من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
ابْن جَامع الْمُغنِي
إِسْمَاعِيل بن جَامع بن إِسْمَاعِيل بن عبد الله بن الْمطلب بن أبي ودَاعَة أَبُو الْقَاسِم الْمَكِّيّ كَانَ قد قَرَأَ الْقُرْآن وَسمع الحَدِيث ثمَّ ترك ذَلِك واشتغل بِالْغنَاءِ قَالَ لحقتني ضائقة شَدِيدَة بِمَكَّة فانتقلت إِلَى الْمَدِينَة فَخرجت ذَات يومٍ وَمَا أملك إِلَّا ثَلَاثَة دَرَاهِم وَإِذا بجاريةٍ على رقبَتهَا جرة تُرِيدُ الركي وَهِي تَقول من الطَّوِيل
شَكَوْنَا إِلَى أحبابنا طولَ ليلنافَقَالُوا لنا مَا أقصر الليلَ عندنَا
وَذَاكَ لِأَن النّوم يَغشْى عيونهمسِراعاً وَلَا يغشى لنا النّوم أعينا
إِذا مَا دنا اللَّيْل المضِرُّ بِذِي الْهوىجزِعنْا وهم يستبشرون إِذا دنا
فَلَو أنّهم كَانُوا يلاقون مثلمَانلاقي لكانوا فِي الْمضَاجِع مثلنَا
قَالَ فَأخذ غنَاؤُهَا بقلبي وَلم يدر لي مِنْهُ حرف فَقلت يَا جَارِيَة مَا أَدْرِي أوجهك أحسن أم)
غناؤك فَلَو شِئْت أعدت قَالَت حبا وكرامةً ثمَّ أسندت ظهرهَا إِلَى جِدَار وانبعثت تغنيه فَمَا دَار لي مِنْهُ حرف فَقلت لَو تفضلت مرّة أُخْرَى فقطبت وكلحت وَقَالَت مَا أعجب أَمركُم يَجِيء الْوَاحِد مِنْكُم إِلَى الْجَارِيَة عَلَيْهَا الضربية فيشغلها عَن ضريبتها فرميت إِلَيْهَا بِالثَّلَاثَةِ دَرَاهِم فأخذتها وَقَالَت أحسبك تَأْخُذ بِهَذَا الصَّوْت ألف دِينَار وَألف دِينَار وَألف دِينَار ثمَّ أعادته ففهمته ثمَّ سَافَرت إِلَى بَغْدَاد وَآل الْأَمر إِلَى أَن غنيت الرشيد بالأبيات فَأَعْطَانِي ثَلَاثَة أكياس فِي كل كيس ألف دِينَار فتبسمت فَقَالَ مَا لَك فَأَخْبَرته خبر الْجَارِيَة
وَكَانَ مُنْقَطِعًا إِلَى مُوسَى الْهَادِي هُوَ والحراني فضربهما الْمهْدي وطردهما فَلَمَّا مَاتَ الْمهْدي أَمر الْهَادِي الْفضل بن الرّبيع فَبعث إِلَى ابْن جَامع وأقدمه من مَكَّة وأنزله قَرِيبا من قصره وَاشْترى لَهُ جَارِيَة وَأحسن إِلَيْهِ فَذكره مُوسَى ذَات لَيْلَة فَقَالَ لجلسائه أما كَانَ فِيكُم أحد يعرف موقع ابْن ماجة من نَفسِي فَيُرْسل إِلَيْهِ فَإِذا ذكرته دَعَوْت بِهِ فَقَالَ الْفضل هُوَ وَالله عِنْدِي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَأمر بإحضاره وَوصل الْفضل بِعشْرَة آلَاف دِينَار وولاه حجابته
وَقَالَ صَاحب الأغاني كَانَ ابْن جَامع أحسن المغنين فِي أَيَّامه صَوتا وَأَقْوَاهُمْ طبعا وأصحهم صَنْعَة وَكَانَ إِذا صَاح قطع أَصْحَاب النايات وغناؤه نَحْو من خَمْسمِائَة صَوت وَلم يُؤَخِّرهُ عَن طبقَة القدماء إِلَّا جَهله بالوتر وَهُوَ من الْمَعْدُودين فِي صِحَة التَّأْلِيف وسلوك أساليب الحذاق المطبوعين وَمن الروَاة الْمَذْكُورين
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع