من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
عفيف الدّين التلمساني
ماذا روى «الوافي بالوفيات» عن عفيف الدين التلمساني؟
سُلَيْمَان بن عَليّ بن عبد الله بن عَليّ بن ياتِينَنّ بياء آخر الْحُرُوف وَبعد الْألف تَاء ثَالِثَة الْحُرُوف مَكْسُورَة وياء أُخْرَى سَاكِنة ونونين الثَّانِيَة مشدّدة الشَّيْخ الأديب البارع عفيف الدّين التلمساني كَانَ كُوفِي الأَصْل وَكَانَ يدّعي الْعرْفَان ويتكلّم فِي ذَلِكَ عَلَى اصْطِلَاح الْقَوْم قَالَ قطب الدّين رأيْتُ جمَاعَة ينسبونه إِلَى رقّة الدّين والميل إِلَى مَذْهَب النصيريّة وَكَانَ حسن الْعشْرَة كريم الْأَخْلَاق لَهُ حُرْمَة ووجاهة وخدم فِي عدّة جِهَات بِدِمَشْق قَالَ الشَّيْخ شمس الدّين خدم فِي جِهَات المكس وَغَيرهَا كتب عَنهُ بعض الطّلبَة وَكَانَ يتّهم بِالْخمرِ وَالْفِسْق والقيادة وَحَاصِل الْأَمر أنّه من غلاة الاتحّاديّة وَذكره شمس الدّين الْجَزرِي فِي تأريخه وَمَا كَأَنَّهُ عرف حَقِيقَة حَاله وَقَالَ عمل أَرْبَعِينَ خلْوَة فِي الرّوم يخرج من وَاحِدَة وَيدخل فِي أُخْرَى قَالَ الشَّيْخ شمس الدّين هَذَا الْكَلَام فِيهِ مجازفة ظَاهِرَة فإنّ مَجْمُوع ذَلِكَ ألف وستّ مائَة يَوْم قَالَ وَلَهُ فِي كلّ علم تصنميف وَقَدْ شرح الْأَسْمَاء الْحسنى وَشرح مقامات النِفَّري
وَحكى بَعضهم قَالَ طلعْتُ إِلَيْهِ يَوْم قُبض فَقلت لَهُ كَيْفَ حالك قَالَ بِخَير من عرف الله كَيْفَ يجافه وَالله مُنْذُ عَرفته مَا خفته وَأَنا
فرحان بلقائه قَالَ الشَّيْخ شمس الدّين وَحكى تِلْمِيذه الْبُرْهَان إِبْرَاهِيم الفاشوشة قَالَ رَأَيْت ابْنه فِي مَكَان بَيْنَ يَدي ركبداريّة وَذَا يكبّس رجلَيْهِ وَذَا يبوسه فتألمّتُ لذَلِك وانقبضت وَدخلت إِلَى الشَّيْخ وَأَنا كَذَلِك فَقَالَ مَا لَكَ فَأَخْبَرته بِالْحَال الَّذِي وجدت وَلَده محمّداً عَلَيْهِ قَالَ أفرأيته فِي تِلْكَ الْحَال منقبضاً أَو حَزينًا قلت سُبْحَانَ الله كَيْفَ يكون هَذَا بل كَانَ أسرّ مَا يكون فهّون الشَّيْخ عليّ وَقَالَ لَا تحزن أَنْت إِذا كَانَ هُوَ مَسْرُورا فَقلت يَا سيّدي فرَجتَ عنيّ وعرفْتُ قدر الشَّيْخ وسعته وَفتح لي بَابا كنت عَنهُ)
محجوباً قلت وَحكى لي عَنهُ الشَّيْخ مَحْمُود بن طيّ الحافي قَالَ كَانَ عفيف الدّين يُبَاشر اسْتِيفَاء الخزانة بِدِمَشْق أَو الشَّهَادَة فَحَضَرَ الأسعد بن السديد الماعز إِلَى دمشق صُحْبَة السُّلْطَان الْملك الْمَنْصُور فَقَالَ لَهُ يَوْمًا يَا عفيف الدّين أُرِيد مِنْك أَن تعْمل لي أوراقاً بمصروف الخزانة وحاصلها وَأَصلهَا عَلَى عَادَة يطْلبهَا المستوفي من الْكتاب فَقَالَ نعم فطلبها مرّةً ومرّةً وَهُوَ يَقُول نعم فَقَالَ لَهُ فِي الآخر أَرَاك كلّما أطلب هَذِهِ الأوراق تَقول لي نعم وَأَغْلظ لَهُ فِي الْكَلَام فَغَضب الشَّيْخ عفيف الدّين وَقَالَ لَهُ والك لمن تَقول هَذَا الْكَلَام يَا كلب يَا ابْن الْكَلْب يَا خِنْزِير وَلَكِن هَذَا من عجز الْمُسلمين وَإِلَّا لَو بصقوا عَلَيْكَ بصقةً لأغرقوك وشقّ ثِيَابه وَقَامَ بهمّ بِالدُّخُولِ إِلَى السُّلْطَان فَقَامَ النَّاس إِلَيْهِ وَقَالُوا هَذَا مَا هُوَ كَاتب وَهُوَ الشَّيْخ عفيف الدّين التلمساني وَهُوَ مَعْرُوف بالجلالة وَالْإِكْرَام بَيْنَ النَّاس وَمَتى دخل إِلَى السُّلْطَان آذَاك عِنْده فَسَأَلَهُمْ ردّه وَقَالَ يَا مَوْلَانَا مَا بقيت أطلب مِنْك لَا أوراقاً وَلَا غَيرهَا أَو كَمَا قَالَ قَالَ لي الشَّيْخ أثير الدّين الْمَذْكُور أديب جيّد النّظم وَكَانَ كثير التقلّب تَارَة يكون شيخ صوفيّة وَتارَة يعاني الخدم قدم علينا القاهرةَ وَنزل بخانكاة سعيد السُّعَدَاء عِنْد صَاحبه شيخها إِذْ ذَاكَ الشَّيْخ شمس الدّين الأيكي وَكَانَ منتحلاً فِي أَقْوَاله وأفعاله طَريقَة ابْن عَرَبِيّ صَاحب عنقاء مغرب انْتهى توفيّ عفيف الدّين سنة تسعين وستّ مائَة وأنشدني من لَفظه جمال الدّين مَحْمُود بن طيّ الحافي قَالَ أَنْشدني عفيف الدّين التلمساني لنَفسِهِ وَكَانَ يَصْحَبهُ كثيرا ويحفظ غَالب ديوانه من الطَّوِيل
وَقَفْنا عَلَى المَغْنى قَديماً فَمَا أَغْنَىوَلَا دَلَّتِ الألفاظُ مِنْه عَلَى مَعْنَى
وَكم فِيهِ أمْسَينا وبِتنا بِرَيْعِهِحَيَارى وأصبحنا حيارى كَمَا كُنّا
ثملْنا وملْنا والدموعُ مدامُناوَلَوْلَا التصابي مَا ثملنا وَلَا ملنا
فَلم نرَ للغِيدِ الحِسانِ بِهِمْ سناوهم من بدور التمّ فِي حسنها أسْنى
نُسائِلُ باناتِ الْحمى عَن قدودهموَلَا سيمّا فِي لينها البانةَ الغنّا
ونَلْثِمُ تربَ الأرضِ أَن قَدْ مشت بِهِسُلَمْى وَلُبْنى لَا سُلَيمَى وَلَا لَبْنى
فوا أسفا فِيهِ عَلَى يُوسُف الْحمىويعقوبه تبيضُّ أعْيُنُهُ حُزْنِا
وَلَيْسَ الشجي مِثلَ الخليّ لأجل ذَابِهِ نَحْنُ نُحنا والحمامُ بِهِ غَنَّى
يُنَادي مناديهم ويصغي إِلَى الصدىفيسألنا عَنْهُم بِمثل الَّذِي قُلْنَا
)
وأنشدني قَالَ أَنْشدني لنَفسِهِ من الْبَسِيط
للقُضبِ بالدَوْحِ أجْيابٌ وأجيادُتَدْنو إليكَ وَتنْأى حِين تنآدُ
وللحباب عَلَى شطّي جداولهاللسَيْفِ وَالْعقد نَضّاءٌ ونَضَادُ
وللنَسيمِ عَلَى الأفاقِ زَمْزَمَةٌوللحمائِم بالأعواد أعوادُ
فهاتِ كأسَك أَو لُطفاً يقوم لَنَامقامَ كأسك نَنقَى حِين ننقادُ
فَمَا المدامة أحلى من حَدِيثك إِذْيجلوه للسمع إنْشَاء وإنشادُ
أوْ خُذْ حَديثَ غرامي وَاتخذ سكرافَفِيهِ للسكر إسعاف وإسعادُ
بِي شادنٌ لغرامي شارِدٌ أبداوللتصبّر نفّاء ونفَادُ
كم فِي غرامي بِهِ واشٍ وواشيةٌوَكم مَعَ الدَّهْر حُسّابٌ وحُسَادُ
وَكم عليّ إِذا مَا غبتُ عَنهُ وَكملي حِين أحْضُرُ نقّال ونقّادُ
وأنشدني قَالَ أَنْشدني لنَفسِهِ من الوافر
نَدىً فِي الأقحوانة أمْ شرَابُوطلٌ فِي الشَّقِيقَة أم رُضابُ
فَتلك وَهَذِه ثَغْرٌ وكأسٌلذا ظَلْمٌ وَفِي هَذَا شرَابُ
وخُضرُ خمائلٍ كَجسُوم غِيدٍقَدْ انتَقَشَتْ فَراقَ بِهَا الخِضابُ
يُرِيك بِهَا الشقيقُ سَوادَ هُدْبٍوحمرةَ وجنةٍ فِيهَا التِهابُ
ووُرقُ حمائمٍ فِي كُلِّ فَنٍّإِذا نَطَفَتْ لَها لحنٌ صَوابُ
لَهَا بالطلّ أزرار حِسانٌوأطواقٌ وَمن وَرَقٍ ثِيابُ
كأنّ النَّهر سَيفٌ مشرفيٌّلَهُ فِي كَفّ صينقلهِ اضطرابُ
تُجَرِّدُه يَمينُ الشمسِ طَوْراًوطوراً بالظَلالِ لَهُ قِرابُ
يعابُ السيفُ إِذْ فِي جانبَيهفُلولُ وَهْوَ مِنْهَا لَا يعابُ
فَإِن قُلتَ الحُبابُ انسابَ ذُعْراًورُمتَ الرقش صَدَّقَك الحُبابُ
وللأغصانِ هَيْنمةُ تُحاكيحبائبَ رَقَّ بَيْنهم العِتابُ
وأنشدني قَالَ أَنْشدني لنَفسِهِ من الطَّوِيل
وَفِي الحيّ هَيْفاءُ المَعاطفِ لَوْ بَدَتمَعَ البانِ كانَ الورُقُ فِيهَا تغنّتِ
عجبْتُ لَهَا فِي حُسْنِها إِذْ تفرّدتلأيّة معنى بعد ذَاكَ تثنّتِ
)
وَمن شعر عفيف الدّين أَيْضا من الْبَسِيط
أفْدِي الَّتِي ابْتَسَمَتْ وَهْناً بكاظمةٍفَكَانَ مِنْهَا هُدَى الساري بنعمانِ
وواجَهَتْها ظِباءُ الرمل فاكتسبتْمِنْهَا محاسنَ أجْيادٍ وأجْفانِ
يسري النسيمُ بِعَطْفَيها فيصحبُهلُطفٌ يُميلُ عصُونَ الرند والبانِ
مرّت عَلَى جَانب الْوَادي وَلَيْسَ بِهِماءٌ فَقاضَ بِدَمْعي الجانِبُ الثَّانِي
مَوّهتُ عَنْهَا بسُلْمَى واستعَرْتُ لَهَامن وَصْفِها فاهتدى الشاني إِلَى شاني
نَجْني عليّ وَمَا أحْلى أليمَ هَوىًفِي حُبّها حِين ألجاني إِلَى الْجَانِي
وَمِنْه أَيْضا من الْكَامِل
إِن كَانَ قَتْلِي فِي الْهوى يَتَعَيَّنُيَا قاتِلي فَبِسَيْفِ جَفْنِك أهْوَنُ
حَسْبي وحَسبك أَن تكونَ مدَامعيغسْلي وَفِي ثَوْب السَقامِ أُكفَّنُ
عَجَباً لخَدِّك وَردُه فِي بانةٍوالبانُ فَوْقَ الغصنِ مَالا يُمكِنُ
أدْنَتْه لي سنة الْكرَى فلثمتُهحَتَّى تَبَدَّلَ بالشقيقِ السَوْسَنُ
ووردتُ كَوْثَر ثَغْرِه فحسبتُنيفِي جَنّةٍ من وَجْنتيه أسْكنُ
مَا راعني إلاّ بِلال الخالِ غَوقَ الخدِّ فِي صُبح الجَبين يُؤَذّنُ
قلت هُوَ مثل قَول الحاجري من الطَّوِيل
أقامَ بِلال الخالِ فِي صحنِ خدّهيُراقِبُ من لألاء غرّته الفجرا
وَهَذَا أحسن من الأول وَأَخذه جمال الدّين ابْن نباتة فَقَالَ من الْبَسِيط
وانْظُرْ إِلَى الخالِ فَوْقَ الثغرِ دون لمىًتجدْ بِلَالًا يُرَاعِي الصُّبْح فِي السحرِ
وَمن شعر عفيف الدّين التلمساني من قصيدة من الطَّوِيل
كأنّ الأقاحِي والشقيقُ تقابلاخُدودٌ جلاهنّ الصِبّى ومباسمُ
كأنَّ بِهَا للنرجس الغَضِّ أعْيُناًتَنَبَّهَ مِنْهَا البَعْضُ والبَعْضُ نائمُ
كأنَّ ظِلال القُضْبِ فوقَ غَديرِهاإِذا اضطربَتْ تَحْتَ الرِياحِ أراقِمُ
كأنَ عِناء الْوَرق ألحانُ مَعبَدٍإِذا رقصتْ تِلْكَ القُدود النواعمُ
كأنّ نِثار الشَّمْس تَحْتَ غُصونِهادنانيرُ فِي وقتٍ داراهمُ
كأنّ بِهَا الغُدرانَ تَحْتَ جداولٍمُتونُ دُروعٍ أُفرغتْ وصوارمُ
)
كأنّ ثِماراً فِي غصونٍ تَوَسْوَسَتْلعارضِ خفّاقِ النسيم تمائمُ
كأنّ القُطوف الدانياتِ مواهبٌفَفِي كلّ غُصْنٍ ماسَ فِي الدَوحِ ماتَمُ
قلت شعر جيّد إِلَى الْغَايَة وَقَدْ جمعتُ ديوانه ورتَبته عَلَى الْحُرُوف مقفى عَلَى الرّفْع وَالنّصب والجرّ والسكون
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع