من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
الشّريف شهَاب الدّين
الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن زيد بن الْحُسَيْن بن مظفّر بن عَليّ بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عبد الله العوكلانيّ ابْن مُوسَى الكاظم بن الإِمَام جَعْفَر الصَّادِق بن الإِمَام مُحَمَّد الباقر بن الإِمَام عَليّ زين العابدين بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب ﵃ القَاضِي السَّيِّد الإِمَام الْفَاضِل الْكَاتِب شهَاب الدّين أَبُو عبد الله الْحُسَيْنِي الْمَعْرُوف بِابْن قَاضِي الْعَسْكَر بَاشر كِتَابَة الْإِنْشَاء بِبَاب السُّلْطَان الْملك النَّاصِر وَله عشرُون حولا وخطب بالسلطان فِي جَامع القلعة خطْبَة وَاحِدَة وحجَّ إِلَى بَيت الله الْحَرَام وَتوجه مَعَ بشتاك إِلَى قطيا صُحْبَة الْعَسْكَر لما خرج للقبض على الْأَمِير سيف الدّين تنكز وَعَاد إِلَى الْقَاهِرَة وتوحّه صُحْبَة القَاضِي عَلَاء الدّين بن فضل الله إِلَى الكرك لّما توجّه صُحْبَة الْملك النَّاصِر أَحْمد وَأقَام بهَا إِلَى أَن عَاد الْجَمَاعَة ثمَّ رسم لَهُ بالتوقيع فِي الدَّست وقدَّام النَّائِب ثمَّ رسم لَهُ بالتوقيع قدّام السُّلْطَان الْملك الْكَامِل شعْبَان بن النَّاصِر فِي سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَسبع مائةٍ عِنْد خُرُوج القَاضِي تَاج الدّين مُحَمَّد بن الزين خضر إِلَى كِتَابَة سرّ الشَّام اجْتمعت بِهِ غير مرةٍ وكاتبته وكاتبني وأنشدني كثيرا من نظمه ونثره ورأيته يكْتب وينشىء وينشد وَهَذَا غَرِيب وَسَأَلته عَن مولده فَقَالَ سنة ثمانٍ وَتِسْعين وستّ مائةٍ بِالْقَاهِرَةِ فِي دَار جده شمس الدّين قَاضِي الْعَسْكَر فِي سويقة الصاحب قَالَ وتوجهت إِلَى مَكَّة صُحْبَة وَالِدي سنة)
إِحْدَى وَسبع مائةٍ واستجاز لي من جمَاعَة وَأَجَازَ لي الشَّيْخ تفيّ الدّين بن دَقِيق الْعِيد جَمِيع مَا يجوز لَهُ رِوَايَته وَأَجَازَ لي الشَّيْخ شرف الدّين الدمياطي وَالشَّيْخ شهَاب الدّين أَحْمد بن إِسْحَق بن مُحَمَّد بن الْمُؤَيد الأبرقوهي وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبع مائةٍ سَمِعت صَحِيح مُسلم وَفِي سنة أَربع عشرَة نظمت الشّعْر وَنَثَرت وأكملت التَّنْبِيه حفظا وبحثته وَفِي هَذِه السّنة اجْتمعت بقاضي الْقُضَاة بدر الدّين بن جمَاعَة وَأَجَازَ لي وَاجْتمعت بالشيخ عَلَاء الدّين القونوي وَحَضَرت دروسهما وفيهَا باشرت الْإِعَادَة بمدرستي الإِمَام السَّيِّد الْحُسَيْن ومدرسة الْأَمِير فَخر الدّين عُثْمَان عِنْد ابْن المرحَّل زين الدّين وأقضى الْقُضَاة نجم الدّين الْقَمُولِيّ وَفِي هَذِه السّنة خطبت بِجَامِع أبي الْجد القَاضِي محيي الدّين عبد الله بن عبد الظَّاهِر وَفِي أَوَائِل سنة خمس عشرَة وَسبع مائَة كنت أنشأت خطباً وخطبت بِبَعْضِهَا وَفِي سنة ستّ عشرَة سَمِعت على الشيخة المعمَّرة زَيْنَب ابْنة أَحْمد الْمَقْدِسِي بِقِرَاءَة ابْن سيِّد النَّاس وَفِي سنة عشْرين تَوَجَّهت إِلَى مَكَّة لأَدَاء فَرِيضَة الحجّ وَاجْتمعت بقاضيها نجم الدّين وخطيبها بهاء الدّين الطبريَّين وَفِي سنة ثلاثٍ وَعشْرين توجَّهت إِلَى مَكَّة متطوَّعاً ونظمت بِمَنْزِلَة رابغ من مجزوء الْكَامِل
لله لطفٌ سابغٌشكرا فهذي رابغ
بلِّغتموا مَا ترتجونفَفِي المحامد بالغوا
وأنشدني فِي لَفظه لنَفسِهِ قصيدتيه اللّتين مدح بهما رَسُول الله ﷺ من أوّلهما إِلَى آخرهما وَأول الأولى من الْبسط
بَانَتْ لعينيَّ أعلامٌ هِيَ السُّولومعهدٌ برَسُول الله مأهول
وَأول الثَّانِيَة وَهِي مائَة وَتسْعُونَ بَيْتا من الْبسط
يَا حبَّذا طللٌ بالدّمع مطلولخلا وقلبي بِمن حلُّوه مأهول
وأنشدني من لَفظه لنَفسِهِ من الطَّوِيل
هِيَ البانة الهيفاء تخطر أَو تخطوأَو الظّبية الوطفاء تنظر أَو تعطو
بل الشَّمْس والجوزا وشاحٌ وقلبهاهلالٌ وَمن نجم الثُّريا لَهَا قرط
إِذا اهتزّ ذَاك القدُّ وارتجَّ ردفهافيا حبَّذا تِلْكَ الأراكة والسِّقط
من الغيد تَغْدُو بالقلوب أسيرةًوتحكم منّا فِي الْقُلُوب فتشتطُّ
إِذا ذلَّ مضناها تتيه تدلُّلاًوَإِن جدّ بالصَّبِّ الْهوى فلهَا بسط
)
وَفِي شرعها أنَّ الْوِصَال محرّمٌوأنَّ الجفا والصَّدَّ فِي حبّها شَرط
سبتني غَدَاة الْبَين حِين ترحَّلتوأومت بتوديعي أناملها السُّبط
وأبدت دنوّاً والبعاد وَرَاءهوربَّ رضى قد طَال من بعده السُّخط
فَمَا روضةٌ صفَّت نمارق زهرهاوَمن سندسيَّات الرّبيع لَهَا بسط
بأبهى واذكى من سناها وَعرفهَاوَمِمَّا حوت تِلْكَ المطارف والنُّمط
وَلما سرت ذَاك الخليط تبادرتمدامع طرفٍ بالدّماء لَهَا خلط
حكت أدمعي لون الجمان بجيدهاوَلَكِن لذا نظمٌ وَهَذَا لَهُ فرط
بروحي الَّتِي فِي الْقرب شحَّت بنظرةٍوَبَات ضجيعي طيفها والمدى شحط
رأى نَار أشواقي فَلم يخط موضعيوزار كلمحٍ والصَّباح لَهُ وَخط
وَلَو كنت أَدْرِي أَن يلمّ خيالهافرشت لَهُ خدِّي وَمن لي بِأَن يخطو
وَمَا بَرحت تشتطُّ والشَّمل جامعٌفَلم سمحت بالوصل والحيُّ قد شطُّوا
خليليَّ قد نمَّت بوجدي عبرتيفَلَا تعذلاني واعذرا فالأسى فرط
فَإِن أخفه فالزَّند بوجدي عبرتيوَإِن أبده قهرا فقد يظْهر السّقط
فكم ذَا أَشْيَم الْبَرْق من أَيمن الغضادجى أَو تبدّى لي ذوائبه الشُّمط
وحتّام أرعى أنجم اللِّيل ساهراًكأنَّ لعلياء الجفون بهَا ربط
تفرَّق مِنْهَا شملها وترجَّلتوبالغرب قد أضحى لأرجلها حطُّ
حكتني وأحبابي افتراقاً وألفةًفمني لَهَا رحمى ومني لَهَا غبط
كأنَّ بآفاق السَّمَاء قلائداًوَفِي كل قطرٍ من كواكبها سمط
كأنَّ صغَار الشُّهب بَين كِبَارهَاسطورٌ من البلَّور زينها النفط
كأنّ مُرُور السُّحب فَوق نجومهارياض أقاحٍ مرَّ من فَوْقهَا مرط
كأنّ رَقِيق الْغَيْم يحجب نورهاخمارٌ على حسناء يَبْدُو وينحطُّ
كأنّ كمون الْبَرْق ثمَّ ظُهُورهبنانٌ خضيبٌ شانه الْقَبْض والبسط
كأنّ الدجا والزهر فرع مكلللَهُ الْفجْر فرقٌ والثريا لَهُ مشط
كأنّ نُجُوم الْأُفق وَالصُّبْح لائحٌأزاهر فِي نهرٍ تلوح وتنعطُّ
كأنّ يَد الإمساء تنثر لؤلؤاًوَتَأْتِي يَد الإصباح من دأبها اللَّقط
)
كأنَّ انهمال الْغَيْث والبرق مضرمٌأيادي عليٍّ حِين يسمح أَو يَسْطُو
غياث الورى المدعوّ إِن جلَّ حادثٌوغيث الورى المرجوّ إِن شَمل الْقَحْط
وأنشدني من لَفظه لنَفسِهِ من مجزوء الرمل حكم الرازق بالرزق فَمَا هَذَا التهافت
لم يقل من كدَّ وافهوَلمن عَنْك التهى فت
وَكتب إِلَى العلَاّمة شهَاب الدّين أبي الثَّنَاء مَحْمُود رَحمَه الله تَعَالَى من الْقَاهِرَة يقبّل الأَرْض لَا أبعد الله عَن الرُّوّاد ساحتها وَلَا أفقد الورّاد سماحتها وَلَا زَالَت محوطةً بعناية الله فِي ظعنها وإقامتها منوطةً بامتداد النِّعم وإدامتها مَرْفُوعَة إِلَى غايةٍ يقصر النَّجْم أَن يساميها وتضحي الشَّمْس دون وساميها وَلَا بَرحت رحال الرجاءتحطّ برحابها وجنائب الثَّنَاء تحثّ إِلَى جنابها ونتائج الْأَلْبَاب تهدي لبابها وَيُنْهِي شوقه الَّذِي تكَاد حَصَاة الْقلب مِنْهُ تذوب إِلَى لثم تِلْكَ الْيَد الَّتِي تعلم مِنْهَا الْغَيْث كَيفَ يصوب والأنعم الَّتِي وسمت بهَا مغناي وَهُوَ جديب والمكارم الَّتِي تجفّ ضروع المزن وَهِي حَلُوب حَيْثُ وضوح محجَّة الحجى واتساع أرجاء الرجا ومهب رخاء الرخا وانتظام سَحَاب السخاء إِذْ ظلال الْآدَاب وارفة وشمس الأفضال طالعة لَيست بكاسفة فرعى الله وحيَّ وَسَقَى وصان وَحمى وَوقى وَلَا عدمت أندية الْآدَاب أنداء ذَلِك السَّحَاب وَلَا غَابَ عَن غَابَ الأقلام بَأْس ذَلِك الضِّرغام مَا شوق العليل إِلَى الشِّفا والحجيج إِلَى الصَّفا والمشرد إِلَى الوطن والمسهَّد إِلَى الوسن والظمآن إِلَى المَاء والحرث إِلَى أَسمَاء بِأَكْثَرَ كلفاً وَلَا أَشد شغفاً من الْمَمْلُوك إِلَى اقتباس تِلْكَ الْفَوَائِد والتماس تِلْكَ الفرائد قرَّب الله مغناها مَا أسناها وَلَا أبعد مسراها فَمَا أسراها إِنَّهَا العقائل الشَّرِيفَة بشرف الْقَائِل وَلها من نَفسهَا طرب كَمَا فِي ابْنة الْعِنَب من الْخَفِيف لَا تخافي إِن غبت أَن نتناساك وَلَا إِن واصلتنا أَن نملاّ إِن تغيبي عَنَّا فسقيا ورعياأو تلمِّي بِنَا فأهلاً وسهلا أَيهَا السَّيِّد وَمَا خلت الْبِقَاع وَالْإِمَام الَّذِي انْعَقَد على فَضله الْإِجْمَاع والماجد الَّذِي محامده ملْء الْأَبْصَار والأفواه والأسماع صفحاً عَن قريحةٍ مَا أَوْمَضْت حَتَّى خبت وَلَا مَضَت حَتَّى كبت وَلَا مَضَت حَتَّى نبت وَلَا امتدّ لَهَا ظلّ الْعَيْش حَتَّى تقلّص وَلَا سَاغَ لَهَا ورده حَتَّى غصّص وتنغَّص وَلَا أطلّ سحابه حَتَّى أقلع وَلَا أظلّ حَتَّى تقشَّع وَلَا سلَّم بنان بَيَانهَا حَتَّى
ودَّع كرَّت)
عَلَيْهَا الكروب وتخطَّت إِلَيْهَا الخطوب وتوالت عَلَيْهَا الهموم فَلم تدع لَهَا همَّه ورمتها الْحَوَادِث بِكُل ملمّة تسوِّد الْقلب وتبيِّض اللِّمَّة فَلَا غرو إِن أَصبَحت كليلةً من الأفراح ودمنةً من الأتراح تدعى وَلَا تجيب وَمَا ذَاك بعجيب إِن شَاءَ الْمَمْلُوك مِنْهَا إنْشَاء أَبَت إِلَى إباءً وَقَالَ النجَاة النجَاة فبضاعتك مزجاة عدِّ عَن هَذَا السَّبِيل لست من هَذَا الْقَبِيل فَقلت لما أَعْطَتْ منعهَا وَأَكْثَرت ردَّها وردعها لَا يكلِّف الله نفسا إِلَّا وسعهَا إِن الْهَدَايَا على مِقْدَار مهديها وَلما شجع الْمَمْلُوك نَفسه بِهَذِهِ الْمقَالة شفع هَذِه الرسَالَة بأبياتٍ تباريها فِي الثَّنَاء وتجاريها فِي حلبة الدُّعَاء وأقدم على هَذَا الْعرض الْأَدْنَى على ذَلِك الْجَوْهَر الْأَسْنَى وقابل ذَلِك الْمقَام بِهَذَا الْمقَال بعد أَن استقال وَقَالَ من الطَّوِيل
سلا قلبه إِن كَانَ عَن حبكم سلاوَهل مَال يَوْمًا عَن هوى ذَلِك الملا
وَهل زَالَ من بعد البعاد ودادهوَهل حَال عَن تِلْكَ المعاطف والحلا
سقى الله أَيَّام الْوِصَال وعيشنارَقِيق الْحَوَاشِي لَا ينغَّص بالقلى
لياليَّ روض الْجزع فيهنَّ مَا ذوىومعهد ليلى الأخيلية مَا خلا
سحبت بهَا ذيل المسرَّة والصِّباوحالفت لذِّاتٍ وخالفت عذَّلا
لقد طَال ليلِي بعدهنَّ كَأَنَّهُبسود فروع الغانيات توصَّلا
فكم كلفٍ مثلي بمنعرج اللِّوىتكلّف أثقال الْهوى وتحمَّلا
لَهُ مقلةٌ عبرى تجود بِمَائِهَاوقلبٌ من الْبَين المجدِّ تجدَّلا
مَا كلُّ جفنٍ مثل جفني مسهَّدوَلَا كلُّ قلبٍ مثل قلبِي مبتلى
مِنْهَا
ولّما وقفنا بالمطايا عشيَّةًعلى الطلل الْبَالِي وَقُلْنَا لَهُ الا
أذنَّنا لأخلاف الدُّمُوع فأحلفتوفاضت إِلَى أَن انبت العشب والكلا
مِنْهَا
وعاذلةٍ فِي سوء حظي جَهَالَةوَلَا ذَنْب لي فِي سوء حظي لتعذلا
وَلَو يصلح الْإِنْسَان بالجدِّ حظَّهلأوسعت فِي إصْلَاح حَالي التَّحيُّلا
وقائلةٍ قد جلَّ منصب جلَّقٍفَقلت لَهَا مَا ذَاك بدعٌ وَكَيف لَا
ومحمود ذُو الْجُود ابْن سلمَان حلَّهافحلَّى من الْآدَاب مَا قد تعطَّلا
)
أعزُّ الوى جاراً وأنفع نائلاًوَأكْثر إفضالاً وأعذب منهلا
وأوفاهم عهدا وأقربهم ندىًوأطوعهم باعاً وأفصح مقولا
هُوَ الْبَدْر خلقا والنسيم خلائقاًهوالبحر كفا والجداول أنملا
فوبل الحيا من ذَلِك الكفِّ يجتدىوشمس الضُّحى من ذَلِك الْوَجْه تجتلى
محّياً وسيمٌ وَالْوُجُوه عوابسٌوكفٌّ بإثراء العديم تكفَّلا
فَإِن حلَّ جدبٌ كَانَ كنزاً ومزنةًوَإِن جلَّ خطبٌ كَانَ حرْزا ومعقلا
مِنْهَا
أَتَاك قريضي قد تلَّفع بالحياوأمَّك للاغضاء مِنْك مؤمِّلا
وماهو إِلَّا قَول تلميذك الَّذِيروى خبر الإبداع عَنْك مسلسلا
غَدا العفاة الْعَصْر مغنىً ومغنياًوَأصْبح للراجين مولى وموئلا
فَإِن كَانَ ذَا عيبٍ فَلَنْ تضمن الْهدىوَإِن كَانَ ذَا حسنٍ فعنك تأصَّلا
وَهِي تِسْعَة وَسِتُّونَ بَيْتا وَكلهَا جيد فَكتب جَوَابه رَحمَه الله تَعَالَى يقبل الباسطة لَا زَالَت قضب أقلامها بالمعاني مثمرة وليالي أنفاسها بالأماني مُقْمِرَة وأنواء فضائلها بِمَاء النعماء ممطرة من الْبَسِيط
حَتَّى يرى كلُّ طرسٍ من أناملهاروضاً تقَابل فِي أَثْنَائِهِ الثَّمر
وللمعاني على أنفاسه لمعٌكاللّيل أشرق فِي أرجائه الْقَمَر
فَهِيَ الْيَد الَّتِي شرِّف مقبِّلها وتغني مؤمِّلها وتباري الْغَيْث فيبين فَضلهَا عَلَيْهِ وتجاري الْبَحْر الَّذِي يهدي الدّرّ فيودُّ لَو أَهْدَت درَّها إِلَيْهِ من الْبَسِيط
يدٌ عهدتك للتقبيل تبسطهافتستقلُّ الثُّريَّا أَن تكون فَمَا
تقبيلاً يواليه حَتَّى يكَاد يثبت فِيهِ قبله ويتابعه إِلَى أَن تروى مِنْهَا غلله فَهُوَ لَا يُطيق عَن وردهَا صَدرا وَلَا يتعوَّض من عين معينها أثرا
من الْبَسِيط
وَلَا يملُّ وروداً من مناهلهاإِلَّا إِذا ملَّ طرف النَّاظر النَّظرا
وَينْهى وُرُود المشرَّفة الْكَرِيمَة بل دِيمَة الْفضل المربي دوامها على كل دِيمَة فقبَّل مِنْهَا مواقع كرمه وقابل مِنْهَا مطالع نعمه فشاهد بهَا أفق فضلٍ كلما أفل نجم أطلع بَدْرًا ووقف مِنْهَا)
على بَحر علمٍ كلما أبرز لؤلؤاً رطبا قذف بعده درا فتحير كَيفَ يتَخَيَّر وتململ حِين تأمّل
وَقَالَ مَا طَائِر هَذَا الْبَيَان مِمَّا يلج أوكار الأفكار وَلَا در هَذَا الانسجام مِمَّا ينظم فِي سخاب السّحاب إِن هَذَا إلاّ سحر وَلكنه حَلَال وَمَا هَذِه الْموَاد إِلَى بَحر وَلكنه العذب الزُّلال ثمَّ ثاب ذهنه فَقَالَ بل هَذَا لفظ من أُوتِيَ ملك البراعة وخطب بفضله على مَنَابِر الأنامل فِي شعار السوَاد خطيب البراعة فسيفه قلمه وجنده كَلمه وذخائره الْمعَانِي الَّتِي تنمى على الْإِنْفَاق وسراياه شوارد الْأَمْثَال الَّتِي تسري بهَا رفاق الْآفَاق وَعلم الْمُلُوك مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ هَذَا الْكتاب من إحسانٍ عميمٍ وفضلٍ صدر عَن كرم أصلٍ وشرفٍ جسيمٍ وودٍّ مثله من يرعاه وَلَا يرْعَى الودّ الْقَدِيم إِلَى الْكَرِيم وفضلٍ مَا وصف إِلَّا نَفسه فَإِنَّهُ لَا يُشَارك فِي الْفضل الجسيم فَشكر الْمَمْلُوك وَأثْنى وقبَّل فرائد سطوره مثنى مثنى وعوَّذ محَاسِن مهديه بأسماء الله الْحسنى وَقَالَ
إِن قبل هَذَا الدرّ فالدرّ دونه وَلكنه زهر الدراري بل اسنى وقرَّظ ذَلِك الْفضل الراسخ والبديع الَّذِي إِذا تعاطاه فَهُوَ الْمُبْدع وَإِن تعاطاه غَيره فَإِنَّهُ النَّاسِخ وكلّف فكره الْإِجَابَة فاستقال
وعاوده فَمَا زَاد على أَن قَالَ كنت تقدر على هَذَا والبديهة مطاوعة والقريحة مسارعة والخاطر نقّاد والفكر منقاد والمواد مجتمعة والمسالك متّسعة والشباب جَامع لهَذِهِ الْأَسْبَاب والفراغ رادع عَن الإحجام عَن اقتحام هَذَا الْبَاب فأمّا الْآن فخاطرك مكدود وَبَاب نشاطك مسدود وعوارض الْكبر رادعة وهواجس الْفِكر فِي أَمر معادك صادَّة صادعة فَعلم الْمَمْلُوك صدق هَذَا الْجَواب وَكَاد يُوَافق الخاطر على التوجّه صوب هَذَا الصَّوْت وَلَكِن خشِي أَن ينْسب إِلَى إهمال حقِّ سيّده وَمن يَرْجُو بركَة سلفه ليومه وغده فسطَّرها الْمَمْلُوك معتذرةً عَن قصوره مقترنةً بنظمٍ تتطاول بيوته إِلَى مَنَارَة قصوره من الطَّوِيل
فَمَا هُوَ من أكفاء أبياتك الَّتِيسررت بهَا سرِّي وأعليت لي قدري
وشتَّان مَا بَين الثريا إِلَى الثرىوَأَيْنَ السُّهى من طلعة الْقَمَر الْبَدْر
وَهِي من الطَّوِيل
ذكرت وَلم أنس الزَّمَان الَّذِي خلافَعَاد غرامي مِثْلَمَا كَانَ أوَّلا
وعاودني ذكرى حبيبٍ ومنزلٍفَوَافَقت من يبكي حبيباً ومنزلا
أحنُّ وَمَا يجدي الحنين وَبَين منأحبُّ وبيني الضَّعف والسِّنُّ والفلا
إِذا نهضت بِي همَّة الشَّوق أقعدتعوائق أدناهنَّ يذبلن يذبلا
)
فواهاً لأيام الشَّبَاب الَّتِي مَضَتوأبقت حنيناً بعْدهَا مَا انْقَضى وَلَا
وَللَّه عيشٌ مرَّ فِي مصر لم يرقلنَفْسي عيشٌ مذ تقضَّى وَلَا حلا
وإخوان صدقٍ كنت مِنْهُم مجاوراًشموس الْهدى سحب النَّدى شهب الْعلَا
علوا شرفاً سادوا نهى كرموا ندىًزكوا سلفا طالوا علا كملوا حلا
وعهدي بهم لَا أبعد الله عَهدهميداوون دَاء الْخطب أعيى وأعضلا
يفون بحقِّ الْجَار والدهر غادرٌويسخون إِذْ يلفى الْغَمَام مبخَّلا
ويسري إِلَى عافيهم نشر جودهمفيهدي إِلَيْهِم من أَتَاهُم مؤمِّلا
إِذا ذكرُوا فِي مجلسٍ خلت ذكرهمبأرجائه مسكاً ذكياً ومندلا
وأقربهم عهدا عليٌ فإنَّه مضىوَبِه عقد العلى قد تكمَّلا
مِنْهَا
فقد كَانَ برّاً بِي أرَاهُ على الَّذِييرى أنَّ فِيهِ راحتي متطفِّلا
وأورثني حبّ الشريف ابْن أُخْتهوحسبي بِهَذَا منَّةً وتفضُّلا
شهابٌ علا فَوق الْعلَا بمناسبٍتطيل إليهنَّ النُّجُوم تأمُّلا
فَلَو فاضلته الشَّمْس والبدر لاغتدىمن الشَّمْس أضوا أَو من الْبَدْر أكملا
هُوَ ابْن الأولى مَا خَابَ فِي الْحَشْر من بهمهُنَاكَ إِلَى عَفْو الْإِلَه توسَّلا
توقَّل فِي هضب السِّيادة ذرْوَةرأى مرتقىً فِي أفقها فتنقَّلا
وَلم يقتنع بِالْأَصْلِ حَتَّى غَدا لَهُبآدابه فِي النَّاس علما مكمَّلا
فنظمٌ إِذا مَا الدرُّ قايسته بِهِوأنصفته أضحى من الدرِّ أفضلا
شهيٌّ إِلَى الأسماع ألطف مسلكاًمن المَاء معسول المدامة سلسلا
وممتنعٌ سهلٌ بعيدٌ منالهقريب المدى لَا يتعب المتأمِّلا
وكتبت إِلَيْهِ من رحبة مَالك بن طوق من الْخَفِيف
مَا لقلبي عَن حبِّكم قطُّ سلوةكلُّ حالٍ مِنْكُم لَدَى الصَّبِّ حلوه
إِن بخلتم حاشاكم بوفاءٍأَو ثنتكم بعد التعطُّف قسوه
فلكم قد قضى وَمَا نقض الْعَهْد محبٌ ولي بذلك أسوه
يَا بن بنت النبيِّ قللي وَقَوْلِييَا ابْن بنت النبيِّ أفضل دَعوه
)
هَل بدا فِي الْوَفَاء منِّي نقصٌأَو جرى فِي الْحفاظ منِّي هفوه
فعلام الْإِعْرَاض والصَّدُّ عمَّنلم يجد فِي سوى معاليك صبوه
كَيفَ أنسى سَاعَات وصلٍ تقضَّتوبعطفي مِنْهَا بقيَّة نشوه
مَا خلت خلْوَة وَلم ألق فِيهَامن عذارى حَدِيثك العذب جلوه
حَيْثُ لي من فنون نظمك والنثر مَتى مَا أردْت كاسات قهوه
ومعانٍ كالحور زفَّ حلاهامنطقٌ تشخص الأفاضل نَحوه
كَانَ فِي مصر لي بقربك أنسٌعَن أناسٍ لَهُم عَن الْخَيْر نبوه
وَأرى رقَّة الْحَوَاشِي الَّتِي عنْدك تغني عمَّن غَدا فِيهِ جفوه
وَإِذا مَا أتيت ألفيت صَدرامِنْك لي فِي حماه حظٌّ وحظوه
واقتعدت الفخار بَين البراياوتسنَّمت فِي السِّيادة ذروه
وَأرى أنَّ لي إِذا زرت أَرضًاأَنْت فِيهَا التَّشريف فِي كلِّ خطوه
كَيفَ لَا وَالْوَلَاء فِي قَوْمك الغرِّأرَاهُ فِي الدّين أوثق عروه
منيتي أَن أرى حماك بعينيلَا أَرَاك الْحمى وَلَا دَار علوه
آه لَو تنصف اللَّيَالِي إِذا مَاحكمت بالبعاد من غير عنوه
أَو لَو أنَّ الْفِرَاق يقبل منيفِي اقتراب الدِّيار من مصر رشوه
يَا زَمَانا بِمصْر ولَّى حميداهَل يُجيب الْإِلَه لي فِيك دَعوه
فَكتب إليّ الْجَواب عَنْهَا تِسْعَة وَسِتِّينَ بَيْتا فِي وَزنهَا ورويِّها وَهِي
أنسيم الصَّبا على الرَّوْض غدوهسحبت ذيلها على كلِّ ربوه
وسرى لطفها إِلَى الدَّوح فارتاحفكم رنَّحت معاطف سروه
أم سقيط النَّدى على الْورْد كالياقوت إِذْ يَجْعَل اللآلىء حشوه
أم تثني الغصون فِي حلل الزَّهرساقاها السَّحاب كاسات قهوه
أم مسيل الْمِيَاه بَين رياضٍبنضار الْأَصِيل أمست تموَّه
أم غناء الْحمام غرَّد فِي البانوأضحى بِهِ يرجِّع شدوه
أم نُجُوم السَّمَاء زهر أم الْبَدْر منيرٌ أم مشرق الشَّمس ضحوه
أَو وصال الحبيب بعد صدودٍفَأتى ذَا لذا فأسرع محوه
)
أم بشير الْأمان من بعد خوفٍلخليعٍ رأى الرَّبيع وزهوه
أم حَدِيث العذيب يعذب فِي كل لاةٍ لمن تذكَّر لهوه
أم كتابٌ قد جَاءَنِي من خليلٍبارعٍ فالخليل لم ينح نَحوه
رحب باعٍ لرحبة الشَّام وافىذَا وفاءٍ وعفةٍ وفتوَّه
سامقٌ فَوق هضبة الْمجد والعز سبوقٌ لم يدْرك النَّاس شأوه
ناظمٌ ناثرٌ بليغٌ بديعٌماهرٌ باهر الْمقَالة أفوه
حَيْثُ مَا حلَّ فِي الممالك حلَّىوَغدا وارداً من الْحَمد صَفوه
بعد حَوْلَيْنِ قد أَتَانِي فأهلاوحباني عذب الْكَلَام وحلوه
وعناني من بعد دارٍ وَلَكِنغصبته أَيدي الحواسد عنوه
وَأَرَادُوا خمول ذكري فغاروامِنْهُ لَّما أَعلَى بذكري ونوه
حجبوه عني فأظهره الله لعَيْنِي أتحجب الشَّمس هبوه قُمْت لله شاكراً ثمَّ حليتوقد حلَّ ساحتي كلّ حبوه
غير أَنِّي رَأَيْت فِيهِ عتاباًمضرماً مَا بَين الجوانح جذوه
قَالَ أَنِّي بخلت بالودِّ كلّامَا تعمَّدت إنِّما هِيَ سَهْوه
وَرمى أسهماً تمزَّق ثوب الصَّبْر مِنْهَا وَمِنْه أمَّلت رفوه
ألزم الذَّنب قبل ذنبٍ فأنصفوسل الْقلب هَل نوى عَنْك سلوه
لم يكن شأني الصدود بِلَا جرم وحاشى لوجه ودِّي يشوَّه
لَيْسَ مثلي مِمَّن يحول عَن الود وَلَا يُبدل المحبَّة جفوه
كَيفَ يهفو ثبير حلمك يَا ذَاالثَّبت لّما ظَنَنْت منِّي هفوه
أذكرتني أبياتك الغر أَبْيَات الإِمَام الْمَحْمُود أَنْفَع قدوه
سابقٌ قد هدى إِلَى النّجح قصديلم يطق من سعى هُنَالك خطوه
وَمَعَ الْبعد كَانَ يدني بِي اللطف ويشكو لَهُ فُؤَادِي شجوه
كَانَ لي والداً وبرّاً شفوقاًفذووه لي فِي المحبَّة إخوه
مِنْهَا
يَا صَلَاح الدّين البديع نظاماًوالّذي من إنشائه لي نشوه
)
لَا تلمني على تأخُّر كتبيإذألَّمت بحدِّ ذهني نبوه
كنت فِي شدَّة وَقد فرج الله ونجَّى فصرت مِنْهَا بنجوه
ونسيت الصِّناعتين لأنِّيحججٌ قد مَضَت وَلم الق حظوه
يرجع الحظُّ الْقَهْقَرِي فَإِذا مَارمت أَن يمشي عاجلته كبوه
كلما قلت قد مضى الهمُّ إِذْ مر مساءٌ أرى المساءة غدوه
وأعادى ظلما وأقهر ممَّنمهلي للفخار يسْبق عدوه
أَنا سبط النبيِّ وَابْن عليٍّشرفٌ شامخٌ لأَرْبَع ذروه
وَإِذا مَا اعْتَرَانِي الدَّهر بالعدوَإِن أَمْسَكت مِنْهُمَا أيَّ عروه
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع