من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
ابْن مُنِير الطرابلسي
ماذا روى «الوافي بالوفيات» عن ابن منير الطرابلسي؟
أَحْمد بن مُنِير بن أَحْمد بن مُفْلِح الطرابلسي الملقب مهذب الْملك عين الزَّمَان الشَّاعِر الْمَشْهُور ديوانه كَانَ أَبوهُ ينشد الْأَشْعَار ويغني فِي أسواق طرابلس ونَشأ أَبُو الْحُسَيْن وَلَده وَحفظ الْقُرْآن وَتعلم اللُّغَة وَالْأَدب وَقَالَ الشّعْر وَقدم دمشق وسكنها وَكَانَ رَافِضِيًّا كثير الهجاء خَبِيث السان وَلما كثر ذَلِك مِنْهُ سجنه بوري بن أتابك طغتكين صَاحب دمشق مُدَّة وعزم على قطع لِسَانه ثمَّ شفع فِيهِ يُوسُف بن فَيْرُوز الْحَاجِب فنفاه فَلَمَّا ولي ابْنه إِسْمَاعِيل عَاد إِلَى دمشق فَتغير عَلَيْهِ لشَيْء بلغه فتطلبه وَأَرَادَ صلبه فهرب إِلَى حماة وشيزر وحلب ثمَّ قدم دمشق صُحْبَة نور الدّين ثمَّ رَجَعَ مَعَ الْعَسْكَر إِلَى حلب وَمَات بهَا وَكَانَ بَينه وَبَين أبي عبد الله مُحَمَّد بن نصر بن صَغِير القيسراني مكاتبات وأجوبة ومهاجاة وَكَانَا مقيمين فِي حلب متنافسين فِي صنعتهما على عَادَة المتماثلين وَمن شعره)
وَإِذا الْكَرِيم رأى الخمول نزيلهفِي منزلٍ فالحزم أَن يترحّلا
كالبدر لّما أَن تضاءل جدّ فِيطلب الْكَمَال فحازه متنقلا
سفهاً بِحِلْمِك إِن رضيت بمشربرنقٍ ورزق الله قد مَلأ الملا
ساهمت عيسك مرّ عيشك قَاعِداأَفلا فليت بِهن نَاصِيَة الفلا
فَارق ترق كالسيف سلّ فَبَان فِيهِمتنيه مَا أخْفى القراب وأخملا
لَا تحسبنّ ذهَاب نَفسك ميتَةمَا الْمَوْت إلاّ أَن تعيش مذلّلا
للقفر لَا للفقر هبها إنّمامغناك مَا أَغْنَاك أَن تتوسلاّ
لَا ترض من دنياك مَا أدناك مندنسٍ وَكن طيفاً جلا ثمَّ انجلى
وصلِ الهجير بهجر قومٍ كلّماأمطرتهم عسلاً جنوا لَك حنظلا
من غادرٍ خبثت مغارسٍ ودهفَإِذا محضت لَهُ الْوَفَاء تأولا
لله علمي بِالزَّمَانِ وَأَهلهذَنْب الْفَضِيلَة عِنْدهم أَن تكملا
طبعوا على لؤم الطباع فَخَيرهمْإِن قلت قَالَ وَإِن سكتّ تقولا
أَنا من مَا الدَّهْر همّ بخفضهسامته همته السماك الأعزلا
واعٍ خطاب الْخطب وَهُوَ مجمجمراعٍ أكلّ العيس من عدم الكلا
زعم كمنبلج الصَّباح وَرَاءهعزم كحدّ السَّيْف صَادف مقتلا
وَمِنْه قَوْله
من ركب الْبَدْر فِي صدر الردينيّوموّه السحر فِي حدّ اليمانيّ
وَأنزل النيّرّ الْأَعْلَى إِلَى فلكٍمَدَاره فِي القباء الخسروانيّ
طرف رنا أم قرَاب سلّ صارمهوأغيد مأس أم أعطاف خطيّ
أذلني بعد عزٍ والهوى أبدايستعبد اللّيث للظبي الكناسي
أما وذائب مسكٍ من ذوائبهعلى أعالي الْقَضِيب الخيزارنيّ
وَمَا يجنّ عقيقي الشفاه من الرِّيق الرحيقيّ والثغر الجمانيّ
لَو قيل للبدر من فِي الأَرْض تحسدهإِذا تجلّى لقَالَ ابْن الْفُلَانِيّ
أربى عليّ بشتّى من محاسنهتألفت بَين مسموعٍ ومرئي
إباء فَارس فِي لين الشآم مَعَالظّرْف العراقّي والنطق الْحِجَازِي
)
وَمَا المدامة بالألباب أفتك منفصاحة البدو فِي أَلْفَاظ تركيّ
وَمِنْه أَيْضا
أنْكرت مقلته سفك دميوَعلا وجنته فَاعْترفت
لَا تَخَالُّوا خَاله فِي خدّهقَطْرَة من دم جفني نقطت
ذَاك من نَار فُؤَادِي جذوةفِيهِ شبّت وانطفت ثمَّ طفت
وَمِنْه أَيْضا
لَا تغالطني فَمَا تخفى عَلَامَات الْمُرِيب
أَيْن ذَاك الْبشر يامولاي من هَذَا القطوب
وَمِنْه أَيْضا
أحلى الْهوى مَا تحلّه التّهمباح بِهِ العاشقون أَو كتموا
أغرى المحبّين بالأحبة بَالعذل كَلَام أسماؤها كلم
سعوا بِنَا لَا سعت بهم قدمفَلَا لنا أصلحوا وَلَا لَهُم
ضرّوا بهجراننا وَمَا انتفعواوصدّعوا شملنا وَمَا التأموا
ياربّ خذلي من الوشاة إِذاقَامُوا وقمنا لديك نَخْتَصِم
وَمِنْه
عدمت دهراً ولدت فِيهِكم أشْرب المرّ من بنيه
مَا تعتريني الهموم إِلَّامن صَاحب كنت أصطفيه
فَهَل صديق يُبَاع حَتَّىبمهجتي كنت أشتريه
وَكم عدوٍّ رغبت عَنهُفعشت حَتَّى رغبت فِيهِ
وَكَانَ ابْن مُنِير كثيرا مَا ينْكث ابْن القيسراني بأنّه مَا صحب أحدا قطّ إِلَّا نكب فاتفق أَن أتابك عماد الدّين زنكي صَاحب الشَّام غنّاه مغنّ على قلعة جعبر وَهُوَ يحاصرها قَول ابْن مُنِير
ويلي من المعرض الغضبان إِذْ نقل الواشي إِلَيْهِ كلَاما كلّه زور
سلّمت فازورّ يثني قَوس حَاجِبهكأنني كأس خمر وَهُوَ مخمور
فاستحسنهما زنكي وَقَالَ لمن هما فَقيل لِابْنِ مُنِير الطرابلسي وَهُوَ بحلب فَكتب إِلَى وَالِي حلب يتجهيزه إِلَيْهِ سَرِيعا فليلة وصل ابْن مُنِير قتل أتابك زنكي فَرجع ابْن الْمُنِير إِلَى حلب)
فَقَالَ لَهُ ابْن القيسراني هَذِه بِكُل مَا كنت تنكثني بِهِ وَقَالَ ابْن عَسَاكِر فِي تَارِيخ دمشق حدث الْخَطِيب السديد أَبُو مُحَمَّد عبد القاهر بن عبد الْعَزِيز خطيب حماة قَالَ رَأَيْت أَبَا الْحُسَيْن ابْن مُنِير الطرابلسي فِي النّوم بعد مَوته وَأَنا على قرنة بُسْتَان مُرْتَفعَة فَسَأَلته عَن حَاله وَقلت لَهُ اصْعَدْ إِلَى عِنْدِي فَقَالَ مَا أقدر من رائحتي فَقلت تشرب الْخمر فَقَالَ شرا من الْخمر يَا خطيب فَقلت مَا هُوَ قَالَ تَدْرِي مَا جرى علّي من هَذِه القصائد الَّتِي قلتهَا فِي مثالب النَّاس فَقلت ماجرى عَلَيْك مِنْهَا فَقَالَ لساني قد وثخن وَصَارَ مدّ الْبَصَر وَكلما قَرَأت قصيدة مِنْهَا قد صَارَت كلاّباً تتَعَلَّق فِي لساني وأبصرته حافياً عَلَيْهِ ثِيَاب رثَّة إِلَى الْغَايَة وَسمعت قَارِئًا يقْرَأ من فَوْقه لَهُم من فَوْقهم ظللٌ من النّار ثمَّ انْتَبَهت مَرْعُوبًا
وَقَالَ أَبُو الحكم عبد الله المغربي صَاحب نهج الوضاعة فِي ابْن مُنِير لّما مَاتَ
أَتَوا بِهِ فَوق أعوادٍ تسير بِهِوغسلّوه بشطّي نهر قلّوط
وأسخنوا المَاء فِي قدرٍ مرصّصةٍوأشعلوا تحتهَا عيدَان بلّوط
قَالَ ابْن خلكان ﵀ زرت قَبره وَرَأَيْت عَلَيْهِ مكتوباُ
من زار قَبْرِي فَلْيَكُن موقناًأَن الَّذِي لاقيت يلقاه
فيرحم الله امْرَءًا زارنيوَقَالَ لي يَرْحَمك الله
ولد ابْن مُنِير سنة ثَلَاث وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة وَتُوفِّي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة وَقيل سنة سبع وَدفن بجبل جوشن بحلب
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع