تجاوز إلى المحتوى

من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

جَرْوَل الحطيئة

جَرْوَل هُوَ الحطيئة الشَّاعِر الْمَشْهُور أَبُو مليكَة ابْن أَوْس بن مَالك من بني عبس لقب بالحطيئة لقُرْبه من الأَرْض فَإِنَّهُ كَانَ قَصِيرا

وَقيل ضرط ضرطة بَين قومه فَقيل مَا هَذَا فَقَالَ إِنَّمَا هِيَ حطأة

وَهُوَ من فحول الشُّعَرَاء وفصحائهم وَكَانَ ذَا شَرّ وسفه وَنسبه متدافع بَين الْقَبَائِل كَانَ ينتمي إِلَى كل وَاحِدَة مِنْهَا إِذا غضب على الْأُخْرَى

وَهُوَ مخضرم أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام فَأسلم ثمَّ ارْتَدَّ وَقَالَ فِي ذَلِك من الطَّوِيل

أَطعْنَا رَسُول الله إِذْ كَانَ بَيْننَافيا لعباد الله مَا لأبي بكر
أيورثها بكرا إِذا مَاتَ بعدهوَتلك لعمر الله قاصمة الظّهْر

وَقَالَ يهجو أمه من الوافر

تنحي فاجلسي عني قَلِيلاأراح الله مِنْك العالمينا
أغربالاً إِذا اسْتوْدعت سراوكانوناً على المتحدثينا
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «جزاك الله شرا من عجوز»

وَالْتمس يَوْمًا إنْسَانا يهجوه فَلم يجد فَضَاقَ عَلَيْهِ ذَلِك فَقَالَ من الطَّوِيل

أَبَت شفتاي الْيَوْم إِلَّا تكلماًبشرٍ فَمَا أَدْرِي لمن أَنا قَائِله
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «أبت شفتاي اليوم إلا تكلما»

وَجعل يدهور هَذَا الْبَيْت فِي حلقه وَلَا يرى إنْسَانا فَاطلع فِي ركي أَو حَوْض فَرَأى وَجهه فَقَالَ

أرى لي وَجها قبح الله خلقهفقبح من وَجه وقبح حامله

وَقدم الْمَدِينَة فِي سنة مُجْدِبَة فَجمع أَشْرَافهَا لَهُ من بَينهم شَيْئا إِلَى أَن تكمل لَهُ أَرْبَعمِائَة دِينَار وَأَعْطوهُ إِيَّاهَا فَإِذا بِهِ يَوْم الْجُمُعَة وَقد اسْتقْبل الإِمَام يُنَادي من يحملني على نَعْلَيْنِ كَفاهُ الله كبة

جَهَنَّم

قَالَ الْأَصْمَعِي كَانَ الحطيئة جشعاً سؤولاً محلفاً دني النَّفس كثير الشَّرّ قَلِيل الْخَيْر بَخِيلًا قَبِيح المنظر رث الْهَيْئَة مغموز النّسَب فَاسد الدّين

وهجا الزبْرِقَان بن بدر بالأبيات السينية الَّتِي مِنْهَا من الْبَسِيط

دع المكارم لَا ترحل لبغيتهاواقعد فَإنَّك أَنْت الطاعم الكاسي
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «والله ما معشر لاموا امرأ جنبا»

فاستدعى عَلَيْهِ الزرقان إِلَى عمر ﵁ فرفعه عمر إِلَيْهِ واستنشده فَقَالَ عمر لحسان أتراه هجاه فَقَالَ نعم وسلح عَلَيْهِ فحبسه عمر وَقيل جعله فِي بئرٍ ثمَّ ألقِي عَلَيْهِ شَيْء فَقَالَ)

من الْبَسِيط

مَاذَا تَقول لأفراخ بِذِي مرخزغب الحواصل لَا مَاء وَلَا شجر
ألقيت كاسبهم فِي قَعْر مظلمةٍفَاغْفِر عَلَيْك سَلام الله يَا عمر
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ»
أَنْت الإِمَام الَّذِي من بعده صَاحبهأَلْقَت إِلَيْك مقاليد النهى الْبشر
لم يؤثروك بِهِ إِذْ قدموك لَهَالَكِن لأَنْفُسِهِمْ كَانَت بك الْأَثر

فَأخْرجهُ وَقَالَ إياك وهجاء النَّاس

فَقَالَ إِذا تَمُوت عيالي جوعا هَذَا مكسبي وَمِنْه معاشي

قَالَ فإياك والمقذع من القَوْل

قَالَ وَمَا المقذع قَالَ أَن تخاير بَين النَّاس فَتَقول فلَان خير من فلَان وَآل فلَان خير من آل فلَان قَالَ فَأَنت وَالله أهجا مني

ثمَّ قَالَ لَوْلَا أَن تكون سبة لَقطعت لِسَانه وَلَكِن اذْهَبْ فَأَنت لَهُ يَا زبرقان

فَألْقى الزبْرِقَان فِي رقبته عِمَامَة فاقتاده بهَا فعارضته غطفان فَقَالَت لَهُ يَا أَبَا شذرة إخْوَتك وَبَنُو عمك فهبه لنا فوهبه لَهُم

وَقيل إِن عمر رَضِي الله لما أطلقهُ اشْترى مِنْهُ أَعْرَاض الْمُسلمين بِثَلَاثَة آلَاف دِرْهَم ليؤكد

قلت لم يخف عَن عمر ﵁ أَن ذَلِك هجو وَلكنه أَرَادَ درا الْحَد بِالشُّبْهَةِ

وَقَالَ العسكري فِي كتاب الْأَوَائِل بَعْدَمَا أورد الأبيات الرائية للحطيئة فَأخْرجهُ عمر وَجلسَ على كرْسِي وَأخذ شفرةً وأوهمه أَنه يُرِيد قطع لِسَانه فَضَجَّ وَقَالَ أَنا وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قد هجوت أبي وَأمي وهجوت نَفسِي وامرأتي فبتسم عمر وَقَالَ مَا الَّذِي قلت قَالَ قلت لأبي وَأمي من الْكَامِل

وَلَقَد رَأَيْتُك فِي النِّسَاء فسؤتنيوَأبي ينيك فساءني فِي الْمجْلس
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «ولقد رأيتك في النساء فسؤتني»

وَقلت فِي امْرَأَتي من الوافر

تنحي واقعدي مني بَعيداأراح الله مِنْك العالمينا
ألم أظهر لَك الْبغضَاء منيوَلَكِن لَا أخالك تعقلينا
أغربالاً إِذا اسْتوْدعت سراوكانوناً على المتحدثينا
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «جزاك الله شرا من عجوز»

وَقلت فِي نَفسِي من الطَّوِيل)

أَبَت شفتاي الْيَوْم إِلَّا تكلماًبِسوء فَلَا أَدْرِي لمن أَنا قَائِله
أرى لي وَجها شوه الله خلقهفقبح من وجهٍ وقبح حامله
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «أبت شفتاي اليوم إلا تكلما»

فَأخذ عمر عَلَيْهِ أَن لَا يهجو أحدا وَجعل لَهُ ثَلَاثَة آلَاف دِرْهَم اشْترى بهَا أَعْرَاض الْمُسلمين

فَقَالَ الحطيئة من الْكَامِل

أخذت أَطْرَاف الْكَلَام فَلم تدعشتماً يضر وَلَا مديحاً ينفع
ومنعتني عرض الْبَخِيل فَلم يخفشتمي وَأصْبح آمنا لَا يجزع

وَلما حضرت الحطيئة الْوَفَاة اجْتمع إِلَيْهِ قومه فَقَالُوا لَهُ يَا أَبَا مليكَة أوص فَقَالَ ويل للشعر من رِوَايَة السوء

فَقَالُوا أوص يَرْحَمك الله يَا حطي فَقَالَ من الَّذِي يَقُول من الطَّوِيل

إِذا أنبض الرامون عَنْهَا ترنمتترنم ثَكْلَى أوجعتها الْجَنَائِز
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «عفا بطن قو من سليمى فعالز»

قَالُوا الشماخ

قَالَ أبلغوا غطفان أَنه اشعر الْعَرَب

فَقَالُوا لَهُ وَيحك أوص بِمَا ينفعك فَقَالَ أبلغوا أهل ضابىء أَنه شَاعِر حَيْثُ يَقُول من الطَّوِيل

لكل جديدٍ لَذَّة غير أننيوجدت جَدِيد الْمَوْت غير لذيذ

فَقَالُوا أوص وَيحك بِمَا ينفعك قَالَ أبلغوا امْرأ الْقَيْس أَنه أشعر الْعَرَب حَيْثُ يَقُول من الطَّوِيل

فيا لَك من ليلٍ كَأَن نجومهبِكُل مغار الفتل شدت بيذبل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

فَقَالُوا إتق الله ودع عَنْك

قَالَ أبلغوا الْأَنْصَار أَن شَاعِرهمْ اشعر الْعَرَب حَيْثُ يَقُول من الْكَامِل

يغشون حَتَّى مَا تهر كلابهملَا يسْأَلُون عَن السوَاد الْمقبل
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أسألت رسم الدار أم لم تسأل»

فَقَالُوا إِن هَذَا لايغني عَنْك شَيْئا فَقل غير مَا أَنْت فِيهِ فَقَالَ من الرجز

الشّعْر صَعب وطويل سلمهإِذا ارْتقى فِيهِ الَّذِي لايعلمه
للشاعر الآثاري، اقرأ القصيدة
زلت بِهِ إِلَى الحضيض قدمهيُرِيد أَن يعربه فيعجمه
للشاعر الآثاري، اقرأ القصيدة

قَالُوا هَذَا مثل الَّذِي كنت فِيهِ فَقَالَ من الرجز

قد كنت أَحْيَانًا شَدِيد الْمُعْتَمدوَكنت ذَا غربٍ على الْخصم أَلد

)

فوردت نَفسِي وَمَا كَادَت ترد

قَالُوا يَا أَبَا مليكَة أَلَك حَاجَة قَالَ لَا وَالله وَلَكِن أجزع على المديح الْجيد يمدح بِهِ من لَيْسَ لَهُ أَهلا

قَالُوا فَمن اشعر النَّاس فَأَوْمأ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ وَقَالَ هَذَا الجحير إِذا طمع فِي خير واستعبر باكياً

فَقَالُوا لَهُ قل لَا إِلَه إِلَّا الله فَقَالَ من الرجز

(

قَالَت وفيهَا حيرة وذعرعوذ بربي مِنْكُم وَحجر

قَالُوا لَهُ مَا تَقول فِي عبيدك وإمائك فَقَالَ هم عبيد قن مَا عاقب اللَّيْل النَّهَار

قَالُوا فأوص للْفُقَرَاء بِشَيْء قَالَ الإلحاح فِي الْمَسْأَلَة فَإِنَّهَا تِجَارَة لَا تبور وآست المسؤول أضيق

قَالُوا فَمَا تَقول فِي مَالك قَالَ للْأُنْثَى من وَلَدي مثل حَظّ الذّكر

قَالُوا لَيْسَ هَكَذَا قضى الله ﷿

قَالَ لكني هَكَذَا قضيت

قَالُوا فَمَا توصي لِلْيَتَامَى قَالَ كلوا أَمْوَالهم ونيكو أمهاتهم قَالُوا فَهَل شَيْء تعهد فِيهِ غير هَذَا قَالَ نعم تحملوني على أتان وتتركوني راكبها حَتَّى أَمُوت فَإِن الْكَرِيم لَا يَمُوت على فرَاشه والأتان مركب لم يمت عَلَيْهِ كريم فَحَمَلُوهُ على أتان وَجعلُوا يذهبون بِهِ ويجيئون حَتَّى مَاتَ وَهُوَ يَقُول من الرجز

لَا أحد ألأم من حطيههجا بنيه وهجا المريه

من لؤمه مَاتَ على قريه الْقرْيَة الأتان

وَقَالَ أَبُو حَاتِم بخلاء الْعَرَب أَرْبَعَة الحطيئة وَحميد الأرقط وَأَبُو الْأسود الثَّلَاثَة لِلْهِجْرَةِ

النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الْجِيم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.