من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
أَبُو العبّاس الشَّاعِر الْأَعْمَى
السَّائِب أَبُو العبّاس الشَّاعِر الْأَعْمَى المكّي وَهُوَ وَالِد الْعَلَاء سمع عبد الله بن عَمْرو وَعنهُ عَطاء وَعَمْرو بن دِينَار وحبِيب بن أبي ثَابت وثّقه أَحْمد وروى لَهُ الْجَمَاعَة وَتُوفِّي فِي حُدُود الْمِائَة وَقَالَ المرزباني فِي مُعْجَمه فِي حقّه هُوَ ابْن فرّوخ مولى لبني جذيمة بن عديّ بن الدئل وَكَانَ هَجَّاءً خبيثاً فَاسِقًا مُبغِضاً لآل رَسُول الله ﷺ مائلاً إِلَى بني أُميّة مدّاحاً لَهَا وَهُوَ الْقَائِل لأبي الطُفيل عَامر بن وَاثِلَة وَكَانَ شِيعِيًّا من الوافر
لعمْرك إنّني وَأَبا طفيلٍلمخْتِلفان وَالله الشهيدُ
)
لقد ضلّوا بحبّ أبي تُرَابكَمَا ضلّت عَن الْحق اليهودُ
واستفرغ شعره فِي هجاء آل الزبير غير مُصعب لأنّه كَانَ محسناً إِلَيْهِ وَهُوَ الْقَائِل يهجو موَالِيه من الطَّوِيل
وَمَا قُرب مولى السوء إلاّ كبعدهبل البُعْدُ خيرٌ من عَدوٍّ تُقارِبُهْ
وإنّي وتأميلي جذيمةَ كَالَّذييُؤَمِّلُ مَا لَا يدْرك الدهرَ طالبُهْ
فأمّا إِذا استغنيتُمُ فَعَدُوُّكموأُدْعَى إِذا مَا غصَ بِالْمَاءِ شاربهْ
وَقَالَ صَاحب الأغاني مولى بني لَيْث وَقيل بل الدئلي من شعراء بني أميّة ومتعصّبيهم
حكى عَنهُ مُسلم نب الْوَلِيد قَالَ سمعْتُ يزِيد بن مزِيد يَقُول سمعْتُ هَارُون الرشيد يَقُول سمعْتُ المهديّ يَقُول سمعْتُ الْمَنْصُور يَقُول خرجْتُ أُريد الشأم فِي أيّام مَرْوَان بن محمّد
فصحبني فِي الطَّرِيق رجل ضَرِير فسألْتُهُ عَن مقْصده فَقَالَ إنّي أُريد مَرْوَان بشعرٍ امتدحْتُهُ بِهِ فاستنشدْتُهُ إيّاه فأنشدني من الْخَفِيف
لَيْت شعري أفاح رَائِحَة الْمسك وَمَا إِن إخال بالخَيفِ أُنسي
حِين غَابَتْ بَنو أميّة عَنهُوالبهاليل من بني عبد شمسِ
خُطباء على المنابر فُرسنُ عَلَيْهَا وقالةٌ غيرُ خُرْسِ
لَا يُعابون صامِتِينَ وَإِن قالوا أَصَابُوا وَلم يَقُولُوا بلبسِ
بحلوم إِذا الحلومُ استُخفَّتووجوهٍ مثل الدَّنَانِير مُلْسِ
قَالَ فوَاللَّه مَا فرغ من إنشاده حَتَّى توهّمت أَن الْعَمى قد أدركن وافترقْنا
فلمّا أفّضَت إِلَيّ الخلافةُ خرجْتُ حاجّاً فَنزلت أَمْشِي بجبلي زرود فبصُرْتُ بالضرير فقرّقْتُ من كَانَ معي ثمَّ دنوتُ مِنْهُ فقلتُ لَهُ أتعرفني فَقَالَ لَا قلتُ أَنا رفيقُك وَأَنت تُريد الشأم أيّام مَرْوَان فَقَالَ أوّه من الْكَامِل
أمْست نِساءُ بني أميّةَ مِنْهموبناتهم بمضيعةٍ أيتامُ
نَامَتْ جدودهُمُ وأُسقط نجمهموالنجم يسْقط والجدود تنامُ
خلت المنابر والأسرِة مِنْهُمفعليهمُ حتّى الْمَمَات سلامُ
قلت فَمَا كَانَ مَرْوَان أَعْطَاك بِأبي أَنْت قَالَ أغناني أَن أسأَل أحدا بعده فهممْتُ بقتْله ثمَّ ذكْرتُ حقّ الاسترسال والصحبة فَأَمْسَكت عَنهُ وَغَابَ عَن عَيْني فَبَدَا لي فأمرْتُ بِطَلَبِهِ فكأنّما)
البيداءُ بادت بِهِ قلت وَهَذِه الْحِكَايَة تدلّ على أنّ أَبَا العبّاس عَاشَ إِلَى سنة سبع وَثَلَاثِينَ لأنّ الْمَنْصُور ولي الْخلَافَة سنة ستّ وَثَلَاثِينَ
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع