تجاوز إلى المحتوى

من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

سيف الله المخزوميّ

)

خَالِد بن الْوَلِيد بن المُغيرة بن عبد الله بن عَمْرو بن مَخْزُوم بن يقظة بن مرّة أَبُو سُلَيْمَان القرشيّ المخزوميّ سيف الله أسلم فِي هدنة الحيبية طَوْعًا فِي صفر

سنة ثَمَان وَاسْتَعْملهُ رَسُول الله ﷺ فِي بعض مغازيه وَاسْتَعْملهُ أَبُو بكر الصّديق على قتال مُسَيْلمَة وَمن ارتدَّ من الْأَعْرَاب بِنَجْد فَفتح الله على يَدَيْهِ ثمَّ وَجهه إِلَى الْعرَاق ثمَّ إِلَى الشَّام وأمَّره على جَمِيع أُمَرَاء الشَّام إِلَى أَن ولي عمر فَعَزله وَهُوَ أحد الْأُمَرَاء الَّذين ولوا فتح دمشق وَأحد الْعشْرَة الَّذين انْتهى إِلَيْهِم الشّرف من قُرَيْش من عشرَة بطُون وَوَصله الْإِسْلَام

كَانَ مُبَارَكًا مَيْمُون النقيبة هَاجر بعد الْحُدَيْبِيَة هُوَ وَعَمْرو ابْن الْعَاصِ وَعُثْمَان بن طَلْحَة فَقَالَ رَسُول الله ﷺ رمتكم مَكَّة بأفلاذ كَبِدهَا وَلم يزل يوليه رَسُول الله ﷺ الْخَيل وَيكون فِي مقدمه فِي مهاجرة الْعَرَب وَشهد فتح مَكَّة وَدخل الزبير بن العّوام فِي مُقَدّمَة رَسُول الله ﷺ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار من أَعلَى مَكَّة وخَالِد من أَسْفَلهَا وَأمه لبَابَة الصّغرى بنت الْحَارِث أم بني الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب وَقد جَاءَ أَنه شهد خَيْبَر وَكَانَت خَيْبَر أول سنة سبع وَقيل أسلم فِي صفر سنة ثَمَان وَقَالَ الواقديّ الثّبت عندنَا أَن خَالِدا لم يشْهد خَيْبَر وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن أبي الزِّناد كَانَ خَالِد بن أبي الْوَلِيد يشبه عمر فِي خلقه وَصفته فَكلم عَلْقَمَة بن علاثة عمر بن الخطّاب فِي السِّحر وَهُوَ يَظُنّهُ خَالِد بن الْوَلِيد لشبهه بِهِ وَكَانَ أَخُوهُ الْوَلِيد بن الْوَلِيد دخل فِي الْإِسْلَام قبله وَدخل مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي عمْرَة القصبة وتغيَّب خَالِد فَكتب إِلَيْهِ أَخُوهُ إِنِّي لم أر أعجب من ذهَاب رَأْيك عَن الْإِسْلَام وعقلك عقلك وَمثل الْإِسْلَام جَهله أحد وَقد سَأَلَني رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أَي خَالِد فَقلت يَأْتِي الله بِهِ فَقَالَ مَا مثل خَالِد جهل الْإِسْلَام وَلَو كَانَ جعل يكاتبه وَحده مَعَ الْمُسلمين على الْمُشْركين لَكَانَ خيرا لَهُ ولقدّمناه على غَيره فاستدرك يَا أخي مَا فاتك مِنْهُ فقد فاتتك يَا أخي مَوَاطِن صَالِحَة فَوَقع الْإِسْلَام فِي قلب خَالِد فاتَّعد هُوَ وَعُثْمَان بن طَلْحَة باجح وسارا مِنْهَا فلقيهما عَمْرو بن الْعَاصِ فَمَضَوْا لِلْإِسْلَامِ وسرَّ رَسُول الله ﷺ بقدومهم وَقَالَ خَالِد مَا زَالَ يتبسَّم إليّ حَتَّى وقفت عَلَيْهِ وَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي هداك قد كنت أرى لَك عقلا ورجوت أَن لَا يسلومك إِلَّا إِلَى خير قلت يَا رَسُول الله قد رَأَيْت مَا كنت أشهد من تِلْكَ المواطن عَلَيْك ومعانداً عَن الحقّ فَادع الله يغفرها فَقَالَ الْإِسْلَام يجبُّ مَا كَانَ قبله وَكَانَ خَالِد يَوْم حنين فِي مُقَدّمَة رَسُول الله ﷺ فِي بني)

سليم وجرح فَأَتَاهُ رَسُول الله ﷺ بَعْدَمَا هزمت هوَازن فِي رَحْله فنفث على دراحه فَانْطَلق مِنْهَا وَبَعثه إِلَى العغميصاء وَكَانَ بهَا قوم فاستباحهم فادّعوا الْإِسْلَام فؤدّاهم رَسُول الله ﷺ ثمَّ حضر مُؤْتَة فَلَمَّا قتل الْأُمَرَاء الثَّلَاثَة مَال الْمُسلمُونَ إِلَى خَالِد فانحاز بهم وَبَعثه إِلَى العزَّى فأبادها وَبَعثه إِلَى دومة الجندل فسبا من سبا وصالحهم

وَبَعثه إِلَى بلحارث بن كَعْب إِلَى نَجْرَان أَمِيرا وداعياً إِلَى الله وَحلق رَسُول الله ﷺ رَأسه فِي حجَّة الْوَدَاع فَأعْطَاهُ ناصيته

وَكَانَت فِي مقدم قلنسوته فَكَانَ لَا يلقى أحدا إِلَّا هَزَمه الله تَعَالَى وَقَالَ رَسُول الله ﷺ اللَّهُمَّ هَذَا سيف من سيوفك فانتقم بِهِ

وَفِي رِوَايَة نعم عبد الله وأخو الْعَشِيرَة وَسيف من سيوف الله سَله الله على الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ

وَكَانَ عمر يكلم أَبَا بكر فِي عزل خَالِد لما حرّق المرتدِّين وَقيل يَوْم مَالك بن نُوَيْرَة وَشهد قوم من السَّرية أَنهم كَانُوا أذَّنوا وصلّوا فَقَالَ عمر إِن فِي سَيْفه رهقاً فَقَالَ أَبُو بكر لَا أَشْيَم سَيْفا سلَّه الله تَعَالَى على الْكفَّار حَتَّى يكون الله يشيمه وَقَالَ خَالِد لقد قَاتَلت يَوْم مُؤْتَة فاندقَّ فِي يَدي تِسْعَة أسياف فَصَبَرت فِي يَدي صحيفَة لي يَمَانِية وَقَاتل يَوْم اليرموك قتالاً شَدِيدا قتل أحد عشر قَتِيلا مِنْهُم بطريقان وَكَانَ يرتجز وَيَقُول

أضربهم بصارمٍ مهنَّدضرب صَلِيب الدّين هادٍ مهتد

وَكَانَ عمر يَقُول لإن صيَّر الله هَذَا الْأَمر لأعزلنَّ المثنَّى بن خَارِجَة عَن الْعرَاق وخَالِد بن الْوَلِيد عَن الشَّام حَتَّى يعلمَا أنَّما نصر الله دينه لَيْسَ إيَّاهُمَا نصر وَلما ولي عمر قَالَ مَا صدقت الله إِن كنت أَشرت على أبي بكر بأمرٍ فَلم أنفذه فَعَزله وولَّى أَمِين الْأمة أَبَا عُبَيْدَة بن الجرّاح وَصَارَ خَالِد أَمِيرا من جِهَته فَلَمَّا أجَاز الْأَشْعَث بِعشْرَة آلَاف فَكتب عمر إِلَى أبي عُبَيْدَة أَن يُقيم خَالِدا ويعقله بعمامته وَينْزع عَنهُ قلنسوته ويعزله على كل حَال ويقاسمه مَاله فَفعل ذَلِك وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَة يُكرمهُ ويفخِّمه ثمَّ كتب عمر إِلَى خَالِد يَأْمُرهُ بالإقبال إِلَيْهِ فَقدم على عمر فَشَكَاهُ وَقَالَ لقد شكوتكم إِلَى الْمُسلمين تالله إِنَّك فِي أَمْرِي غير مُجمل يَا عمر وَاعْتذر عَن المَال الَّذِي فرقه بِأَنَّهُ من مَاله فَقَالَ عمر وَالله إنّك عليَّ لكريم وَإنَّك إليَّ لحبيب وَلنْ تعاتبني بعد الْيَوْم على شَيْء وَاعْتذر عمر إِلَى النَّاس من أَجله ثمَّ كَانَ عمر يذكرهُ ويترحّم عَلَيْهِ ويتندَّم على مَا كَانَ صنع بِهِ وَيَقُول سيف من سيوف الله تَعَالَى وَقيل أَن خَالِدا لما قدم على عمر قَالَ متمثلاً من الطَّوِيل)

صنعت فَلم يصنع كصنعك صانعٌوَمَا يصنع الأقوام فَالله أصنع

كتب عمر إِلَى الْأَمْصَار إِنِّي لم أعزل خَالِدا عَن سخطةٍ وَلَا خِيَانَة ولكنَّ النَّاس فتنُوا بِهِ فَخَشِيت أَن يوكّلوا إِلَيْهِ فَأَحْبَبْت أَن يعلمُوا أَن الله هُوَ الصّانع وَأَن لايكونوا بِعرْض فتْنَة عَن ابْن الضحَّاك أَن عمر بن الخطّاب كَانَ أشبه النَّاس بِخَالِد بن الْوَلِيد فَخرج عمر سحرًا فَلَقِيَهُ شيخ فَقَالَ مرْحَبًا بك يَا أَبَا سُلَيْمَان فَنظر إِلَيْهِ عمر فَإِذا هُوَ عَلْقَمَة بن علاثة فردّ ﵇

فَقَالَ لَهُ عَلْقَمَة أعزلك عمر بن الخطّاب فَقَالَ لَهُ عمر نعم فَقَالَ مَا يشْبع لَا أشْبع الله بَطْنه

فَقَالَ لَهُ عمر فَمَا عنْدك قَالَ مَا عِنْدِي إِلَّا السّمع والطّاعة فَلَمَّا أصبح دَعَا بخالدٍ وحضره عَلْقَمَة بن علاثة فَأقبل على خالدٍ فَقَالَ لَهُ مَاذَا قَالَ لَك عَلْقَمَة فَقَالَ مَا قَالَ لي شَيْئا فَقَالَ أصدقني فَحلف خَالِد بِاللَّه مَا لَقيته وَلَا قَالَ لَهُ شَيْئا فَقَالَ لَهُ عَلْقَمَة حلا أَبَا سُلَيْمَان فَتَبَسَّمَ عمر فَعلم

خَالِد أَن عَلْقَمَة قد غلط فَنظر إِلَيْهِ فَفطن عَلْقَمَة فَقَالَ قد كَانَ ذَلِك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَاعْفُ عني عَفا الله عَنْك فَضَحِك عمر وَأخْبرهُ الْخَبَر وَلما حضرت خَالِدا الْوَفَاة بَكَى وَقَالَ لقد لقِيت كَذَا وَكَذَا زحفاً وَمَا فِي جَسَدِي شبر إِلَّا وَفِيه ضَرْبَة بِسيف أَو رمية بِسَهْم أَو طعنة بِرُمْح وهأنذا أَمُوت على فِرَاشِي حتف أنفي كَمَا يَمُوت العير فَلَا نَامَتْ عين الْجُبَنَاء وَلما مَاتَ لم تبقى امْرَأَة من بني الْمُغيرَة إِلَّا وضعت لمَّتها على قَبره أَي حلقت شعر رَأسهَا وَكَانَ مَوته سنة إِحْدَى أَو اثْنَتَيْنِ وَعشْرين بحمص وَأوصى إِلَى عمر وَجعل خيله وسلاحه فِي سَبِيل الله فَلَمَّا بلغ مَوته عمر اسْترْجع ونكس وَأكْثر التَّرحم عَلَيْهِ وَقَالَ قد ثلم فِي الْإِسْلَام ثلمة لَا ترتق

النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الْخَاء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.