من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
القَاضِي شهَاب الدّين ابْن فضل الله
الصفحة ٢ من ٢
وَمن مدائحه النبويّة مَا أنشدنيه من لَفظه ونقلته من خطّه
جنحت إليّ مَعَ الأَصْل الْمَذْهَبوالركب ممتدُّ الخطا فِي الْمَذْهَب
وَالْيَوْم مبيض الْإِزَار وإنّماجنب الْإِزَار مطرّز بالغيهب
وَالشَّمْس قد همّت لتذهب رهبةًلكنّها بقيت لنا لم تذْهب
وعَلى الأصائل رقة فَكَأَنَّمَالبست نحول العاشق المتلهّب
والجوّ حَيْثُ شممت ينْفخ عنبراًويذرّ مِنْهُ فَوق فرق الْمغرب
ومبشّر النّوّار جَاءَ مخلّقاًلَا شكّ قد خطرت نوافح يثرب
وافى يبشّر بالحمى وبأهلهيهنيكم هذي الْمَدِينَة وَالنَّبِيّ
هذي الْمَدِينَة أشرقت أعلامهايهنيكم فوتم بأشرف مطلب
هذي القباب كأنهن غرائسمجلوّة سفرت وَلم تتنقّب
)
هذي الحائق والنخيل وماؤهانم واستظل من الهواجر واشرب
هَذَا رَسُول الله جدّوا نَحوهتَجدوا النوال الجمّ والخلق الأبي
هَذَا رَسُول الله هَذَا أحمدٌهَذَا النقي الجيب هَذَا مطلبي
هَذَا صباح الْمُهْتَدي هَذَا ربيع المجتبي هَذَا شَفِيع المذنب
هَذَا النَّبِي الهاشميّ الْمُجْتَبىمن نسل إِبْرَاهِيم أكْرم من أَب
هَذَا المصفّى من سلالة آدمالطّيب ابْن الطّيب ابْن الطّيب
شرفت بِهِ آباؤه وَأَتَتْ بِهِأبناؤه والكلّ مثل الْكَوْكَب
وَاخْتَارَهُ الله الْمُهَيْمِن ربّهوحباه بالقربى وعزّ المنصب
آتَاهُ فِي الْمِعْرَاج فضلا لم يكنلسواه من دون البريّة قد حبي
يَا حبّذا فِيهِ مهاجمة الدجىوَلَو انّه أَسد يصول بمخلب
ودوام إِيرَاد الركاب صوادياًوَالْفَجْر مثل المَاء تَحت الطحلب
لتنيخ فِي بَاب النبّي محمدٍوتراح من طول الْمسير المتعب
يَا معشر العشاق هَذَا أَنْتُموحبيبكم وَاللَّيْل داجي الغيهب
قومُوا انْظُرُوا وتمتّعوا بجمالهوتأملو فجماله لم يحجب
وتزوّدوا قبل الرحيل فإنّهلم يبْق غير هنيهةٍ لم تذْهب
قرب الْفِرَاق فليته لم يقتربمنّا وليت مطيّه لم تقرب
أَيَّام عمري مَا أَقمت بطيبةٍاما سواهُ فإنني لم أَحسب
لَيْت الزَّمَان يَدُوم لي بوصالهاأَو لم يجد فبطيفها المتأوّب
وَمن شعره
شادنٌ جدّد وجدي بعد مَاصرت شَيخا لَيْسَ ترضاني الْعَجُوز
قلت جَاوز لي متاعي قَالَ قلغير هَذَا ذَاك شيءٌ لَا يجوز
وَقَالَ
شربت مَعَ غادةٍ عَجُوز طلاًفاستصحبت بعد منعهَا العاده
ليّنها السكر لي فحينئذٍسلّمت أنّ الْعَجُوز قوّاده
وَقَالَ)
سل شجيّاً عَن فؤادٍ نزحاوخليّاً فيهم كَيفَ صَحا
ومحبّاً لم يذقْ بعدهمْغير تبريحٍ بهم مَا برحا
مزج الدمع بذكراه لَهُممثل خدّي من سقَاهُ القدحا
زَارَهُ الطيف وَهَذَا عجبشبحٌ كَيفَ يلاقي شبحا
وَقَالَ
أأحبابنا والعذر منّا إِلَيْكُمإِذا مَا شغلنا بالنوى أَن نودّعا
أبثّكم شوقاً أباري بِبَعْضِهحمام العابا رنّةً وتوجّعا
أَبيت سمير الْبَرْق قلبِي مثلهأقضّي بِهِ اللَّيْل التَّمام مروّعا
وَمَا هُوَ شوق مُدَّة ثمَّ تَنْقَضِيوَلَا أَنه يبكي محباً مفجّعا
وَلكنه شوق على الْقرب والنوىأغصّ المآقي مدمعاً ثمَّ مدمعا
وَمن فَارق الأحباب فِي الْعُمر سَاعَةكمن فَارق الأحباب فِي الْعُمر أجمعا
وَقَالَ
لَا تسل بعد بَينهم مَا جرى ليمن دموعٍ كأنهن الآلي
خففت وَطْأَة الغرام وَلَكِنعرفت فِي الجفون طيف الخيال
وَقَالَ
يَقُول لي من شعره أسودكالليل بل بَينهمَا فرق
قلت وَبِي من وَجهه أَبيضفَقَالَ لي هَذَا هُوَ الْحق
وَقَالَ
وحقّ الَّذِي أبلى فُؤَادِي بحبكموصيّر قلبِي فِيكُم هائماً صبّا
محبكم المضنى على مَا عهدتموَلم يجن فعلا فِي الْفِرَاق وَلَا ذَنبا
ولكنّها الأقدار تجْرِي على الْفَتىوَتحمل فِيهَا من أحبّته عتبا
أأحبابنا أَنْتُم بقلبي وناظريلذَلِك لَا أَشْكُو بعاداً وَلَا قربا
وَالظَّاهِر أَن مولده سنة إِحْدَى وَسَبْعمائة أَو سنة سَبْعمِائة ولّما وَقع الطَّاعُون بِدِمَشْق سنة تسع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة قلق وهمع وزمع وتطاير كثيرا وراعى الْقَوَاعِد الطبية وانجمع عَن النَّاس وانعزل وعزم على الْحَج وَاشْترى الْجمال وَبَعض الْآلَات ثمَّ إنّه بَطل ذَلِك وَتوجه بِزَوْجَتِهِ ابْنة)
عَمه إِلَى الْقُدس الشريف وولديه وصاموا هُنَاكَ رَمَضَان فَمَاتَتْ زَوجته هُنَاكَ ودفنها بالقدس فِي شهر رَمَضَان وَحضر إِلَى دمشق وَهُوَ طَائِر الْعقل فَيوم وُصُوله برد وَحصل لَهُ حمّى ربع وأضعفته إِلَى أَن بحرنت بصرع وَتُوفِّي ﵀ وسامحه يَوْم عَرَفَة سنة تسع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وَدفن عِنْد وَالِده وأخيه بدر الدّين مُحَمَّد بالصالحية
وكتبت أَنا إِلَى أَخِيه القَاضِي عَلَاء الدّين أعزيه فِيهِ بِكِتَاب هَذَا نسخته يقبل الأَرْض وَيُنْهِي مَا عِنْده من الْأَلَم الَّذِي برّح والسقم الَّذِي جرّ ذيول الدمع على الخدود وجرّح لما قدّره الله من وَفَاة القَاضِي شهَاب الدّين سقته بألطف أندائها وأغزرها ساريات الْغَمَام ف إنّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون قَول من غَابَ شهابه وآب التهابه وذاب قلبه فَصَارَ للدمع قليبا وشاب فوده لّما شبّ جمر فُؤَاده وَلَا غرو فيومه جعل الْولدَان شيبا فيا أسفا على ذَلِك الْوَجْه المليء بالملاحة وَاللِّسَان الَّذِي طالما سحر الْعُقُول ببيانه فصاحت يَا ملك الفصاحة وَالْيَد الَّتِي كم روّضت الطروس أقلامها وأنشأت أسجاعاً لم تذكر مَعهَا بانات الْحمى وَلَا حمامها فَكَأَن أَبَا الطّيب مَا عَنى سواهُ بقوله
تعثّرت بك فِي الأفواه ألسنهاوَالْبرد فِي الطّرق والأقلام فِي الْكتب
فرخم الله ذَلِك الْوَجْه وبلّغه مَا يرجوه وضوّأه بالمغفرة يَوْم تبيض وُجُوه وَتسود وُجُوه لقد فقد الْمجد المؤثل مِنْهُ ركنا تتكثر بِهِ الْجبَال فَمَا تقله وَلَا تستقله وعدمت الْآدَاب مِنْهُ بارعاً لَو عاصره الجاحظ مَا كَانَ لَهُ جاحداً وَالْبيع علم أَن مَا فض لَهُ فَضله وَغَابَ عَن الْإِنْشَاء مِنْهُ كَاتب لَيْسَ بَينه وَبَين الْفَاضِل لَوْلَا أَخُوهُ مثله أَتَرَى ابْن المعتز عناه بقوله
هَذَا أَبُو الْعَبَّاس فِي نعشهقومُوا انْظُرُوا كَيفَ تَزُول الْجبَال
وَمَا يَقُول الْمَمْلُوك فِي هَذَا الْبَيْت الْكَرِيم إِلَّا إِن كَانَ قد غَابَ بدره وأفل شهابه أَو غاض قطره وتقشّع سحابه فَإِن نيّره الْأَعْظَم بَاقٍ فِي أوجه وبحره الزاخر متلاطم فِي موجه وَفِي بَقَاء مَوْلَانَا خلف عَمَّن سلف وَعوض عَمَّا انْهَدم رُكْنه أَو نقض وجبر لمن عدم الْجلد وَالصَّبْر وَالله
يمتع الْوُجُود بحياته وَيجمع لَهُ بَين ثَوَابه وثباته لِأَنَّهُ قد عَاشَ الدّر المفديّ بِالذَّهَب وأضاءت شمس الْمَعَالِي إِن كَانَ قد خمد اللهب
علم الله كَيفَ أَنْت فأعطاك المحلّ الْجَلِيل من سُلْطَانه
جعل الدّين فِي ضمانك وَالدُّنْيَا فعش سالما لنا فِي ضَمَانه)
وَقد نظم الْمَمْلُوك قصيدةً مختصرة فِي رثاء الْمشَار إِلَيْهِ وَجعل ألفاظها تبكيه وقوافيها تنوح عَلَيْهِ وَهِي
الله أكبر يَا ابْن فضل اللهشغلت وفاتك كلّ قلبٍ لاه
كلّ يَقُول وَقد عرته كآبةواهاً لفقدك إِن صبري واه
فقدت بك الْأَمْلَاك بَحر ترسلٍمتلاطم الأمواج بالأمواه
يَا وَحْشَة الْإِنْشَاء مِنْك لكاتبٍأَلْفَاظه زهر النُّجُوم تباهي
وتوجع الْأَشْعَار فِيك لناظمٍمن لطفه لشذا النسيم يضاهي
كم أَمْسَكت يمناك طرساً أبيضاًفأعدته فِي الْحَال طرزاً باهي
كم قد أدرت من القريض قوافياًهِيَ نشوة الناشي وزهو الزاهي
ورسالة أنشأتها فِي حانة النّباذِ حازت حَضْرَة الفكّاه
وَوضعت فِي الْآدَاب كلّ مصنّفٍقَالَت لَهُ البلغاء زاهٍ زاه
كم قد خطرت على المجرّة رافلاًيَوْم الفخار بمعطفٍ تياه
شخصت لعلياك النُّجُوم تَعَجباوَلَك السّهى يرنو بطرفٍ ساه
مَا كنت إلاّ وَاحِد الدَّهْر الَّذِييسمو على الأنظار والأشباه
من بعْدك الْكتاب قد كتبُوا فَمَايَجدونَ منجاةً لَهُم من جاه
أقلامهم قد أملقت وَرمى الردىأدواتهم ودواتهم بدواهي
وطروسهم لبست حداد مدادهاأسفا عَلَيْك مؤكداً بسفاه
أما الْقُلُوب فإنّها رهن الأسىترد الْقِيَامَة وَهِي فِيك كَمَا هِيَ
أبدا يخيّل لي بأنك حَاضرتملي الْفُؤَاد لي وَأَنت تجاهي
فتعزّ فِيهِ واصطبر لمصابهيَا خير مولّى آمرٍ أَو ناهي
فدوام ظلّك فِي الْبَريَّة نعْمَةولشكرها حتم على الأفواه
لَا زَالَ جدّك فِي المبادىء صاعداًرتباً سعادتها بِغَيْر تناهي
إِن شَاءَ الله تَعَالَى
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع