من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
القَاضِي أَبُو الطّيب الطَّبَرِيّ
طَاهِر بن عبد الله بن طَاهِر بن عبد الله بن عمر القَاضِي أَبُو الطّيب الطَّبَرِيّ الْفَقِيه الشَّافِعِي كَانَ ثِقَة صَادِقا عَارِفًا بالأصول وَالْفُرُوع محققاً حسن الْخلق صَحِيح الْمَذْهَب قَالَ الْخَطِيب اخْتلفت إِلَيْهِ وعلقت عَنهُ الْفِقْه سِنِين قَالَ القَاضِي أَبُو بكر ابْن بكران الشَّامي قلت للْقَاضِي أبي الطّيب شَيخنَا وَقد عمر لقد متعت بجوارحك أَيهَا الشَّيْخ فَقَالَ وَلم لَا وَمَا عصيت الله بِوَاحِدَة مِنْهَا قطّ أَو كَمَا قَالَ وَقَالَ غير وَاحِد سمعنَا أَبَا الطّيب يَقُول رأيتُ النبيَّ ﷺ فِي النّوم فَقلت يَا رَسُول الله أَرَأَيْت من روى عَنْك إِنَّك قلت نصر الله امْرَءًا سمع مَقَالَتي فوعاها الحَدِيث أَحَق هُوَ قَالَ نعم وَكَانَ الطَّبَرِيّ صَاحب وَجه فِي الْمَذْهَب وَمن غَرَائِبه أَن خُرُوج الْمَنِيّ ينْقض الْوضُوء وَمن ذَلِك أَن
الْكَافِر إِذا صلى فِي دَار الْحَرْب كَانَت صلَاته إسلاماً وَولد القَاضِي أَبُو الطّيب بآمل طبرستان سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وثلاثمائة وَتُوفِّي سنة خمسين وَأَرْبَعمِائَة عَن مائَة وسنتين وَلم يخْتل عقله وَلَا تغير فهمه يُفْتِي مَعَ الْفُقَهَاء ويستدرك عَلَيْهِم الْخَطَأ وَهُوَ أحد الْأَعْلَام وَكَانَ لَهُ قَمِيص وعمامة بَينه وَبَين أَخِيه إِذا خرج ذَاك من الْبَيْت قعد هَذَا وَإِذا خرج هَذَا قعد ذَاك ودخلوا عَلَيْهِ يَوْمًا فوجدوه عُريَانا مؤتزراً بمئزر فَاعْتَذر من العري وَقَالَ نَحن كَمَا قَالَ الشَّاعِر
قُم إِذا غسلوا ثِيَاب جمَالهمْلبسوا الْبيُوت إِلَى فرَاغ الْغَاسِل
وتفقه بآمل على الزجاجي صَاحب ابْن الْقَاص وَقَرَأَ على أبي سعيد الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأبي الْقَاسِم ابْن كج بجرجان ثمَّ ارتحل إِلَى نيسابور وَأدْركَ أَبَا الْحسن الماسرجسي وتفقه عَلَيْهِ ارْبَعْ سِنِين)
ثمَّ قدم بَغْدَاد وَحضر مجْلِس الشَّيْخ أبي حَامِد الإِسْفِرَايِينِيّ وَعَلِيهِ قَرَأَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ وَقَالَ فِي حَقه لم أر فِي من رَأَيْت أكمل اجْتِهَادًا وَأَشد تَحْقِيقا وأجود نظرا مِنْهُ
وَشرح مُخْتَصر الْمُزنِيّ وفروع ابْن الْحداد وصنف فِي الْأُصُول وَالْمذهب وَالْخلاف ولجدل كتبا كَثِيرَة واستوطن بَغْدَاد وَولي الْقَضَاء بِربع الكرخ بعد موت أبي عبد الله الصَّيْمَرِيّ وَلم يزل على الْقَضَاء إِلَى أَن توفّي بِبَغْدَاد رَحمَه الله تَعَالَى وَكتب إِلَى أبي الْعَلَاء المعري لما أَن قدم بَغْدَاد وَنزل فِي سويقة غَالب
وَمَا ذَات در لَا يحل لحالبتنَاوله وَاللَّحم مِنْهَا مُحَلل
لمن شَاءَ فِي الْحَالين حَيا وَمَيتًاوَمن رام شرب الدّرّ فَهُوَ مضلل
إِذا طعنت فِي السن فالطعم طيبوآكله عِنْد الْجَمِيع مُغفل
وخرفانها للْأَكْل فِيهَا كزازةفَمَا لحصيف الرَّأْي فِيهِنَّ مأكل
وَمَا يجتني مَعْنَاهُ إِلَّا مبرزعليم بأسرار الْقُلُوب مُحَصل
فأملى المعري الْجَواب ارتجالاً على الرَّسُول
جوابان عَن هَذَا السُّؤَال كِلَاهُمَاصَوَاب وَبَعض الْقَائِلين مضلل
فَمن ظَنّه كرماً فَلَيْسَ بكاذبوَمن ظَنّه نخلا فَلَيْسَ يجهل
لحمومهما الأعناب وَالرّطب الَّذِيهُوَ الْحل والدر الرَّحِيق المسلسل
وَلَكِن ثمار النّخل وَهِي غضيضةتمر وغضن الْكَرم يجنى ويؤكل
يكلفني القَاضِي الْجَلِيل مسائلاًهِيَ النَّجْم قدرا بل أعز وأطول
وَلَو لم اجب عَنْهَا لَكُنْت بجهلهاجَدِيرًا وَلَكِن من يودك مقبل
فَأَجَابَهُ القَاضِي عَن ذَلِك بقوله
أثار ضميري من يعز نَظِيرهمن النَّاس طراً سابغ الْفضل مكمل
وَمن قلبه كتب الْعُلُوم بأسرهاوخاطره فِي حِدة النَّار مشعل
تساوى لَهُ سر الْمعَانِي وجهرهاومعضلها باد لَدَيْهِ مفصل
وَلما أقاد الْحبّ قاد منيعهأَسِيرًا بأنواع الْبَيَان مكبل
وقربه من كل فهم بكشفهوإيضاحه حَتَّى رَآهُ الْمُغَفَّل
وأعجب مِنْهُ نظمه الدّرّ مسرعاًومرتجلاً من غير مَا يتمهل
)
فَيخرج من بَحر ويسمو مَكَانَهُجلالاً إِلَى حَيْثُ الْكَوَاكِب تنزل
فهناه الله الْكَرِيم بفضلهمحاسنه والعمر فِيهَا مطول
فَأجَاب مرتجلاً إملاء على الرَّسُول
أَلا أَيهَا القَاضِي الَّذِي بدهائهسيوف على أهل الْخلاف تسلل
فُؤَادك معمور من الْعلم آهلوَجدك فِي كل الْمسَائِل يقبل
فَإِن كنت بَين النَّاس غير ممولفَأَنت من الْفَهم المصون ممول
إِذا أَنْت خاطبت الْخُصُوم مجادلاًفَأَنت وهم مثل الحمائم أجدل
كَأَنَّك من فِي الشَّافِعِي مُخَاطبوَمن قلبه تملي فَمَا تتمهل
وَكَيف يرى علم ابْن إِدْرِيس دارساًوَأَنت بإيضاح الْهدى متكفل
تفضلت حَتَّى ضَاقَ ذرعي بشكر مَافعلت وكفي عَن جوابك أجمل
لإنك فِي كنه الثريا فصاحةوَأَعْلَى وَمن يَبْغِي مَكَانك أَسْفَل
وَهُوَ أَكثر من هَذَا
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع