من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
الْكَاتِب (٧)
ماذا روى «الوافي بالوفيات» عن الكاتب الأريولي؟
خَالِد بن يزِيد أَبُو الْهَيْثَم الْكَاتِب البغداديّ أَصله من خُرَاسَان وَكَانَ أحد كتَّاب الْجَيْش ولَاّه ابْن)
الزَّيات الْإِعْطَاء بِبَعْض الثُّغور فَخرج فَسمع فِي طَرِيقه منشداً ينشد من الْبَسِيط
من كَانَ ذَا شجنٍ بِالشَّام يَطْلُبهُفَفِي سوى الشّام أَمْسَى الْأَهْل والوطن
فَبكى حَتَّى سقط على وَجهه مغشياً عَلَيْهِ ثمَّ أَفَاق وَاخْتَلَطَ واتصل بِهِ ذَلِك إِلَى الوسواس وَبَطل وَكَانَ مغرماً بالصّبيان المرد وَينْفق عَلَيْهِم كل مَا يفِيدهُ فَهَوِيَ غُلَاما يُقَال لَهُ عبد الْحق وَكَانَ أَبُو تَمام الطَّائِي يهواه فَقَالَ فِيهِ خَالِد من مخلع الْبَسِيط
قضيب بانٍ جناه وردتحمله جنَّة وَورد
لم أثن طرفِي إِلَيْهِ إلاّمَاتَ عزاءٌ وعاش وجد
ملِّك طوع النّفوس حَتَّىعلَّمه الدَّهر كَيفَ يَبْدُو
وَاجْتمعَ الصَّدُّ فِيهِ حَتَّى لَيْسَ لخلقٍ سواهُ صدُّ فَبلغ ذَلِك أَبَا تَمام فَقَالَ أبياتاً مِنْهَا من السَّرِيع
شعرك هَذَا كلُّه مفرطمن برده يَا خَالِد الْبَارِد
فعلقها الصّبيان وَمَا زَالُوا يصيحون بِهِ يَا خَالِد الْبَارِد حَتَّى وسوس وهجاه أَبُو تَمام فَقَالَ من الْبَسِيط
يَا معشر المرد إِنِّي ناصحٌ لكموالمرء فِي القَوْل بَين الصّدق وَالْكذب
لَا ينكحنَّ حبيبٌ مِنْكُم أحدافدَاء وجعائه أعدى من الجرب
لَا تأمنوا أَن تحولوا بعد ثالثةٍفتركبوا عمدا لَيست من الْخشب
وَمن شعر خَالِد الْكَاتِب من المتقارب
تملَّكت يَا مهجتي مهجتيوأسهرت يَا ناظري ناظري
وَمَا كَانَ ذَا أملي يَا ملولوَلَا خطر الهجر فِي خاطري
وفيك تعلّمت نظم القريضفلقَّبني النّاس بالشّاعر
وَمن شعره من الرمل
عش فحِّبيك سَرِيعا قاتليوالهوى إِن لم تصلني واصلي
ظفر الشَّوق بقلبٍ دنفٍفِيك والسُّقم بجسمٍ ناحل
فهما بَين الثِّياب وطنّيتركاني كالقضيب الذابل
وَبكى العاذل لي من رحمةٍفبكائي لبكاء العاذل
)
وَمِنْه من المتقارب
رقدت وَلم تَرث للساهروليل المحبِّ بِلَا آخر
وَلم تدر بعد ذهَاب الرقاد مَا فعل الدَّمع بالناظر وَتُوفِّي خَالِد فِي حُدُود السّبْعين والمائتين قَالَ بَعضهم رَأَيْت خَالِدا وَقد كبر ورقَّ عظمه وَهُوَ رَاكب قَصَبَة والصّبيان حوله فَقلت لَهُ يَا أستاذ مَا الَّذِي أصار بك إِلَى هَذَا فَقَالَ من المقتضب المجزوء
الهموم والسَّهروالسُّهاد والفكر
سلِّطت على جسدٍفيّ للهوى أثر
لَا وَمن كلفت بِهِمَا يُطيق ذَا بشر
فَقلت لَهُ يَا أستاذ أُرِيد أَن تنشدني أرقَّ مَا تعرف فَقَالَ اكْتُبْ من السَّرِيع
رقَّ فَلَو مرَّت بِهِ نملةٌأرجلها منعلةٌ بالحرير
لأثَّرت فِيهِ كَمَا أثَّرتسحابةٌ فِي يَوْم دجنٍ مطير
فَقلت يَا أستاذ أُرِيد أرقَّ من هَذَا فَقَالَ أكتب من السَّرِيع
أضمر أَن أضمر حبِّي لَهُفيشتكي إِضْمَار إضماري
رقَّ فَلَو مرَّت بِهِ نملةٌلخضَّبته بدمٍ جَار
فَقلت يَا أستاذ أُرِيد أرقَّ من هَذَا فَقَالَ اكْتُبْ من المنسرح
صافحته فشتكت أناملهوَكَاد يبْقى بنانه بيَدي
وَكنت إِذْ صافحت يَدَاهُ يَديكأنَّني قابضٌ على الْبرد
لَو لحظته الْعُيُون مدمنةًلذاب من رقَّةٍ فَلم يجد
فَقلت يَا أستاذ أُرِيد أرقَّ من هَذَا فَقَالَ اكْتُبْ من السَّرِيع
رقَّته مَا مثلهَا رقَّةفَإِن جَفا فالويل من صدِّه
قدرَة عَيْنَيْهِ على مهجتيكقدرة الْمولى على عَبده
قد جال مَاء الْحسن فِي خدَّهوضجَّت الأغصان من قدّه
فَقلت يَا أستاذ أُرِيد أرقَّ من هَذَا قَالَ اكْتُبْ من الطَّوِيل
توهَّمه طرفِي فَأصْبح خدُّهوَفِيه مَكَان الْوَهم من نَظَرِي أثر
)
وَصَافحهُ كفي فآلم كفَّهفَمن غمز كفّي فِي أنامله عقر
ومرَّ بفكري خاطراً فجرحتهوَلم أر جسماً قطُّ يجرحه الْفِكر
فَقلت يَا أستاذ أُرِيد أرق من هَذَا فَقَالَ أكتب من الطَّوِيل
تكوَّن من نور الْإِلَه بِلَا مسِّبقول عزيزٍ كن من الرّوح بالقدس
فلمّا رَأَتْهُ الشَّمْس أخمد نورهاوَقَالَت لَهُ بِاللَّه أَنْت من الْإِنْس
وَقَالَ لَهَا إِنِّي أظنُّك ضرَّتيوخمَّس بالكفِّ الْمليح على الشَّمْس
فَقلت يَا أستاذ أُرِيد أرقَّ من هَذَا فَقَالَ قد تقدّمت إِلَى الْمنزل عَسى أَن يصلحوا لي عدساً بسلق وَأَنا أَلْقَاك غَدا بِشَيْء رَقِيق وَتَرَكَنِي وَانْصَرف وَقد تقدَّمت هَذِه الْحِكَايَة فِي تَرْجَمَة بهْلُول وَهِي أخصر من هَذَا
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع