حذقوا الكتابة فلذلك وضعت أحرف على غير ما يجب أن تكون عليه. وقيل: لما كتبت المصاحف وعرضت على عثمان وجد فيها حروفا من اللحن في الكتابة، فقال: لا تغيّروها فإن العرب ستغيرها أو ستعبر بها، ولو كان الكاتب من ثقيف والمملي من هذيل لم يوجد فيه هذه الحروف.

ما سدّ منه لحنا: عن ابن عروة عن أبيه قال: سألت عائشة عن لحن القرآن عن قوله: إن هذان لساحران، وعن قوله: والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة، وعن قوله: إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون، فقالت: يا ابن أختي هذا عمل الكتّاب اخطأوا في الكتابة.

الرخصة في اختلاف القراءات: كان عمر ﵁ يقول: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأها، وكان رسول الله ﷺ أقرأنيها فأخذت بثوبه فذهبت به إلى رسول الله ﷺ فقلت: إني سمعته يقرأ القرآن على غير ما أقرأتني فقال: إقرأ. فقرأت فقال ﷺ:

هكذا أنزلت، ثم قال لهشام: إقرأ فقال ﷺ: هكذا أنزلت. ثم قال: إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف فاقرؤا ما تيسر منه.

وفي خبر أنه ﷺ قال: إن جبريل وميكائيل أتياني فقعد جبريل عن يميني وميكائيل عن يساري، فقال جبريل: إقرأ القرآن على حرف فقال ميكائيل استزده حتى بلغ سبعة أحرف وكل حرف شاف كاف.

تعظيم القرآن: رأى عمر ﵁ مصحفا بخطّ دقيق، فقال: ما هذا؟ فقيل: القرآن كله فضرب صاحبه، وقال: عظموا كتاب الله. وكان أمير المؤمنين يكره أن يكتب القرآن في الشيء الصغير.

وكان ابن عبّاس إذا رأى مصحفا قد فضض أو ذهّب يقول: أتغرون به السارق وزينته في جوفه. وقال أبو ذر: إذا حلّيتم مصاحفكم وزخرفتم مساجدكم فالدمار عليكم.

وقال مالك والشافعي ﵄: لا يمس القرآن إلا طاهر. قال الله تعالى: لا يمسه إلا المطهرون. وكان الشعبي لا يرى بأسا أن يأخذ بغلافه وهو على غير وضوء. وقال ﷺ: لا توسدوا القرآن واتلوه بالليل والنهار.

فضل قراءة القرآن: قال النبي ﷺ: إن العبد إذا قرأ فحرف كتبه الملك كما أنزل وكان ابن مسعود يقول:

من ختم القرآن فله دعوة مستجابة. وقال الله تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ

قال ابن عباس: يتبعونه حق اتباعه. وقال تعالى في ذم قوم: فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ

، قال الشعبي: أما أنه كان بين أيديهم ولكن نبذوا العمل به. وقال ﷺ:

قراءتك في المصحف تزيد على قراءتك ظاهرا كفضل المكتوبة على النافلة.

تعظيم قرّاء القرآن: قيل: عظموا من زيّنه الله بالقرآن، وقال ﷺ: إنّ من تعظيم الله إجلال ثلاثة: الإمام المقسط وذي الشيبة وحامل القرآن لا الغالي فيه ولا الجافي فيه. وكان عمر ﵁ يجري على كل حافظ قرآن مائة دينار.

فضل تعلّم القرآن وتعليمه: روي عن النبي ﷺ: إن هذا القرآن مأدبة الله فتعلموا مأدبته. وروي عنه: خياركم من تعلم القرآن وعلمه. وقال عقبة بن عامر: خرج علينا رسول الله ﷺ وكنا في الصفة فقال:

أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو العقيق فيأخذ كل يوم ناقتين كوماوين زهراوين في غير إثم ولا قطيعة رحم؟ فقلنا: كلّنا يا رسول الله. قال: فلأن يغدو أحدكم كل يوم إلى المسجد فيتعلم آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين ومن ثلاث. وقيل: في قوله تعالى:

قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ

وبالإسلام والقرآن.

الرّخصة في أخذ الأجرة بتعليمه: ممّا يدل على الرخصة في ذلك ما روى أبو سعيد الخدري ﵁ أن نفرا من أصحاب النبي ﷺ مروا بحيّ من أحياء العرب فلدغ رجل منهم، فقالوا: هل فيكم من راق فرقاه رجل بأم الكتاب فأعطي قطيعا من الغنم؟ فقدموا على النبي ﷺ فأخبروه، فقال: من أخذ برقية باطل فقد أخذت برقية حق اضربوا معكم بسهم وقال ﷺ: تعلموا القرآن وسلوا الله به من قبل أن يتعلمه قوم يسألون به الدنيا، فإن القرآن يتعلمه ثلاثة نفر: رجل يباهي به ورجل يستأكل به ورجل يقرأه لله. وأقرأ أبي رجلا من اليمن سورة فأعطاه فرسا، فقال: إن كنت تريد أن تقلّد سيفا من النار فخذها.

الجهر والمخافتة: مر ﷺ بأبي بكر وهو يخافت وبعمر يجهر فسألهما فقال أبو بكر: إني أسمع من أناجي فقال ﷺ: إرفع شيئا. وقال عمر: أطرد الشيطان وأوقط الوسنان فقال: أخفض شيئا كأنه ذهب إلى قوله تعالى: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا

المدة التي يستحبّ فيها الختم: سأل قيس بن صعصعة النبي ﷺ في كم أقرأ القرآن؟ قال: في كل خمس عشرة قال:

إني أجد فيّ أقوى من ذلك. قال: ففي كل جمعة. وقال سعد بن المنذر الأنصاري للنبي ﷺ أقرأ القرآن في كل ثلاث، قال: نعم إن استطعت. وكان سليمان يقرأ القرآن في كل ليلة ثلاث مرات، يقعد في كل مرة ويجامع امرأته ويغتسل، فلما مات قالت رحمك الله إن كنت لترضي ربك وأهلك. وكان عمر رضي الله تعالى عنه يقرأ القرآن في ركعة.

النّهي عن المراء فيه وعن تفسيره: قال ﷺ: لا تماروا في القرآن فإن المراء فيه كفر. وسأل أبو بكر عن قوله تعالى وَفاكِهَةً وَأَبًّا

، فقال: أي سماء تظلّني وأي أرض تقلني؟، إن قلت في كتاب الله بما لا أعلم.

التّداوي بالقرآن: قالت عائشة: كان النبي ﷺ إذا مرض يقرأ على نفسه بالمعوذتين وينفث. وكان الحسن يكره أن يغسل القرآن ويسقى. وسئل إبراهيم عمّن حمّ فعلق عليه تعويذ فيه يا نارُ كُونِي بَرْداً

(الآية)، فكرهه. وسئل عطاء عن الرجل يعلق عليه شيئا من القرآن فقال: ما سمعنا بكراهة ذلك إلا منكم معاشر أهل العراق.

بيع المصاحف: بيعت المصاحف في زمن معاوية، وكره ابن عمر بيع المصاحف. وقال ابن عباس:

اشتر المصاحف ولا تبعها. وسئل بعض الفقهاء عن ذلك، فقال: كان حبرا هذه الأمة لا يريان ببيعها بأسا: الحسن والشعبي.

ومما جاء في العبادات

الطّهارة والوضوء: قال الله تعالى: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً

ويُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ

. وسئل ﷺ عن البحر فقال: الحلّ ميتته الطهور ماؤه. وقال: من لم يطهره البحر فلا طهارة له. وقال ﷺ: خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غيّر طعمه ولونه.

دباغ الجلود: قال ﷺ: أيّما إهاب دبغ فقد طهر، ومرّ بشاة لميمونة وقد ماتت فألقيت، فقال:

هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به. وقال ﷺ: لا بأس بجلد الميتة إذا دبغ ولا بصوفها إذا غسل بالماء، واعتبر المزني الغسل في الشعر. وقال الشافعي: نجس غسل أو لم يغسل.

تحليل الأواني وتحريمها: قال ﷺ وقد خرج على أصحابه وفي إحدى يديه حرير وفي الأخرى ذهب، فقال:

هذان حرامان على ذكور أمتي حلّ لأناثها. وقال ﷺ: من شرب في آنية من فضة فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم.

السّواك: قال ﷺ: مالكم تدخلون عليّ قلحا استاكوا. وقال: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة. وقال: نظفوا أفواهكم فإنها ممر القرآن. وقيل: السواك مغسلة للفم، مجلبة لشهوة الطعام، جلاء للأسنان مطلق للسان، وعن ابن عباس: فيه عشر خصال مرضاة للرب ومسخطة للشيطان ومقربة للملائكة ومشد للثّة وذاهب بالحفر وجال للبصر ومطيب للفم ومقلّ للبلغم وهو من السنّة ومما يزيد في الحسنات.

كراهة صبّ ماء الوضوء على الإنسان: كان الرضا عند المأمون فلما قرب وقت الصلاة رأى الخدم يأتونه بالطشت والماء فقال الرضا: لو توليت هذا من نفسك، لأن الله تعالى يقول: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً

فقال: سمعا وطاعة، وأمر الغلمان بانصرافهم وقد أجازوا ذلك. ووضع لرسول الله ﷺ وضوء فقال: من صنع هذا؟ فقيل ابن عبّاس فقال:

اللهم فقهه في الدين.

وضوء العرب والحمقى: كان أعرابي إذا توضأ قدم غسل وجهه على إسته، ويقول: لا أقدّم السوءة على

الوجه. وقال أبو مهدية: كنا نتوضأ وضوءة تكفينا الأسبوع والأسبوعين حتى جاءنا هذا الوالي يأمرنا أن نليق كل يوم استاهنا إلاقة الدواة فأفسد علينا ما كنا فيه، وانتفض أعرابي ثم أقبل فقيل له: ألا تمس ماء فتتنظف به، فقال هبوني غسلت ظاهرها فكيف أصنع بباطنها.

النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

في هذا الباب

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «محاضرات الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.