تجاوز إلى المحتوى

من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

عبد الله بن عَبَّاس

حبر الْأمة ﵁ عبد الله بن عَبَّاس بن عبد الْمطلب بن هَاشم بن عبد منَاف بن قصي الْهَاشِمِي أَبُو الْعَبَّاس الحبر الْبَحْر ابْن عَم رَسُول الله ﷺ وَأَبُو الْخُلَفَاء ولد فِي شعب بني هَاشم قبل الْهِجْرَة بِثَلَاث سِنِين وَصَحب النَّبِي ﷺ ودعا لَهُ بالحكمة مرَّتَيْنِ وَقَالَ ابْن مَسْعُود نعم ترجمان الْقُرْآن ابْن عَبَّاس وروى عَن النَّبِي ﷺ وَأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وأُبي وَأَبِيهِ الْعَبَّاس وَأبي ذَر وَأبي سُفْيَان وَطَائِفَة من الصَّحَابَة وَقَالَ

مُجَاهِد مارأيت أحدا قطّ مثل ابْن عَبَّاس لقد مَاتَ يَوْم مَاتَ وَإنَّهُ لحبر هَذِه الْأمة وَكَانَ يُسمى الْبَحْر لِكَثْرَة علومه وَعَن عبيد الله بن عبد الله قَالَ كَانَ ابْن عَبَّاس قد فَاتَ النَّاس بخصالٍ بِعلم مَا سبق وَفقه مَا احْتِيجَ إِلَيْهِ وحلمٍ ونسبٍ ونائلٍ وَلَا رَأَيْت أحدا أعلم بِمَا سبقه من حَدِيث رَسُول الله ﷺ وَلَا بِقَضَاء أبي بكر وَعَمْرو وَعُثْمَان وَلَا أعلم بشعرٍ مِنْهُ وَتُوفِّي سنة ثمانٍ وَسِتِّينَ لِلْهِجْرَةِ وروى لَهُ الْجَمَاعَة أخرجه عبد الله ابْن الزبير إِلَى الطَّائِف وَبهَا توفّي وَهُوَ ابْن سبعين سنة وَقيل ابْن إِحْدَى وَسبعين سنة وَصلى عَلَيْهِ مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وَكبر عَلَيْهِ أَرْبعا وَقَالَ الْيَوْم مَاتَ رباني هَذِه الْأمة وَضرب على قَبره فسطاطاً

رُوِيَ من وجوهٍ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ اللَّهُمَّ علمه الْحِكْمَة وَتَأْويل الْقُرْآن فَفِي بعض الرِّوَايَات اللَّهُمَّ فقهه فِي الدّين وَعلمه التَّأْوِيل وَفِي حديثٍ اللَّهُمَّ بَارك فِيهِ وانشر مِنْهُ واجعله من عِبَادك الصَّالِحين وَفِي حَدِيث اللَّهُمَّ زده علما وفقهاً قَالَ ابْن عبد الْبر وَهِي كلهَا أَحَادِيث صِحَاح وَكَانَ عمر ﵁ يُحِبهُ ويدنيه ويقربه ويشاوره مَعَ جلة الصَّحَابَة

وَكَانَ عمر يَقُول ابْن عَبَّاس فَتى الكهول لَهُ لِسَان سئول وقلبٌ عقول وَقَالَ طَاوُوس أدْركْت نَحْو خَمْسمِائَة من الصَّحَابَة إِذا ذاكروا ابْن عَبَّاس فخالفوه لم يزل يقررهم حَتَّى ينْتَهوا إِلَى قَوْله وَقَالَ يزِيد بن الْأَصَم خرج مُعَاوِيَة حَاجا مَعَه ابْن عَبَّاس وَكَانَ لمعاوية موكبٌ وَلابْن عباسٍ موكب مِمَّن يطْلب الْعلم وَقَالَ عبد الله بن يزِيد الْهِلَالِي من الطَّوِيل

وَنحن ولدنَا الْفضل والحبر بعدهعنيتُ أَبَا الْعَبَّاس ذَا الْفضل والندى

وَفِيه يَقُول حسان بن ثَابت من الطَّوِيل

إِذا مَا ابْن عباسٍ بدا لَك وَجههرَأَيْت لَهُ فِي كل أَحْوَاله فضلا
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «إذا ما ابن عباس بدا لك وجهه»

)

إِذا قَالَ لم يتْرك مقَالا لقائلٍبمنتظماتٍ لَا ترى بَينهَا فضلا
كفى وشفى مَا فِي النُّفُوس فَلم يدعلذِي إربة فِي القَوْل جدا وَلَا هزلا
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «إذا ما ابن عباس بدا لك وجهه»

وَمر عبد الله بن صَفْوَان يَوْمًا بدار عبد الله بن عَبَّاس فَرَأى فِيهَا جمَاعَة من طالبي الْفِقْه وَمر بدار عبيد الله بن الْعَبَّاس فَرَأى فِيهَا جمعا يتناوبونها للطعام فَدخل على ابْن الزبير فَقَالَ لَهُ أَصبَحت وَالله كَمَا قَالَ الشَّاعِر من الْبَسِيط

فَإِن تصبك من الْأَيَّام قَارِعَةلم نبك مِنْك على دينا وَلَا دين

قَالَ وماذاك يَا أعرج قَالَ هَذَانِ ابْنا الْعَبَّاس أَحدهمَا يفقه النَّاس وَالْآخر يطعم النَّاس فَمَا أبقيا ذَلِك لَك مكرمَة فَدَعَا عبد الله بن مُطِيع وَقَالَ لَهُ إنطلق إِلَى ابْني عَبَّاس فَقل لَهما يَقُول لَكمَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أخرجَا عني أَنْتُمَا وَمن انضوى إلَيْكُمَا من أهل الْعرَاق وَإِلَّا فعلت وَفعلت فَقَالَ عبد الله بن عَبَّاس وَالله مَا يأتينا من النَّاس إِلَّا رجلَانِ رجل يطْلب فقهاً ورجلٌ يطْلب فضلا فَأَي هذَيْن نمْنَع وَكَانَ ابْن عَبَّاس قد عمي آخر عمره وَرُوِيَ عَنهُ أَنه رأى رجلا مَعَ النَّبِي ﷺ فَلم يعرفهُ فَسَأَلَ النَّبِي ﷺ عَنهُ فَقَالَ لَهُ أرأيته قَالَ نعم قَالَ ذَاك جِبْرِيل ﵇ أما إِنَّك ستفتقد بَصرك فَعميَ فِي آخر عمره فَهُوَ الْقَائِل فِيمَا رُوِيَ عَنهُ من الْبَسِيط

إِن يَأْخُذ الله من عَيْني نورهمافَفِي لساني وقلبي مِنْهُمَا نور
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «إن يأخذ الله من عيني نورهما»
قلبِي ذكيٌّ وعقلي غير ذِي دخلٍوَفِي فمي صارمٌ كالسيف مأثور
للشاعر الخُرَيْمي، اقرأ القصيدة

وَرُوِيَ أَن طائراً أَبيض خرج من قَبره فتأولوه علمه خرج إِلَى النَّاس وَيُقَال بل دخل قَبره طَائِر أَبيض فَقيل إِنَّه بَصَره بالتأويل وَقيل جَاءَ طَائِر أَبيض فَدخل نعشه حِين حمل فَمَا رُئي خَارِجا مِنْهُ وَشهد عبد الله بن عَبَّاس الْجمل وصفين والنهروان مَعَ عَليّ بن طَالب

حفيد وَزِير الرشيد عبد الله بن الْعَبَّاس بن الْفضل بن الرّبيع بن يُونُس كَانَ الْفضل وَزِير الرشيد هَارُون وحفيده هَذَا عبد الله كَانَ مَوْصُوفا بالبراعة مليح الشّعْر والغناء قَالَ إِبْرَاهِيم الرَّقِيق فِي كتاب الأغاني كَانَ عبد الله يَقُول كنت أول من ضرب الكنكلة وَهِي طنبور بِثَلَاثَة أوتار قَالَ فغنيت عَلَيْهَا بِشعر الأعشي من المتقارب

أَتَانِي يؤامرني فِي الصبوح لَيْلًا فَقلت لَهُ غادها

)

فَأَخَذته مني صبية كَانَت بحذاء الْفضل فَوَهَبَهَا لإِبْرَاهِيم الْموصِلِي فغنته لَهُ فَأَخذه عَنْهَا

فَقَالَ أَنِّي لَك هَذَا قَالَت أَخَذته عبد الله بن عَبَّاس قَالَ فغناه الرشيد فَقَالَ مِمَّن يَقُول هَذَا الصَّوْت قَالَ يَقُوله بعض مواليك قَالَ مَن مِنْ موَالِي يحسن مثل هَذَا وَلَا أعرفهُ قَالَ فَخفت الْفضل وَلم أجد من إِعْلَام الرشيد بدا فعرفته أمره فَقَالَ للفضل أحضرني ابْن ابْنك وعرفه الْخَبَر فَقَالَ وولائك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا علمت بِشَيْء من هَذَا إِلَّا فِي سَاعَتِي هَذِه فَانْصَرف وَدَعَانِي وَقَالَ بلغ من أَمرك أَن تجترئ عَليّ حَتَّى تصنع الْغناء ويغنيه المغنون للخليفة وَأَنا لَا أعلم بشيءٍ من أَمرك فَجعلت أعْتَذر إِلَيْهِ وَسَأَلته أَن يمْتَحن أدبي فِي كل بابٍ أَمر ان أودب فِيهِ فَأمرنِي ان أغنيه بعض مَا أروي وَقَالَ إِنَّمَا أكره أَن تلهج بِالْغنَاءِ وتقصر فِيهِ فنفتضح قَالَ فغنيته صَوتا فَقبل رَأْسِي وضمني إِلَيْهِ ثمَّ صَار بِي إِلَى الرشيد فغنيته فَأمر لي بِعشْرَة آلَاف دينارٍ فقبضها الْفضل وَقَالَ لَهُ الرشيد إشتر لَهُ بهَا ضيغة فَمَا زلت من ندماء الرشيد وَأَنا غُلَام مَا اتَّصل عارضاي وَبَقِي عبد الله إِلَى أَيَّام المتَوَكل وَكَانَ قد حلف أَن لَا يُغني إِلَّا خَليفَة أَو ولي عهدٍ واصطبح ثَلَاثِينَ سنة اصطباحاً دَائِما لَا يقطعهُ وَمن شعره وتلحينه من الطَّوِيل

صباحي صبوحي قد ظمئت إِلَى الكاسوتقت إِلَى النسرين والورد والآس
فَلَا طلعت شمسٌ على غير لذةٍصبوحي جديدٌ فاسقياني من الراس

مِنْهُ أَيْضا من الطَّوِيل

أَلا قل لمن بالجانبين بأننيمَرِيض عداني عَن زيارتهم مَا بِي
وَلَو بهم بعض الَّذِي بِي لزرتهموحاشاهم من طول ضري وأوصابي

أَمِين الدّين ابْن شقير عبد الله بن عبد الْأَحَد بن عبد الله بن سَلامَة بن خَليفَة القَاضِي أَمِين الدّين بن شقير الْحَرَّانِي

كَانَ من خير النَّاس وأجودهم من أكَابِر بيُوت حران أَقَامَ بِدِمَشْق وَطلب إِلَى مصر وصودر فِي الدولة الظَّاهِرِيَّة ووكله بعض الْأُمَرَاء المصريين بِالشَّام وَاقْتصر على وكَالَة الْأَمِير عَلَاء الدّين طيبرس الوزيري وَأقَام يتحدث لوَرثَته إِلَى آخر وقتٍ وَكَانَ فِيهِ مروءةٌ لمن يَقْصِدهُ

وَتُوفِّي ﵀ سنة ثمانٍ وَسَبْعمائة وَنقل إِلَى الْقُدس وَدفن بِهِ

النَّحْوِيّ)

عبد الله بن عبد الْأَعْلَى هُوَ أحد أَصْحَاب أبي عَليّ الْفَارِسِي

صَحبه وَخرج مَعَه إِلَى فَارس وإصبهان وَكَانَ عبد الْأَعْلَى أَبوهُ من كبار أَصْحَاب الحَدِيث بِبَغْدَاد صلى ابْنه عبد الله وَكبر عَلَيْهِ خمْسا فَلَمَّا انْصَرف من الصَّلَاة عَلَيْهِ قيل لَهُ قد أظهرت الْيَوْم خلاف مذهبك فَقَالَ للنَّاس إعلموا أنني لَو تركت ورأيي لَكُنْت أكبر عَلَيْهِ تَكْبِيرَة وَبعد تكبيرةٍ وأخصه بأدعيةٍ بعد أدعية من نيةٍ صَادِقَة وطويةٍ صافيةٍ فقد وقذني فِرَاقه ولذعني انطلاقه ثمَّ بَكَى وافرط وشهق شهقةً وَأَنْشَأَ يَقُول من الطَّوِيل

صحبتك قبل الرّوح إِذْ أَنا نطفةٌمصانٌ فَلَا يَبْدُو لخلقٍ مصونها
فَمَاذَا بَقَاء الْفَرْع من بعد أَصلهستلقى الَّذِي لَاقَى الْأُصُول غصونها
للشاعر عبد الله بن عبد الأعلى الشيباني، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الْعين

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.