من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
ابْن الطيفوري الطَّبِيب
زَكَرِيَّاء بن الطيفوري قَالَ كنت مَعَ الأفشين فِي مُعَسْكَره وَهُوَ فِي محاربة بابك فَأمر بإحصاء جَمِيع من فِي عسكره من التُّجَّار وحوانيتهم وصناعة رجل رجل مِنْهُم فَدفع ذَلِك إِلَيْهِ
فَلَمَّا بلغت الْقِرَاءَة إِلَى مَوضِع الصيادلة قَالَ يَا زَكَرِيَّاء اضبط هَؤُلَاءِ أول مَا تقدم فِيهِ امتحنهم حَتَّى نَعْرِف الناصح من غَيره وَمن لَهُ دين وَمن لَا دين لَهُ
فَقلت أعز الله الْأَمِير إِن يُوسُف لقُوَّة الكيميائي كَانَ يدْخل على الْمَأْمُون كثيرا وَيعْمل بَين يَدَيْهِ فَقَالَ هَل يَوْمًا وَيحك يَا يُوسُف لَيْسَ فِي الكيمياء شَيْء قَالَ لَهُ بلَى يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَإِنَّمَا آفَة الكيمياء من الصيادلة فَقَالَ لَهُ وَيحك وَكَيف ذَلِك فَقَالَ لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الصيدلاني لَا يطْلب مِنْهُ أحد شَيْئا من الْأَشْيَاء كَانَ عِنْده وَلم يكن إِلَّا أخبر أَنه عِنْده وَدفع لَهُ شَيْئا من الْأَشْيَاء الَّتِي عِنْده وَقَالَ هَذَا الَّذِي طلبت فَإِن رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يضع اسْما لَا يعرف وَيُوجه جمَاعَة إِلَى الصيادلة فِي طلبه ليبتاعه فَلْيفْعَل)
فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون قد وضعت الِاسْم وَهُوَ سقطيثا وسقطيثا ضَيْعَة تقرب من مَدِينَة السَّلَام
وَوجه الْمَأْمُون جمَاعَة من الرُّسُل يسْأَل الصيادلة عَن سقطيثا فكلهم ذكر أَن ذَلِك عِنْده وَأخذ الثّمن فصاروا إِلَى الْمَأْمُون بأَشْيَاء مُخْتَلفَة فَمنهمْ من أَتَى ببزور وَمِنْهُم من أَتَى بِقِطْعَة حجر وَمِنْهُم من أَتَى بوبر
فَاسْتحْسن الْمَأْمُون ذَلِك وأقطعه ضَيْعَة على النَّهر الْمَعْرُوف بنهر الكلبة فَهِيَ فِي أَيدي ورثته
فَقَالَ زَكَرِيَّا للأفشين فَإِن رأى الْأَمِير أَن يمْتَحن هَؤُلَاءِ الصيادلة بِمثل ذَلِك فَلْيفْعَل
فَدَعَا الأفشين بدفتر من دفاتر الأسروشنة وَأخرج مِنْهُ نَحوا من عشْرين اسْما وَوجه يطْلبهَا من الصيادلة فبعضهم أنكرها وَبَعْضهمْ ادّعى مَعْرفَتهَا وَأخذ الدَّرَاهِم من الرُّسُل
فَأمر الأفشين بإحضار جَمِيع الصيادلة وَكتب لمن أنكر تِلْكَ الْأَسْمَاء مناشير أذن لَهُم فِيهَا بالْمقَام فِي عسكره وَنفى البَاقِينَ عَن الْعَسْكَر ونادى الْمُنَادِي بِإِبَاحَة دم من يُؤْخَذ مِنْهُم بعسكره
وَكتب إِلَى المعتصم يسْأَله أَن يبْعَث إِلَيْهِ بصيادلة لَهُم دين وَمذهب جميل ومتطببين كَذَلِك
فَاسْتحْسن المعتصم ذَلِك وَبعث إِلَيّ بِمَا سَأَلَ
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع