من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
ابْن الجبّاس الدمياطي
ماذا روى «الوافي بالوفيات» عن ابن الجباس الدمياطي؟
أَحْمد بن مَنْصُور بن أسطوراس الدمياطي يعرف بِابْن الجبّاس قَالَ لي من لَفظه الشَّيْخ أثير الدّين أَبُو حَيَّان لَهُ نظم كثير وَقَرَأَ الْقرَاءَات
قلت وَقد اجْتمعت أَنا بِهِ فِي ديوَان الْإِنْشَاء بقلعة الْجَبَل وأنشدني لنَفسِهِ يصف الموز وَلم أر لغيره أحسن مِنْهُ
كَأَنَّمَا الموز فِي عراجنهوَقد بدا يانعاً على شَجَره
فروع شعرٍ بِرَأْس غانيةٍعقصن من بعد ضمّ منتشره
كَأَن من ضمّه وعقّصهأرسل شرّابةً على أَثَره
وَفِي اعْتِدَال الخريف أحسن مَاترَاهُ فِي ورده وَفِي صَدره
كَأَن أشجاره وَقد نشرتظلال أوراقه على ثمره
حاملة طفلها على يَدهَاتظلّه بالخمار من شعره
كَأَنَّمَا سَاقه الصَّقِيل وَقدبَدَت عَلَيْهِ نقوش معتبره
سَاق عروس أميط مئزرهافَبَان وشي الخضاب فِي حبره
يصاغ من جدولٍ خلاخلهافتنجلي والنثار من زهره
)
حدائق خَفَقت سناجقهاكأنّها الْجَيْش أمّ فِي زمره
زهي فِرَاق الْعُيُون منظرهفَمَا تملّ الْعُيُون من نظره
وكلّ آيَاته فباهرةتبين فِي ورده وَفِي صَدره
كأنّما عمره الْقصير حكىزمَان وصل الحبيب فِي قصره
كَأَن عرجونه المشيب أَتَىيخبر أَن خانه انقضا عمره
كأنّه الْبَدْر فِي الْكَمَال وَقدأُصِيب بالخسف فِي سنا قمره
كَأَنَّهُ بعد قطعه وقداصفر لما نَالَ من أَذَى حجره
متيم قد أذابه كمديبيت من وجده على خطره
معلّق بالرجاء ظَاهرهيخبر عمّا أجنّ من خَبره
يطيب ريحًا ويستلذ جنّىعلى أَذَى زَاد فَوق مصطبره
كأنّه الحرّ حَال محنتهيزِيد صبرا على أَذَى ضَرَره
قلت تكَرر مَعَه لفظ فِي ورده وَفِي صَدره مرَّتَيْنِ على أنّه جَائِر لكنه لَيْسَ بِحسن
وأنشدني من لَفظه لنَفسِهِ وَكَانَ قد أصمّ
إِن قلّ سَمْعِي إنّ ليفهما توفّر مِنْهُ قسم
يدني إليّ مقاصديويروقك الرمْح الْأَصَم
ولربّ ذِي سمعٍ بعيد الْفَهم عيّ النُّطْق فدم
زادوا على عيب التصامِم أنّهم صمّ وبكم
وأنشدني من لَفظه لنَفسِهِ فِي رمانةٍ
كتمت هوى قد لجّ فِي أشجانهاوحشت حشاها من لظى نيرانها
فتشقّقت من حبّها عَن حبّهاوجدا وَقد أبدى خفا كتمانها
رمّانة ترمي لَهَا أَيدي النّوىمن بعد مَا رمّت على أَغْصَانهَا
فاعجب وَقد بَكت الدُّمُوع عقائقاًلَا من محاجرها وَلَا أجفانها
وَفِي تَرْجَمَة الباخرزي عَليّ بن الْحسن من شعره فِي الرّمانة المشقوقة وجوّده
وأنشدني قِطْعَة من تخميسه قصيدة الْعَلامَة شَيخنَا شهَاب الدّين مَحْمُود ﵀ الَّتِي أَولهَا
هَذَا اللِّقَاء وَمَا شفيت غليلاكَيفَ احتيالي إِن عزمت رحيلا
)
وَسَأَلته عَن مولده فَقَالَ فِي سنة ثَلَاث وَخمسين وسِتمِائَة وأجازني مَا يجوز لَهُ تسميعه وَكتب لي خطه بذلك فِي سَابِع عشر صفر سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة وَكَانَ خطيب الورّادة الَّتِي فِي رمل مصر
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع