تجاوز إلى المحتوى

من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

الْمَازِني (٣)

بكر بن مُحَمَّد بن عُثْمَان وَقيل بَقِيَّة وَقيل عدي بن حبيب الْمَازِني الْبَصْرِيّ النَّحْوِيّ كَانَ إِمَام)

عصره فِي النَّحْو والآداب أَخذ الْأَدَب عَن أبي عُبَيْدَة والأصمعي وَأبي زيد الْأنْصَارِيّ وَغَيرهم وَأخذ عَنهُ الْمبرد وَكَانَ الْمبرد يَقُول مَا بعد سِيبَوَيْهٍ أعلم بالنحو من الْمَازِني وَله عَنهُ رِوَايَات كَثِيرَة وَله من التصانيف كتاب مَا تلحن فِيهِ الْعَامَّة وَكتاب الْألف وَاللَّام وَكتاب الْعرُوض وَكتاب القوافي وَكتاب الديباج على خلاف كتاب أبي عُبَيْدَة قَالَ أَبُو جَعْفَر الطَّحَاوِيّ الْمصْرِيّ سَمِعت القَاضِي بكار بن قُتَيْبَة قَاضِي مصر يَقُول مَا رَأَيْت نحوياً قطّ يشبه الْفُقَهَاء إِلَّا حَيَّان بن هرمة والمازني الْمَذْكُور قلت لم يكن القَاضِي بكار قد عاصر أَبَا الْفَتْح ابْن جني وَلَا أَبَا عَليّ الْفَارِسِي وَلَا ابْن عُصْفُور وَكَانَ الْمَازِني فِي غَايَة الْوَرع قَصده بعض أهل الذِّمَّة ليقْرَأ عَلَيْهِ كتاب سِيبَوَيْهٍ وبذل لَهُ مائَة دِينَار فِي تدريسه إِيَّاه فَامْتنعَ فَقَالَ لَهُ الْمبرد جعلت فداءك أترد هَذِه الْمَنْفَعَة مَعَ فاقتك وَشدَّة إضاقتك فَقَالَ إِن هَذَا الْكتاب يشْتَمل على ثَلَاث مائَة وَكَذَا وَكَذَا آيَة من كتاب الله ﷿ وَلست أرى أَن أمكن مِنْهَا ذِمِّيا غيرَة على كتاب الله وحمية لَهُ قَالَ الْمبرد فاتفق أَن غنت جَارِيَة بِحَضْرَة الواثق بقول العرجي

أظلوم أَن مصابكم رجلايهدى السَّلَام عَلَيْكُم ظلم

قلت كَذَا أوردهُ العرجي وَقَالَ آخَرُونَ وَهُوَ الصَّحِيح إِنَّه لِلْحَارِثِ ابْن خَالِد المَخْزُومِي من أَبْيَات أَولهَا

أقوى من آل ظليمة الحزمفالعنزتان فأوحش الخطم

وَبعد الْبَيْت الْمَذْكُور

أقصيته وَأَرَادَ سلمكمفليهنه إِذْ جَاءَك السّلم
للشاعر العرجي، من قصيدة «أقوى من آل ظليمة الحزم»

عَاد القَوْل إِلَى كَلَام الْمبرد فَاخْتلف من بالحضرة فِي إِعْرَاب رجل فَمنهمْ من نَصبه وَجعله اسْم أَن وَمِنْهُم من رَفعه على أَنه خَبَرهَا وَالْجَارِيَة مصرة على أَن شيخها أَبَا عُثْمَان الْمَازِني لقنها إِيَّاه بِالنّصب فَأمر الواثق بإشخاصه قَالَ أَبُو عُثْمَان فَلَمَّا مثلت بَين يَدَيْهِ قَالَ من الرجل فَقلت من مَازِن قَالَ أَي الموازن أمازن تَمِيم أم مَازِن قيس أم مَازِن ربيعَة قلت من مَازِن ربيعَة فكلمني بِكَلَام قومِي وَقَالَ با اسبك لأَنهم يقلبون الْمِيم بَاء وَالْبَاء ميماً فَكرِهت أَن أُجِيبهُ على لُغَة قومِي لِئَلَّا أواجهه بالمكر فَقلت بكر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَفطن لما قصدته وتعجب مِنْهُ ثمَّ قَالَ مَا تَقول فِي قَول الشَّاعِر أظلوم إِن مصابكم رجلا أترفع رجلا أم تنصبه فَقلت بل الْوَجْه النصب يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ وَلم ذَاك قلت إِن مصابكم مصدر)

بِمَعْنى إصابتكم فَأخذ اليزيدي فِي معارضتي قلت هُوَ بِمَنْزِلَة قَوْلك إِن ضربك زيدا ظلم فالرجل مفعول مصابكم وَهُوَ مَنْصُوب بِهِ وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن الْكَلَام مُعَلّق إِلَى أَن تَقول ظلم فَيتم فَاسْتَحْسَنَهُ الواثق وَقَالَ هَل لَك من ولد قلت نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بنية قَالَ مَا قَالَت لَك عِنْد مسيرك قلت أنشدت قَول الْأَعْشَى

أيا أبتا لَا ترم عندنَافَإنَّا بِخَير إِذا لم ترم
أرانا إِذا أضمرتك البلاد نجفى وَيقطع منا الرَّحِم
للشاعر الأعشى، من قصيدة «أتهجر غانية أم تلم»

قَالَ فَمَا قلت لَهَا قلت قَول جرير

ثقي بِاللَّه لَيْسَ لَهُ شريكوَمن عِنْد الْخَلِيفَة بالنجاح
للشاعر جرير، من قصيدة «أتصحو بل فؤادك غير صاح»

قَالَ عَليّ النجاح إِن شَاءَ الله تَعَالَى ثمَّ أَمر لي بِأَلف دِينَار وردني مكرماً قَالَ الْمبرد فَلَمَّا عَاد إِلَى الْبَصْرَة قَالَ لي كَيفَ رَأَيْت يَا أَبَا الْعَبَّاس رددنا لله مائَة فعوضنا ألفا وروى الْمبرد عَنهُ أَيْضا قَالَ قَرَأَ عَليّ رجل كتاب سِيبَوَيْهٍ فِي مُدَّة طَوِيلَة فَلَمَّا بلغ آخِره قَالَ لي أما أَنْت فجزاك الله خيرا وَأما أَنا فَمَا فهمت مِنْهُ حرفا وَقَالَ الزبيدِيّ قَالَ الْمَازِني كنت بِحَضْرَة الواثق يَوْمًا فَقلت لِابْنِ قادم وَابْن سَعْدَان قد كابرني كَيفَ تَقول نَفَقَتك دِينَارا أصلح من دِرْهَم فَقَالَ دِينَار بِالرَّفْع قلت فَكيف تَقول ضربك زيدا خير لَك فتنصب زيدا وطالبته بِالْفرقِ بَينهمَا فَانْقَطع وَكَانَ ابْن السّكيت حَاضرا فَقَالَ الواثق سَله عَن مَسْأَلَة فَقلت لَهُ مَا وزن نكتل من الْفِعْل فَقَالَ نَفْعل فَقَالَ الواثق غَلطت ثمَّ قَالَ لي فسره فَقلت نكتل تَقْدِيره نفتعل وَأَصله نكتيل فَانْقَلَبت الْيَاء ألفا لفتحة مَا قبلهَا فَصَارَ

لَفظهَا نكتال فأسكنت اللَّام للجزم لِأَنَّهُ جَوَاب الْأَمر فحذفت الْألف لالتقاء الساكنين فَقَالَ الواثق هَذَا الْجَواب لَا جوابك يَا يَعْقُوب فَلَمَّا خرجنَا قَالَ لي ابْن السّكيت مَا حملك على هَذَا بيني وَبَيْنك الْمَوَدَّة الْخَالِصَة فَقلت وَالله مَا أردْت تخطئتك وَلم أَظن أَنه يغرب عَنْك وَقَالَ الْمبرد سَأَلت الْمَازِني عَن قَول الْأَعْشَى

هَذَا النَّهَار بدا لَهَا من همهامَا بالها بِاللَّيْلِ زَالَ زَوَالهَا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «رحلت سمية غدوة أجمالها»

فَقَالَ نصب النَّهَار على تَقْدِير هَذَا الصدود بدا لَهَا النَّهَار وَالْيَوْم وَاللَّيْلَة وَالْعرب تَقول زَالَ وأزال بِمَعْنى فَيَقُول زَالَ الله زَوَالهَا وَحدث الزبيدِيّ أَيْضا قَالَ وَقَالَ الْمَازِني وَحَضَرت يَوْمًا أَيْضا عِنْد الواثق فَقَالَ يَا مازني هَات مَسْأَلَة وَكَانَ عِنْده نحاة الْكُوفَة فَقلت مَا تَقولُونَ فِي)

قَوْله تَعَالَى وَمَا كَانَت أمك بغياً لمَ لم يقل بغيةً وَهِي صفة لمؤنث فَأَجَابُوا بجوابات غير مرضية فَقَالَ الواثق هَات مَا عنْدك فَقلت لَو كَانَت بغي على تَقْدِير فعيل بِمَعْنى فاعلة لحقتها الْهَاء مثل كَرِيمَة وظريفة وَإِنَّمَا تحذف الْهَاء إِذا كَانَت فِي معنى مفعولة نَحْو الْمَرْأَة قَتِيل والكف خضيب وبغي هَهُنَا لَيْسَ بفعيل إِنَّمَا هُوَ فعول وفعول لَا تلْحقهُ الْهَاء فِي وصف التَّأْنِيث نَحْو امْرَأَة شكور وبئر شطون إِذا كَانَت بعيدَة الرشاء وَتَقْدِير بغي بغوي قلبت الْوَاو يَاء ثمَّ أدغمت فِي الْيَاء فَصَارَت يَاء ثَقيلَة نَحْو سيد وميت فَاسْتحْسن الْجَواب وسَاق ياقوت فِي مُعْجم الأدباء للمازني من هَذَا الضَّرْب كثيرا فِي تَرْجَمته والاقتصار على هَذَا أولى وَقَالَ الْمَازِني مَرَرْت ببني عقيل فَإِذا رجل أسود قصير أَعور أبرص أكشف قَائِم على تل سماد وَهُوَ يمْلَأ جواليق مَعَه من ذَلِك السماد وَهُوَ يُغني بِأَعْلَى صَوته

فَإِن تصرمي حبلي وتستكرهي وَصليفمثلك مَوْجُود وَلَا تجدي مثلي

فَقلت صدقت وَالله مَتى تَجِد ويحها مثلك فَقَالَ بَارك الله عَلَيْك وأسمعك خيرا ثمَّ انْدفع ينشد

يَا ربة الْمطرف والخلخالمَا أَنْت من همي وَلَا أشغالي
مثلك مَوْجُودومثلي غالي

وللمازني شعر قَلِيل ذكره المرزباني مِنْهُ

شَيْئَانِ يعجز ذُو الرياضة عَنْهُمَاعقل النِّسَاء وإمرة الصّبيان
أما النِّسَاء فَإِنَّهُنَّ عواهروأخو الصِّبَا يجْرِي بِكُل عنان

وَقَالَ الجماز يهجو الْمَازِني

كادني الْمَازِني عِنْد أبي العباس وَالْفضل مَا علمت كريم
يَا شَبيه النِّسَاء فِي كل فنإِن كيد النِّسَاء كيد عَظِيم
جمع الْمَازِني خمس خِصَاللَيْسَ يقوى بحملهن حَلِيم
هُوَ بالشعر وَالْعرُوض وبالنحووغمز الأيور طب عليم
لَيْسَ ذَنبي إِلَيْك يَا بكر إِلَّاأَن ايري عَلَيْك لَيْسَ يقوم
وكفاني مَا قَالَ يُوسُف فِي ذَاإِن رَبِّي بكيدهن عليم

وَاخْتلف فِي تَارِيخ وَفَاته فَقيل سنة تسع أَو ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَقيل سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ)

وَالله أعلم

النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الْبَاء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.