من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
الشَّيْخ مجد الدّين ابْن الظهير الْحَنَفِيّ مُحَمَّد بن أَحْمد بن عمر ابْن أَحْمد بن أبي شَاكر الشَّيْخ
مجد الدّين أَبُو عبد الله ابْن الظهير الأربلي الْحَنَفِيّ الأديب ولد باربل فِي ثَانِي صفر سنة اثْنَتَيْنِ وست ماية وَسمع ببغداذ فِي الكهولة من أبي بكر ابْن الخازن والكاشغري وبدمشق من السخاوي وكريمة وتاج الدّين ابْن حمويه وتاج الدّين ابْن أبي جَعْفَر وَقيل أَنه سمع من ابْن اللتي روى عَنهُ أَبُو شامة والقوصي والدمياطي وَأَبُو الْحُسَيْن اليونيني وَشَيخنَا شهَاب الدّين مَحْمُود وَعَلِيهِ تدرب وَبِه تخرج وَابْن الْعَطَّار وَابْن الخباز وَالشَّيْخ جمال الدّين الْمزي وَجَمَاعَة وَكَانَ من كبار
الْحَنَفِيَّة وفضلايهم درس بالقايمازية بِدِمَشْق مُدَّة)
وَكَانَ ذَا دين وَهُوَ من أَعْيَان شُيُوخ الْأَدَب وفحول الْمُتَأَخِّرين فِي الشّعْر لَهُ ديوَان مَوْجُود وَلما توفّي سنة سبع وَسبعين وست ماية دفن بمقابر الصُّوفِيَّة ورثاه شَيخنَا الْأَمَام شهَاب الدّين مَحْمُود ﵀ بقصيدة أَولهَا
تمكن ليلى وأطمأنت كواكبهوسدت على صبحي الْغَدَاة مذاهبه
مِنْهَا
بكته معاليه وَلم ير قبلهكريم مضى والمكرمات نواد بِهِ
وَلَا غرو أَن تبْكي الْمَعَالِي بشجوهاعلى الْمجد إِذا أودى وَهن صواحبه
فإي أَمَام فِي الْهدى والندى غَدَتْلآمله آدابه ومآدبه
أَظن الردى نسر السَّمَاء وَأَنهعلا فَوْقه فأستنزلته مخالبه
وَهِي قصيدة طَوِيلَة مليحة وأنشدني شهَاب الدّين مَحْمُود قِرَاءَة منى عَلَيْهِ قَالَ أَنْشدني الشَّيْخ مجد الدّين ابْن الظهير لنَفسِهِ مَا كتبه فِي أجازة
أجَاز مَا قد سَأَلُوابِشَرْط أهل السَّنَد
مُحَمَّد بن أَحْمدبن عمر بن أَحْمد
قلت وَهَذَا النَّوْع الَّذِي يُسَمِّيه أَصْحَاب البديع الأطراد وَهُوَ أَن يذكر الأسم وأباه وأجداده من غير حَشْو وَهُوَ كثير وأنشدني أجازة قَالَ أَنْشدني الْمَذْكُور لنَفسِهِ
حَيْثُ الأراكة والكثيب الأوعسوَاد يهيم بِهِ الْفُؤَاد مقدس
يحمى بأطراف الرماح طرافهعزا وبالبيض المواضي يحرس
وتكاد أنفاس النسيم إِذا سرتمن خيفة الغيران لَا تتنفس
وبجو ذَاك الشّعب أنفس مطلبأمست تذوب اسى عَلَيْهِ الْأَنْفس
وَبِكُل خدر مِنْهُ لَيْث محدرأفغابة ذَاك الحمي أم مكنس
يَا جيرة الْحَيّ المظلل بالقناهَل نَاركُمْ بسوى الأضالع تقبس
أضرمتموها للنزيل ودونهاغير أَن فتاك الحفيظة أشوس
وأنشدني الْمَذْكُور بالسند لَهُ
غش المفند كامن فِي نصحهفأطل وقوفك بالغوير وسفحه
وأخلع عذارك فِي مَحل ريهبرذاذ دمع العاشقين وسفحه
)
وَإِذا سرى سحرًا طليح نسيمهمَالَتْ بِهِ سكرا ذوايب طلحه
جهل الْهوى قوم فراموا شَرحهجلّ الْهوى وجنابه عَن شَرحه
وَبِي الَّذِي يُغْنِيه فاتر طرفهعَن سَيْفه وقوامه عَن رمحه
ذُو وجنة شَرقَتْ بِمَاء نعيمهاكالورد أشرقه نداه برشحه
وَكَأن طرته وَنور جَبينهليل تألق فِيهِ بارق صبحه
مِنْهَا وأنشدنيها الشَّيْخ أثير الدّين من لَفظه قَالَ أَنْشدني بدر الدّين المنيحي
قلبِي وطرفي ذَا يسيل دَمًا وَذَادون الورى أَنْت الْعَلِيم بقرحه
وهما بحبك شَاهِدَانِ وَإِنَّمَاتَعْدِيل كل مِنْهُمَا فِي جرحه
وَالْقلب مَنْزِلك الْقَدِيم فَإِن تَجِدفِيهِ سواك من الْأَنَام فنحه
قلت البيتان من هَذِه الثلثة قد أَكثر الشُّعَرَاء من النّظم فِي مَعْنَاهُمَا وَمن أحسن مَا حضرني الْآن قَول شرف الدّين شيخ الشُّيُوخ الْحَمَوِيّ
بقيت مَسْرُورا فَلم يبْق ليبعْدك لَا جسم وَلَا روح
دلّ على صدقي من مقلتيشَاهد عدل وَهُوَ مَجْرُوح
وَقد عقدت لهَذَا الْمَعْنى بَابا فِي كتابي الَّذِي سميته لَذَّة السّمع فِي صفة الدمع وأنشدني الْأَمَام شهَاب الدّين مَحْمُود بالسند الْمَذْكُور للشَّيْخ مجد الدّين أَيْضا
أواصل فِيهِ لوعتي وَهُوَ هَاجرويؤنسني تذكاره وَهُوَ نافر
ويغرى هَوَاهُ ناظري بادمعيوردها ورد بخديه ناضر
ويفتن فِي تيه الملاحة خاطراًفَكل خلي فِي هَوَاهُ مخاطر
ويزور سخطاً ثَانِي الْعَطف معرضًافَلَا عطفه يُرْجَى وَلَا الطيف زاير
محياه زاه بالملاحة زَاهِرفقلبي وطرفي فِيهِ ساه وساهر
يجيل على الْقد المهفهف معجباًحبالة شعر كم بهَا صيد شَاعِر
جلا طلعة كالروض دبجه الحياترف بِمَاء الْحسن فِيهِ أزاهر
وَشهر خداً بالعذار مطرزاًفَمَا لفؤاد لم يهم فِيهِ عاذر
فَإِن صَاد قلبِي طرفه فَهُوَ جارحوَأَن فتنت آيَاته فَهُوَ سَاحر
إِذا كَانَ صبري فِي الصبابة خاذلاًفَمَا لي سوى دمعي على الشوق نَاصِر
)
على ان فيض الدمع لم يرو غلَّةمن الوجد إِذْ كتها الْعُيُون الفواتر
وأنشدني بالسند الْمَذْكُور لَهُ أَيْضا
أذابل أم قدك الناضروباتر أم جفنك الفاتر
ووردة هاتيك أم وجنةوروضة أم وَجهك الباهر
يَا رَاقِد الجفن أما رَحْمَةمِنْك لصب جفْنه ساهر
يَا كَامِلا فِي حسنه صل أَخاشوق مديد حزنه وافر
تخذت من شعرك أحبولةلَا غرو أَن صيد بهَا شَاعِر
حاجبك المفرط فِي ظلمهأَعَانَهُ ناظرك الجاير
وعامل الْقد على قتلتيمن مرشف الصدغ لَهُ نَاظر
يَا رشأ آنسني بالآسىلم أَنْت عني أبدا نافر
لَا حكم للنادر لكنماحسنك وَالْحكم لَهُ النَّادِر
أَخْبرنِي الْعَلامَة نجم الدّين القحفازي النَّحْوِيّ الْحَنَفِيّ قَالَ أَخْبرنِي قَاضِي الْقُضَاة صدر الدّين على الْحَنَفِيّ قَالَ أنشدت الشَّيْخ مجد الدّين ابْن الظهير قَول الشَّاعِر
وَمَا فزت إِلَّا من بعيد بنظرةوَهل تنظر الأقمار إِلَّا على بعد
فَأَطْرَقَ قَلِيلا وَرفع رَأسه وَأنْشد لنَفسِهِ موطياً لذَلِك
قضيت وَمَا قضيت مِنْكُم لبانتيوَلَا ظَفرت نَفسِي بوصل وَلَا وعد
وَمن شعر الشَّيْخ مجد الدّين قَوْله ملغزاً فِي بلبل
وَمَا اسْم ثنائيرباعي بلامين
كلا شطريه أَن ضوعف فعلان بلامين
وان خاطبت مَأْمُورابِهِ عَاد كلامين
وَأَن حرفت حرفينغَدا فعلا وحرفين
وَمن شعره أَيْضا
أَكثر اللوم فِي الحبيب أنَاسعيروني ببذله بعد منع
قلت شمس الضُّحَى أَشد أبتذالاًوَهِي محبوبة إِلَى كل طبع
أنْشد الْعَلامَة شهَاب الدّين مَحْمُود وَقَالَ أَنْشدني الشَّيْخ مجد الدّين لنَفسِهِ فِي قراقوش ملغزاً)
أسم من قد هويتهظَاهر غير ظَاهر
قسم الْبعد قلبهبَين قلبِي وناظري
وأنشدني لنَفسِهِ الشَّيْخ فتح الدّين مُحَمَّد بن سيد النَّاس فِي ذَلِك
ظَبْي من التّرْك هضيم الحشامهفهف الْقد رَشِيق القوام
للطرف من تذكاره عِبْرَةوَالْقلب شوق أرق المستهام
وَسَيَأْتِي فِي تَرْجَمَة طَاهِر بن مُحَمَّد بن قُرَيْش لغز فِيهِ أَيْضا وَقَول مجد الدّين أحسن الثَّلَاثَة وأرشقها وأمكنها
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع