من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
حكايات متفرقة من أبواب مختلفة
قال أعرابي لرجل: أكتب لابني تعويذا قال: ما اسمه؟ قال: فلان قال وأمه قال ولم عدت عن اسمي قال لأن الأم لا يشكّ فيها. قال اكتب فإن كان ابني فعافاه الله وإن لم يكن فلا شفاه الله. من هانت عليه نفسه فلا تأمن شره. قيل للحسن بن سهل ما بال كلام الأوائل حجة؟ قال: لأنه مر على الاسماع قبلنا فلو كان ذيلا لما تأدّى إلينا مستحسنا.
قال بعضهم: ما رأيت أعق من أربعة أشياء: الدينار إذا كسر، والذراع إذا عقر والطومار إذ نشر، والثوب إذا قصّ.
عاد عروة بن الزبير إلى الشام إسماعيل بن بشار فقال عروة لغلامه: أنظر كيف ترى المحمل؟ قال: معتدلا. فقال إسماعيل: الله أكبر ما أعدل الحق والباطل قبل الليلة، فضحك عروة. لما دخل الشعبي على عبد الملك قال: أنا الشعبي فتبسّم عبد الملك وقال أما علمت أنه لا يدخل علينا لا من نعرفه فرأى الأخطل وهو يقول أنا أشعر الناس فقال:
من هذا؟ فقال: أما علمت أن الملوك لا يسألون فاعتذر وقال أنا سوقة ولا أعرف مثل هذا.
ومن يوثق لي؟ فقال: أمير المؤمنين فقال عبد الملك: إذا صرت كفيلا فمن الحاكم؟ كان تميم الداري خطب أسماء بنت أبي بكر في جاهليته فماكس في المهر فلم يزوّج.
فلما جاء الإسلام جاء بعطر ليبيعه فساومته أسماء فماكسها فقالت له: طال ما ضرّك مكاسك فاستحى منها لما عرفها وسامحها في البيع.
كانت بنت سعيد بن العاص عند الوليد بن عبد الملك فلما مات عبد الملك لم تبكه
فقال لها الوليد: ما يمنعك من البكاء على أمير المؤمنين ولا مصيبة أجل من فقده فقالت:
ما أقول أستزيد الله في سلطانه حتى يقتل لي أخا آخر. فقال: أي والله لقد كسرنا ثناياه وقتلناه. قالت: لقد علمت من شقت إسته بالملمول. قال: ألحقي بأهلك ألذ من الرفاء والبنين.
وقف يزيد بن عبد الملك على حائك وإلى جانبه فرس رائع مربوط فجعل يتعجب منه فقال: ما رأيت كاليوم فرسا كأنه بغلة فأعجب يزيد به، فقال وأريك ما هو أعجب وأخرج سيفا كأنه بقلة فساومه يزيد فيه بأربعة آلاف دينار فأبى وقال أريك، أعجب من ذلك ثم رفع سترا فبدت جارية كفلقة قمر، فقال: هل لك أن تنزل عنها بألف دينار فأبى وقال:
ولم أريتنيها قال لتعلم أن الله له نعم على أقنا الناس.
وقال بعض الأنصار: من أدمن إتيان المساجد رأى فيها ثماني خصال: أخا مستفادا وعلما مستظرفا وآية محكمة، ورحمة منتظرة، وكلمة تدل على هدى، وأخرى تردّ عن ردى، وترك الذنوب حياء أو خشية.
شكا أهل الكوفة سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب ﵁ فردّه مع محمد بن سلمة الأنصاري وأمره أن يطوف في مساجدهم يسألهم عن سيرته فجعلوا يقولون: خيرا، حتى أتى مسجد بني عبس فقام أسامة بن زيد العبسي فقال: كنت والله لا تعدل في القضية ولا تعزو في السيرة، ولا تقسم بالسويّة فقال: اللهم إن كان كاذبا فأطل عمره وأدم فقره ولا تنجيه من معاريض الفتن فرؤي شيخا كبيرا يمشي على محجن فيقول شيخ أعمى أدركته دعوة العبد الصالح.
دخل بعض الشعراء على أمير فأنشده:
إن الأمير يكاد من كرمأن لا يكون لأمّه بظر
فقال أعطوه شيئا لئلا يهذي، وأحب أن لا يعود يمدحنا.
ودفع رجل إلى خياط ثوبا ليخيطه فقال لأخيطنه لا تدري أقباء أم قميص؟ فقال لأمدحنك ببيت لا تدري إهجاء أم مديح وكان الخياط أعور فقال فيه:
خاط لي عمرو قباليت عينيه سوا
ولما أنشد النابغة النعمان قوله:
تخفّ الأرض ما بنت عنهاوتبقى ما بقيت بها ثقيلا
غضب وقال: لا أدري أهجوتني أم مدحتني؟ فقال:
حللت بمستقر العزّ منهاوتمنع جانبيها أن تزولا
فرضي كل موضع اعتدت فيه السلامة فلا تزايله. وقال المأمون يوما لمن عنده أنشدوني بيتا يدل على أنه لملك فأنشد قول امرئ القيس:
أمن أجل إعرابية حلّ أهلهاجنوب الملا عيناك تبتدران
فقال: ما هذا مما يدل على ملكه، قد يكون لسوقة إنما ذلك قول يزيد بن عبد الملك:
إسقني من سلاف ريق سليمىواسق هذا النديم كأس عقار
فأشارته إلى هذا النديم دلالة على أنه ملك، وقوله:
ولي المحض من ودّهمويغمزهم نائلي
سئل بعضهم عن بلد، فقال:
به البقّ والحمّى وأسد حففنهوعمرو بن هند يعتدي ويجور
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع