من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
بهاء الدّين أَبُو حَامِد السُّبْكِيّ الشَّافِعِي
أَحْمد بن عَليّ بن عبد الْكَافِي بن عَليّ بن تَمام السُّبْكِيّ الْأنْصَارِيّ الإِمَام الْفَقِيه الْمُفَسّر الْمُحدث الأصولي الأديب بهاء الدّين أَبُو حَامِد الشَّافِعِي يَأْتِي تَمام نسبه فِي تَرْجَمَة وَالِده قَاضِي الْقُضَاة فِي حرف الْعين فِي مَكَانَهُ ولد لَيْلَة الْأَرْبَعَاء الْعشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة سنة تسع عشرَة وَسبع مائَة بِالْقَاهِرَةِ استجاز لَهُ وَالِده مَشَايِخ عصره من الديار المصرية وَالشَّام ثمَّ أحضرهُ مجَالِس الحَدِيث وسَمعه الْكثير على مَشَايِخ بَلَده وَسمع بِنَفسِهِ وَقدم عَلَيْهِم الْمسند أَحْمد بن أبي طَالب الحجار فَسمع عَلَيْهِ فِي الْخَامِسَة من عمره صَحِيح البُخَارِيّ كَامِلا عَن ابْن الزبيدِيّ وَسمع من الْكتب والأجزاء شَيْئا كثيرا وَحفظ الْقُرْآن الْعَظِيم وَصلى بِهِ الْقيام سنة ثَمَان وَعشْرين ثمَّ إِنَّه اشْتغل بالفقه والنحو وَالْأُصُول وَغير ذَلِك على وَالِده وعَلى الشَّيْخ أثير الدّين أبي حَيَّان وَغَيرهمَا وَلم يبلغ الْحلم إِلَّا وَقد حصل من ذَلِك على شَيْء كَبِير ونظم الشّعْر وَأدْركَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين الصايغ صَاحب السَّنَد الْعَظِيم فِي الْقرَاءَات وَسمع عَلَيْهِ بِقِرَاءَة وَالِده وَغَيره نَحوا من سِتّ قراءات فِي بعض أَجزَاء من الْقُرْآن وَلما كنت بِالْقَاهِرَةِ سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَسبع مائَة أَخْبرنِي عَنهُ تَقِيّ الدّين ابْن رَافع أَنه صنف مجلدة ضخمة فِيهَا تنَاقض كَلَام الرَّافِعِيّ وَالشَّيْخ محيي الدّين النويي رحمهمَا الله تَعَالَى وَلما صنف ذَلِك كَانَ عمره سِتّ عشرَة سنة وَأذن لَهُ بالإفتاء وعمره عشرُون سنة وَلما
توجه وَالِده إِلَى قَضَاء الْقُضَاة بِالشَّام ولاه السُّلْطَان الْملك النَّاصِر مُحَمَّد مناصب وَالِده فِي تدريس المنصورية وَغير ذَلِك من السيفية والهكارية ومشيخة الحَدِيث بالجامع الطولوني وَالْجَامِع الظَّاهِرِيّ وَولى أَخَوَيْهِ أَيْضا وهما جمال الدّين الْحُسَيْن وتاج الدّين عبد الْوَهَّاب وَسَيَأْتِي ذكر كل مِنْهُمَا فِي مَكَانَهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَقَامَ بالوظائف الْمَذْكُورَة أحسن من قيام وَالِده وَبلغ ذَلِك وَالِده وَهُوَ بِالشَّام فَقَالَ أَنْشدني ذَلِك من لَفظه
دروس أَحْمد خيرٌ من دروس عَليّوَذَاكَ عِنْد عَليّ غَايَة الأمل
فَقلت مجيزاً لَهُ)
لِأَن فِي الْفَرْع مَا فِي أَصله وَلهزيادةٌ وَدَلِيل النَّاس فِيهِ جلي
وَقَالَ أَيْضا وأنشدنيه من لَفظه
أَبُو حامدٍ فِي الْعلم أَمْثَال أنجمٍوَفِي النَّقْد كالإبريز أخْلص بالسبك
فأولهم من اسفرايين نشؤهوثانيهم الطوسي وَالثَّالِث السُّبْكِيّ
فَقلت مجيزاً لَهُ
وَلَكِن هَذَا آخرٌ فاق أَولالقد فضل الحاكي لدي على المحكي
فَهَل ملكا ذَا الْفضل وَالسّن هَكَذَاعلى مَا أرى إِنِّي لذَلِك فِي شكّ
واقترح عَلَيْهِ وَالِده قَاضِي الْقُضَاة وعمره يَوْمئِذٍ سِتّ عشرَة سنة أَو دون ذَلِك أَن ينظم على قَول ابْن المعتز
علموني كَيفَ أسلو وَإِلَّافاحجبوا عَن مقلتيّ الملاحا
فَقَالَ وَهُوَ أول مَا نظم
بِي ظباء قد تبدت صباحانورها أصبح يَحْكِي الصباحا
قلت للعذال لما تغَالوافِي ملامي بَعْدَمَا الْعذر لاحا
علموني كَيفَ أبْكِي وَإِلَّافاحجبوا عَن مقلتي الملاحا
وَقَالَ يمدح الْعَلامَة أثير الدّين أَبَا حَيَّان بقصيدة أَولهَا
فداكم فؤادٌ حَان للبعد فَقدهوصبٌ قضى وجدا وَمَا حَال عَهده
وقلبٌ جريحٌ بالغرام ميتمٌوطرفٌ قريحٌ طَال فِي اللَّيْل سهده
فَعجب الشَّيْخ أثير الدّين مِنْهُ وَمن سنه فَقَالَ فِيهِ
أَبُو حامدٍ حتمٌ على النَّاس حَمدهلما حَاز من علمٍ بِهِ بَان رشده
غذيّ علومٍ لم يزل مُنْذُ نشئهيلوح على أفق المعارف سعده
ذكيٌ كَأَن من جاحم النَّار ذهنهذكاءً وَمن شمس الظهيرة وقده
وَمن حَاز فِي سنّ الْبلُوغ فضائلاًزمَان اغتدى بالعيّ وَالْجهل ضِدّه
وَقَالَ فِيهِ أَيْضا
أَبَا حامدٍ إِنِّي لفضلك حَامِدوَإنَّك فِي كل الْعُلُوم لوَاحِد
وَمن شعر بهاء الدّين أبي حَامِد قصيدة مدح بهَا وَالِده أَولهَا)
بحبي سَبِيل الْحبّ قَامَ منارهافَلَا تسألا عَن مهجتي فيمَ نارها
فحال الْهوى لَا يختفي وجحيمهتزيد ظهوراً حِين يُرْجَى استتارها
وَمَا قتل العشاق إِلَّا صوارمٌبَدَت من حمى ليلى يلوح غرارها
إِذا أَقبلت فالقلب مرمى سهامهاوَإِن أَدْبَرت فالعين تطفو بحارها
بنفسي من صادت فُؤَادِي وأصدأتحَياتِي إِذْ صدت ودام نفارها
تزيد لقلبيي إِن تبَاعد ربعهَادنواً وتجفو حِين تقرب دارها
وَتَأْتِي بِعُذْر عَن تعذر وَصلهَاوَمَا فتْنَة الْعَذْرَاء إِلَّا اعتذارها
يصير جنح اللَّيْل صبحاً جبينهاوَيظْلم بالفرع الطَّوِيل نَهَارهَا
مهاةٌ يزين الخصر مِنْهَا سقامهبِهِ ألمٌ مِمَّا حواه إزَارهَا
فللكثب مَا قد ضمّ مِنْهَا وشاحهاوللبدر مَا قد حَاز مِنْهَا خمارها
على أَن بدر التمّ يصفرّ إِن بَدَتويخجله من وجنتيها احمرارها
أيشبهها وَالْفرق بِالْفرقِ واضحٌوشمس الضُّحَى أضحى إِلَيْهَا افتقارها
لقد شقّ حبات الْقُلُوب شقيقهافَكَانَ إِلَى خالٍ حواه قَرَارهَا
وَمَا روضةٌ أغْنى عَن الزهر زهرهاوغنى بهَا قمريها وهزارها
وصفقت الأوراق حِين تراقصتبمر النسيم الرطب فِيهَا بحارها
بأرجائها الغزلان تحكي حسانهاوأفنانها الأفنان تجنى ثمارها
يروقك من هيف القدود طوالهاويسبيك من لحظ الجفون قصارها
بهَا الكأس تُكْسَى بالشمول شمائلاًويخلفها بعد اللجين نضارها
بأطيب عرفا من ثنائي على الَّذِيلَهُ من نفيسات الْمَعَالِي خِيَارهَا
لَهُ همةٌ فَوق السَّمَاء قَرَارهَاومكرمةٌ بذل النوال شعارها
حمى مِلَّة الْإِسْلَام بَحر علومهوزان فَمِنْهُ سورها وسوارها
(فكم حل إِشكالاً عقده)
وَكم قهر النظار فِي حومة الوغىببيض علومٍ لَا يفلّ غرارها
فَلَيْسَ فَتى إِلَّا عليّ وسيفهيصان بِهِ من ذِي الفقار فقارها
تقيٌّ نقيٌّ طاهرٌ علمٌ لَهُمحَاسِن مجدٍ لَا تعدّ صغارها
)
فَأَجَابَهُ وَالِده عَن ذَلِك بقصيدة أَنْشدني مِنْهَا
أياديك رَبِّي غيثها وانهمارهاعليّ كثيرات وَقد عز جارها
فَمن ذَاك نجلي أَحْمد الْفَاضِل الَّذِيغَدا وَهُوَ بحرٌ للعلوم ودارها
أَبَا حامدٍ لَا زلت فِي الْعلم صاعداًإِلَى رتبةٍ يَعْلُو السماك قَرَارهَا
تشيد أركاناً لَهُ وتشيدهافمنك مبانيها وَأَنت منارها
أَتَانِي قصيدٌ مِنْك فاقت بصنعةٍفَمَا إِن تسامى أَو يرام اقتدارها
وَمَا لي قوىً تَأتي إليّ بِمِثْلِهَاوَقد أعجز الطائيّ منهنا احورارها
فأسأل رَبِّي أَن يوقيك الردىوَيصرف عَنْك الْعين شطّ مزارها
واقترح عَلَيْهِ الْعَلامَة أثير الدّين أَبُو حَيَّان أَن ينظم لَهُ فِي الشطرنج مثل بَيت ذكره لَهُ على قافية الْهمزَة فَقَالَ أبياتاً مِنْهَا
فنظمي حبيب للقلوب برقةٍوَمعنى بِهِ يعزى إِلَى المتنبئ
وَلست عَن الْأَشْعَار يَوْمًا بعاجزوَلَا أَنا عَن نظم القوافي بجبأ
وَلما ورد إِلَى دمشق فِي سنة أَربع وَأَرْبَعين وَسبع مائَة لزيارة وَالِده على الْعَادة الَّتِي لَهُ من زمن السُّلْطَان الْملك النَّاصِر مُحَمَّد كتبت إِلَيْهِ
أَبَا حامدٍ إِنِّي بشكرك مطربكَأَن ثنائي فِي المسامع شيز
لقد حزت فضل الْفِقْه وَالْأَدب الَّذِييفوت الْغنى من لَا بِذَاكَ يفوز
وفتّ المدى مهلا إِلَى الْغَايَة الَّتِيلَهَا عَن لحاق السَّابِقين بروز
فَأَصْبَحت فِي حل الغوامض آيَةتميل إِلَى طرق الْهدى وتميز
كَأَن حُرُوف المشكلات إِذا أَتَتلديك على حل العويص رموز
وأثريت فاصرف للْمَسَاكِين فضلَةفعندك من درّ الْبَيَان كنوز
تجيد القوافي والقوى فِي بنائهافبيتك للمعنى الشرود حريز
سَأَلت فخبر عَن صَلَاة امْرِئ غَدَتْيحار بسيطٌ عِنْدهَا ووجيز
تجوز إِذا صلى إِمَامًا ومفرداًوَإِن كَانَ مَأْمُوما فَلَيْسَ تجوز
فأوف لنا كيل الْهدى متصدقاًفَأَنت بمصرٍ والشآم عَزِيز
فَمن ذَا الَّذِي يُرْجَى وَأَنت كَمَا نرىمجيدٌ مجيبٌ للسؤال مجيز
)
فَكتب الْجَواب عَن ذَلِك سَرِيعا
أيا من لشأو الْعلم بَات يحوزوَمن لسواه الْمَدْح لَيْسَ يجوز
وَمن حَاز فِي الْآدَاب مَا اقتسم الورىفَلَيْسَ لشَيْء مِنْهُ عَنهُ نشوز
وَمن ضَاعَ عرف الْفضل مِنْهُ وَلم يضعبجدواه عرف الْجُود فَهُوَ حريز
سَأَلت وَمَا الْمَسْئُول أعلم الَّذِيأردْت وَلَا مِنْهُ عَلَيْك بروز
وَقلت امْرُؤ لَا يَقْتَدِي غير أَنهإِمَامًا وفرداً بِالْجَوَازِ يفوز
وَذَاكَ فَتى أعمى نأى عَنهُ سَمعهوَلَيْسَ لأفعال الإِمَام يُمَيّز
فهاك جَوَابا وَاضحا قد أبنتهومثلي عَن حلّ الصعاب ضموز
فَإِن كَانَ هَذَا مَا أردْت فَإِنَّمَابِفَضْلِك فِي الدُّنْيَا تفكّ رموز
وَإِن لم يكنه فَالَّذِي هُوَ لَازمجوابٌ لمضمون السُّؤَال يجوز
فَلَا زلت تبدي من فضائلك الَّتِيتزيد مَعَ الْإِنْفَاق وَهِي كنوز
فَأَنت صَلَاح الدّين وَالنَّاس والدناوَأَنت خليلٌ والخليل عَزِيز
وكتبت إِلَيْهِ وَهُوَ بِدِمَشْق ملغزاً
مَا غائصٌ فِي يَابِس كلماتضربه سَوْطًا أَجَاد الْعَمَل
ذُو مقلةٍ غاص بهَا رَأسهوَالرَّأْس فِي الْعَادة مأوى الْمقل
فَكتب الْجَواب من وقته
لله لغزٌ فاق فِي حسنهفظلّ فِي الألغاز فَردا فضل
أرَاهُ فِي المثقاب إِن لم يكنقد غَابَ عَن فَاسد فكري فضل
وأنشدني من لَفظه لنَفسِهِ أبياتاً يخرج مِنْهَا الضَّمِير على الْعَادة لكنه عكس الْعدَد فَجعل للْأولِ سِتَّة عشر وَللثَّانِي ثَمَانِيَة وللثالث أَرْبَعَة وللرابع اثْنَيْنِ وللخامس وَاحِدًا وَهِي
أغنّ عناني لَا أفِيق لظلمهويطمعني فِي أَن يفكّ عناء
يذود أُنَاسًا لَا يصدهم صداًيزِيد ضناهم مَا يرى ويشاء
خلا حَيْثُ أضحى فِي حَشا كل شيقجليّ خصالٍ لَاحَ لَيْسَ خَفَاء
وكل الورى تزهو بِعَارِض خَالهلغرته ضوء الصَّباح إزاء
إِذا قَالَ آتِي خَان غيّاً لجهلهيظنّ الضنى إِن جَاءَ زَالَ شقاء
)
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع