من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
ابْن عبد الْمجِيد (٢)
عبد الْبَاقِي بن عبد الْمجِيد بن عبد الله بن أبي الْمَعَالِي مَتى بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عِيسَى بن يُوسُف تَاج الدّين اليمني المَخْزُومِي الْمَكِّيّ ولد بِمَكَّة لمضي اثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة من رَجَب سنة ثَمَانِينَ وست مائَة وَتُوفِّي فِي أَوَاخِر سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَسبع مائَة أَو أَوَائِل سنة أَربع وَأَرْبَعين بالديار المصرية ورد إِلَى دمشق أَيَّام الأفرم وَأقَام بهَا متصدراً بالجامع فِي أَيَّام الْأَمِير سيف الدّين تنكز مُدَّة سبع سِنِين يقرئ الطّلبَة المقامات الحريرية وَالْعرُوض وَغير ذَلِك من عُلُوم الْأَدَب وَقرر لَهُ على ذَلِك مائَة دِرْهَم فِي كل شهر على مَال الْجَامِع الْأمَوِي ثمَّ توجه إِلَى الْيمن وَكتب الدرج لصَاحب الْيمن وَرُبمَا وزر لَهُ ثمَّ لما مَاتَ الْملك الْمُؤَيد صادره وَلَده وَأخذ مِنْهُ مَا حصله ثمَّ ورد إِلَى مصر سنة ثَلَاثِينَ وفوض إِلَيْهِ تدريس المشهد النفيسي وَشَهَادَة البيمارستان المنصوري ثمَّ قدم دمشق ورأيته بهَا فِيمَا أَظن سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ ثمَّ)
عَاد إِلَى الْقَاهِرَة ورأيته بهَا سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ ثمَّ قدم دمشق ورتب مصدرا بِالْحرم فِي الْقُدس فَأَقَامَ بِهِ مُدَّة وَتردد إِلَى دمشق وحلب وطرابلس وَعمل لَهُ راتب بطرابلس
ثمَّ توجه إِلَى الْقَاهِرَة وأباع وظائفه وَبهَا توفّي رَحمَه الله تَعَالَى
وَكَانَ شَيخا طوَالًا حسن الشكل والعمة حُلْو الْوَجْه اجْتمعت بِهِ غير مرّة وَكَانَ قَادِرًا على النّظم والنثر إِلَّا أَنه لم يكن لَهُ فيهمَا غوص وَكَانَ ظنيناً بِنَفسِهِ يعيب كَلَام القَاضِي الْفَاضِل وَغَيره ويظن أَن كَلَامه خير من كَلَام القَاضِي الْفَاضِل ويرجح كَلَام ابْن الْأَثِير عَلَيْهِ
وعارض الرسائل المختارة للْقَاضِي الْفَاضِل مثل الرسَالَة الذهبية وَفتح الْقُدس وَغَيرهمَا فعارض الشَّمْس بالزبالة والجواهر بالزبالة لَكِن كَلَامه كَانَ متوسطاً وَهُوَ قَادر على الْإِنْشَاء نظماً ونثراً ذُو بديهة وارتجال وخطه جيد قوي عمل تَارِيخا لليمن وتاريخاً للنحاة لَيْسَ بِشَيْء وذيل على تَارِيخ ابْن خلكان بذيل قصير جدا رَأَيْته لم يبلغ بِهِ ثَلَاثِينَ رجلا وَكَانَ يعظم نَفسه ويمدحها ولكلامه وَقع فِي النُّفُوس إِذا أطنب فِي وصف فضائله وأنشدني من كَلَامه كثيرا وَكتب عَليّ أَشْيَاء وقف عَلَيْهَا من تصانيفي تقريظاً بالنظم والنثر فَمن ذَلِك مَا كتبه على جنان الجناس الطَّوِيل
جنان جناس فاق جنس جنانيعين الْمعَانِي فِيهِ جلّ مَعَاني
لقد نوع الْأَجْنَاس فِيهِ مؤلفطرائق وشي أَو سموط جمان
غَدا ناهجاً فِيهِ مناهج لم يكنقدامَة قدماً جاءها بِبَيَان
مَقَاصِد مَا نجل الْأَثِير مثيرهابَدَائِع فضلٍ من بديع زمَان
محررة الْأَلْفَاظ لَكِن حسنهارَقِيق ينسينا حليل حسان
إِذا ابْن فَتى نجل الْحَدِيد أرادهاتَقول لَهُ أقصر فلست بدان
وَمَا أَنْت مِمَّن يسبك التبر ناقداًوَمَا لَك فِي سبك النضار يدان
لقد أطربت أبياته كل سامعفرائد مَا جَاءَت لَهُنَّ ثوان
تفوح بأرواح الصِّبَا نفحاتهاحَظِيرَة بَان عِنْد حَضْرَة بَان
لقد صير الحساد تذرف عِنْدهَامدامع شَأْن فِي محاجر شان
أَقُول لنظمي حِين حاول شأوهارفيقك قيسي وَأَنت يمَان
بقيت صَلَاح الدّين للفضل صَالحالحسن بَيَان من يراع بنان
)
وأنشدني من لَفظه لنَفسِهِ الوافر
تجنب أَن تذم بك اللَّيَالِيوحاول أَن يذم لَك الزَّمَان
وَلَا تحفل إِذا كملت ذاتاًأصبت الْعِزّ أم حصل الهوان
وأنشدني لنَفسِهِ أَيْضا الْكَامِل
بخلت لواحظ من رَأينَا مُقبلابرموزها ورموزهن سَلام
فعذرت نرجس مقلتيه لِأَنَّهُيخْشَى العذار فَإِنَّهُ نمام
قلت أَخذه من الأول وَهُوَ أحسن وأكمل المديد
لافتضاحي فِي عوارضهسَبَب وَالنَّاس نوام
كَيفَ يخفى مَا أكابدهوَالَّذِي أهواه نمَّام
وأنشدني لنَفسِهِ فِي حمَار وَحش السَّرِيع
حمَار وَحش نقشه معجبفَلَا يضاهي حسنه فِي الملاح
قد غَدا فِي حسنه أوحداًتشاركا فِيهِ الدجى والصباح
قلت فِيهِ إِضْمَار قبل الذّكر وَلَا يجوز إِلَّا على لُغَة من قَالَ أكلوني البراغيث وَأحسن من هَذَا قَول الْقَائِل فِي فَهد الْبَسِيط
تنافس اللَّيْل فِيهِ وَالنَّهَار مَعًافقمصاه بجلباب من الْمقل
وأنشدني لنَفسِهِ أَيْضا وَقد ركب الْمُؤَيد فيلاً الْبَسِيط
الله أولاك يَا دَاوُد مكرمَةورتبةً مَا أَتَاهَا قبل سُلْطَان
ركبت فيلاً فظل الْفِيل ذَا رهجٍمُسْتَبْشِرًا وَهُوَ بالسُّلطان فرحان
لَك الْإِلَه أذلَّ الْوَحْش أجمعههَل أَنْت دَاوُد فِيهِ أم سُلَيْمَان
وأنشدني لنَفسِهِ يهجو عدن الْكَامِل
عدن إِذا رمت الْمقَام بربعهافَلَقَد أَقمت على لهيب الهاوية
بلد خلا عَن فَاضل وصدورهأعجاز نخل إِذْ ترَاهَا خاوية
وأنشدني لنَفسِهِ مَا قَالَه وَقد زار جمال الدّين مُحَمَّد بن نباتة الشَّاعِر بِدِمَشْق فَرَأى فِي بَيته نملاً كثيرا الْبَسِيط
مَا لي أرى منزل الْمولى الأديب بِهِنمل تجمع فِي أرجائه زمرا
)
فَقَالَ لَا تعجبن من نمل منزلهفالنمل من شَأْنهَا أَن تتبع الشعرا
وأنشدني لنَفسِهِ أَيْضا الْبَسِيط
لَا أعرف النّوم فِي حَالي جَفا ورضىكَأَن جفني مطبوع من السهد
فليلة الْوَصْل تمْضِي كلهَا سمراًوَلَيْلَة الهجر لَا أغفي من الكمد
وأنشدني لنَفسِهِ الرجز
لَو لم تكن وجرة منشا عفرهامَا طَابَ وصف نورها وغفرها
منَازِل لَوْلَا الصِّبَا مَا شاقنينور أقاحيها وظل سدرها
إِن المغاني كالغواني لم تزلمعشوقة تصبي بِحسن ذكرهَا
علام أَهْوى منزلا مَا عطرتفجاجه سلمى بنشر عطرها
وَلَا غَدَتْ تسحب ذيل مرْطهَافِيهِ وَلَا مدت حبال خدرها
بهنانة قد ملكت لمهجتيقلبِي وَأمسى فِي أَلِيم أسرها
مرت على الْوَادي فَمَال نَحْوهَاأراكه يَبْغِي ارتشاف ثغرها
وراعها مِنْهُ الْحَصَى فسيرتيَمِينهَا تكشف عقد نحرها
غزالة إِن سفرت لناظررَأَيْت ليلى فِي فروع شعرهَا
تملي على خلْخَالهَا شكايةمن ردفها مَرْفُوعَة عَن خصرها
يَا حبذا مِنْهَا أصيل وَصلهَالَو لم ينغصه هجير هجرها
سَارَتْ بهَا فوارس من وَائِلقد أطلعت كواكباً من سمرها
وخلفتني فِي الديار نَادِيًاأبْكِي طلول رسمها وعقرها
اعملت فِي طلابها رواحلاًبوخدها تفري أَدِيم قفرها
وَاللَّيْل مثل غادة زنجيةقد زانها عشاقها بدرها
وصفحة الْأُفق كَمثل روضةٍتبدو لنا أنوارها من نورها
وَله الطَّوِيل
لَعَلَّ رَسُولا من سعاد يزورفيشفي وَلَو أَن الرسائل زور
يخبرنا عَن غادة الْحَيّ هَل ثوتوَهل ضربت بالرقمتين خدور
وَهل سنحت فِي الرَّوْض غزلان عالجوَهل أثله بالساريات مطير
)
ديار لسلمى جادها واكف الحياإِذا ذكرت خلت الْفُؤَاد يطير
كَأَن غنا الورقاء من فَوق دوحهاقيان وأوراق الغصون ستور
تمايل فِيهَا الْغُصْن من نشوة الصِّبَاكَأَن عَلَيْهِ بالسلاف تدير
مَتى أطلعت فِيهِ الغمائم أنجماًتلوح وَلَكِن بالأكف تغور
إِذا اقتطفتها الغانيات رَأَيْتهَانجوماً جنتها فِي الصَّباح بدور
وَفِي الكلة الوردية اللَّوْن غادةأَسِير لَدَيْهَا الْقلب حَيْثُ تسير
بعيدَة مهوى القرط أما أثيثهافضاف وَأما خطوها فقصير
من العطرات الْعرف مَا زَان فرقهاذرور وَلَا شَاب الثِّيَاب بخور
حمتها كماةٌ من فوارس عامرٍضراغمة يَوْم الْهياج ذُكُور
فَمَا الْحبّ إِلَّا حَيْثُ تشتجر القناوللأسد فِي أرجائهن زئير
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع