من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
ابْن وَكِيع التنيسِي
ماذا روى «الوافي بالوفيات» عن ابن وكيع التنيسي؟
الْحسن بن عَليّ بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن خلف أَبُو مُحَمَّد الضَّبِّيّ التنيسِي الْمَعْرُوف بِابْن وَكِيع الشَّاعِر أَصله من بَغْدَاد ومولده بتنيس
لَهُ كتاب الْمنصف بَين فِيهِ سرقات المتنبي
قَالَ ابْن رَشِيق فِي كتاب أبكار الأفكار وَهُوَ أجور من سدوم
قلت لِأَنَّهُ تحامل فِيهِ على أبي الطّيب كثيرا وَهُوَ خلاف التَّسْمِيَة إِلَّا أَنه دلّ على أَنه كَانَ لَهُ)
اطلَاع عَظِيم إِلَى الْغَايَة وَلم يرض لَهُ بِالسَّرقَةِ من شَاعِر وَاحِد حَتَّى يعد الْجُمْلَة من الشُّعَرَاء ذَلِك الْمَعْنى الْمَسْرُوق
وَكَانَ فِي لِسَانه عجمة وَيُقَال لَهُ الْعَاطِس وَتُوفِّي بعلة الفالج سنة ثَلَاث وَتِسْعين وثلاثمائة
قَالَ الْحَافِظ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ الصُّورِي حَدثنِي أَبُو مَنْصُور الْحلَبِي كَانَ ابْن وَكِيع هَذَا
سمساراً فِي بَلَده متأدباً ظريفاً سَأَلَني أَن أخرج مَعَه إِلَى تَوْبَة لنشرب فَخرجت مَعَه واستصحبت مغنياً يعرف بِابْن ديار رطوب وَألقى إِلَيْهِ أَن لَا يُغني إِلَّا بِشعرِهِ فغنى من مجزوء الْكَامِل
لَو كَانَ كل عليلٍيزْدَاد مثلك حسنا
لَكَانَ كل عليلٍيود لَو كَانَ مضنى
يَا أكمل النَّاس حسناصل أكمل النَّاس حزنا
غيبت عني وَمَالِيوجهٌ بِهِ عَنْك أغْنى
وَكَانَ قد صنف كتاب سرقات المتنبي وحاف عَلَيْهِ وعذلته فَلم يرجع قلت هَل تثقل عَلَيْك الْمُوَافقَة قَالَ لَا قلت أبياتك مَأْخُوذَة الأول من وَاحِد وَالثَّانِي من آخر فَالْأول من قَوْله من الوافر
فَلَو كَانَ الْمَرِيض يزِيد حسناكَمَا تزداد أَنْت على السقام
لما عيد الْمَرِيض إِذا وعدتشكايته من النعم الْعِظَام
وَالثَّانِي من قَول رؤبة من الرجز
مُسلم مَا أنساك مَا حييتلَو أشْرب السلوان مَا سليت
مَا لي غنى عَنْك وَإِن غنيت فَقَالَ وَالله مَا سَمِعت بِهَذَا فَقلت فَإِذا كَانَ الْأَمر على هَذَا فَاعْتَذر بِمثلِهِ للمتنبي
وَمن شعر ابْن وَكِيع من الْخَفِيف
قلت للمعرض الَّذِي صد عنيدم على الهجر واجتهد فِي بعادك
نَاب طيف الخيال لي عَنْك بالوصل فأغنى وداده عَن ودادك
قَالَ مَا زارك الخيال لبرٍّأَنا أَرْسلتهُ لطرد رقادك
وَمِنْه من المتقارب)
لَهُ مضحك برقه خاطفٌعقول الرِّجَال إِذا مَا ابتسم
أَقُول لَهُ إِذْ بدا درهشَهِيدا لناظمه بالحكم
أرى الدّرّ يثقبه الناظمونوَمَا ثقبوا ذَا فَكيف انتظم
وَمِنْه من السَّرِيع
حاسبني الدَّهْر على مَا مضىبدل فرحاتي بترحات
فليته جازى بِمَا نلتهلكنه أَضْعَف مَرَّات
وَمِنْه من الطَّوِيل
ونحرٍ كَأَن الله للثم صاغهوَبَعض نحور النَّاس يصلح للنحر
وَمن شعره من الْكَامِل
إِن كَانَ قد بعد المزار فودُّناباقٍ وَنحن على النَّوَى أحباب
كم قاطعٍ للوصل يُؤمن ودهومواصل بوداده يرتاب
ذكرت هُنَا مَا كتب بِهِ السراج الْوراق إِلَى الرشيد المارديني وَقد بعث إِلَيْهِ تَمرا رديئاً ضمن قدور من الْكَامِل
يَا من غَدا لي وَاضِعا بقدورهقدرا لَهُ فَوق السَّمَاء قباب
جَاءَت بأنواع النَّوَى فمجاببٌأدماً وعارٍ مَا لَهُ جِلْبَاب
وعَلى النقير لتمرها أثرٌ عَفافهدى إِلَيْهِ الحائرين ذُبَاب
أرجيع مَا لاك الْحجاز بعثتهوالرزق سد فَمَا لَدَيْهِ بَاب
أم خلت زجاجاً أَخَاك ومصر منشُؤْم النَّوَى قفر الرحاب يباب
وَإِذا تَبَاعَدت الجسوم فودنابَاقٍ وَنحن على النَّوَى أحباب
وَلابْن وَكِيع الْمَذْكُور من السَّرِيع
أبصره عاذلي عَلَيْهِوَلم يكن قبلهَا رَآهُ
فَقَالَ لي لَو هويت هَذَامَا لامك النَّاس فِي هَوَاهُ
قل لي إِلَى من عدلت عَنهُفَلَيْسَ أهل الْهوى سواهُ
فظل من حَيْثُ لَيْسَ يدْرِييَأْمر بالحب من نَهَاهُ
قَالَ القَاضِي شمس الدّين أَحْمد بن خلكان كنت أنْشد هَذِه الأبيات لصاحبنا الْفَقِيه شهَاب الدّين)
مُحَمَّد بن عبد الْمُنعم الْمَعْرُوف بِابْن الخيمي فأنشدني لنَفسِهِ فِي الْمَعْنى من الرمل
لَو رأى وَجه حَبِيبِي عاذليلتفاصلنا على وجهٍ مليح
وَمن شعر ابْن وَكِيع من المتقارب
لقد قنعت همتي بالخمولوصدت عَن الرتب العاليه
وَمَا جهلت طعم طيب الْعلَاوَلكنهَا تطلب العافيه
وَمِنْه من الوافر
ملا عَن حبك الْقلب المشوقفَمَا يصبو إِلَيْك وَلَا يتوق
جفاؤك كَانَ عَنْك لنا عزاءًوَقد يسلي عَن الْوَلَد العقوق
وَمِنْه من مخلع الْبَسِيط
أما ترى أنجم الدياجيتزهر فِي جوها النقي
تحكي لنا لؤلؤاً نثيراًعلى بساطٍ بنفسجي
وَمِنْه من المتقارب
وَقد شاكلت فِي أَدِيم السمانُجُوم الثريا للحظ الْمقل
دَنَانِير أعطتكها راحةٌسَواد الخضاب بهَا قد نصل
وَمِنْه قَوْله من الطَّوِيل
أَلا سقنيها والثريا كَأَنَّمَاكواكبها فِي جوها غُصْن مشمش
وَمِنْه من المتقارب
غَدِير تدرج أمواجههبوب الرِّيَاح وَمر الصِّبَا
إِذا الشَّمْس من فَوْقه أشرقتتوهمته زرداً مذهبا
وَمِنْه من الطَّوِيل
أَلَسْت ترى وشي الرياض المنمنماوَمَا رصع الربعِي فِيهِ ونظما
وَقد حكت الأَرْض السَّمَاء بنورهافَلم أدر فِي التَّشْبِيه أَيهمَا السما
فخضرتها كالجو فِي حسن لَونهونوارها يَحْكِي لعينيك أنجما
وَمِنْه فِي زهر الْكَتَّان والسلجم من المنسرح
وهز كتانه ذوائبهفَفِيهِ جهد الصِّفَات تَقْصِير
)
كَأَنَّهُ بسط سندس بهجٍقد نثرت فَوْقه دَنَانِير
وطلعٍ هتكنا عَنهُ جيب قَمِيصهفيا حسنه من منظرٍ حِين هتكا
حكى صدر خودٍ من بني الرّوم هزهاسماعٌ فشقت عَنهُ ثوبا مفركا
وَابْن وَكِيع هُوَ نَافِلَة مُحَمَّد بن خلف الضَّبِّيّ القَاضِي الْبَغْدَادِيّ وَقد تقدم ذكره فِي المحمدين
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع