من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
الصاحب ابْن أبي جَرَادَة
عبد الرَّحْمَن بن عمر بن أَحْمد بن هبة الله بن أبي جَرَادَة الصاحب قَاضِي الْقُضَاة مجد الدّين أَبُو الْمجد ابْن الصاحب الْعَلامَة كَمَال الدّين أبي الْقَاسِم ابْن العديم الْعقيلِيّ الْحلَبِي الْحَنَفِيّ
ولد سنة ثَلَاث عشرَة أَو قَرِيبا مِنْهَا وَتُوفِّي سنة سبع وَسبعين وست مائَة سمع من ثَابت بن مشرف حضوراً وَعَن عمر بن أَبِيه القَاضِي أبي غَانِم هبة الله وَأبي مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن علوان وَأبي حَفْص الشهروزدي وَعبد الرَّحْمَن بن بصلا وَابْن شَدَّاد وَالْحَاكِم وَعبد اللَّطِيف بن يُوسُف وَابْن زوزيه وَابْن اللتي وَأبي الْحسن ابْن الْأَثِير وَجَمَاعَة بحلب وَجَمَاعَة بِمَكَّة وَجَمَاعَة بِدِمَشْق وَجَمَاعَة بِبَغْدَاد وَجَمَاعَة بِمصْر وَجَمَاعَة بالإسكندرية وَقَرَأَ بالسبع على الفاسي وَخرج لَهُ ابْن الظَّاهِرِيّ معجماً فِي مجلدة وَأَجَازَ لَهُ الْمُؤَيد الطوسي
وَكَانَ صَدرا مُعظما محتشماً ذَا دين وَتعبد وأوراد وسيرة حميدة لَوْلَا مَا كَانَ فِيهِ من التيه)
وَكَانَ إِمَامًا مفتياً مدرساً عَالما بِالْمذهبِ عَارِفًا بالأدب وَهُوَ أول حَنَفِيّ ولي خطابة جَامع الْحَاكِم ودرس بظاهرية الْقَاهِرَة وحضره السُّلْطَان وَهُوَ لم يَأْتِ بعد فَطَلَبه السُّلْطَان فَقيل حَتَّى يقْضِي ورد الضُّحَى ثمَّ جَاءَ وَقد تَكَامل النَّاس فَقَامَ كلهم وَلم يقم هُوَ لأحد ثمَّ قدم على قَضَاء الشَّام وَهُوَ بزِي الوزراء والرؤساء لم يعبأ بالمنصب وَلَا غير زيه وَلَا وسع كمه وَمر بوادي الربيعة وَهُوَ مخوف فَنزل وَصلى ورده وَلما فرغ ركب وَسَار وَكَانَ يتواضع للصالحين ويعتقد فيهم ودرس بِدِمَشْق فِي عدَّة مدارس وَسمع مِنْهُ
ابْن الظَّاهِرِيّ والدمياطي والحارثي وَشرف الدّين الْحسن بن الصَّيْرَفِي وقطب الدّين بن الْقُسْطَلَانِيّ وبهاء الدّين يُوسُف بن العجمي وَابْن الْعَطَّار وَابْن جعوان وَجَمَاعَة وَأَجَازَ للشَّيْخ شمس الدّين مروياته وَتُوفِّي فِي سادس عشر شهر ربيع الآخر من السّنة الْمَذْكُورَة وَدفن بتربته قبالة جوسق ابْن العديم عِنْد زَاوِيَة الحريري وَكَانَ يَوْمًا مشهوداً ورثاه الشُّعَرَاء مِنْهُم الْعَلامَة شهَاب الدّين مَحْمُود بقصيدتين إِحْدَاهمَا أَولهَا الوافر
أقِم يَا ساري الْخطب الذميمفقد أدْركْت مجد بني العديم
هدمت وَكنت تقصر عَنهُ بَيْتالَهُ شرف يطول على النُّجُوم
قصدت ذَوي الْجمال فعاجلتهميداك بِحل عقدهم النظيم
أَتَدْرِي من أصبت وَكَيف أمستبك العلياء دامية الكلوم
وَكَيف رفعت قدر الْجَهْل لماخفضت مَنَارَة أَعْلَام الْعُلُوم
ومكنت الصغار من الْأَيَامَىوسلطت الشظاء على الْيَتِيم
وَلم تتْرك لوفد الرفد أَيديشطاك سوى الْبكاء على الرسوم
عثرت وَقد ضللت بطود علمأما تمشي على السّنَن القويم
بِمن أودى بِصَرْف الدَّهْر قدماًفثار عَلَيْهِ للثأر الْقَدِيم
بِمن بسط الندى فَأَفَاضَ عدلايكف اللَّيْث عَن ظلم الظلوم
صَحِيح الزّهْد غَادَرَهُ تقاهوَخَوف الله كالنضو السقيم
فكم قد بَات وَهُوَ من الْخَطَايَاسليم النَّفس فِي ليل السَّلِيم
وَكم أورى هداه المستضيءوَكم أروى نداه غليل هيم
مضى وسراح منزله الثرياومورد بَيته قلب الغيوم
)
وودع وَالثنَاء على علاهُيفوق مضاعف النبت العميم
وساد وَكَانَ للفضلاء مِنْهُحنو المرضعات على الْيَتِيم
وَغَابَ فأعدم الأسماع لفظاأرق من المدامة للنديم
أمجد الدّين دَعْوَة مستنيملأنواع الكآبة مستديم
حللت من الْجنان أجل دَاروقلبي حل بعْدك فِي الْجَحِيم
فَمَا لي غير حزني من صديقوَلَا غير المدامع من حميم
إِذا مَا شام نوء الْأنس طرفِيليمطرني اهتمامي بالهموم
سقاك من الْجنان رحيق لطفيدار عَلَيْك مفضوض الختوم
وَلَا بَرحت ركاب المزن تسريإِلَى مثواك مُطلقَة الرسيم
ورثاه بقصيدة أُخْرَى جَيِّدَة جَاءَ مِنْهَا أخيراً الطَّوِيل
أَمر على مغناه كي يذهب الأسىكعادته الأولى فيغري وَلَا يُغني
وتنثر عَيْني لؤلؤاً كَانَ كلمايساقطه من فِيهِ تلقطه أُذُنِي
وأحسد عجم الطير فِيهِ لِأَنَّهَاتزيد على إِعْرَاب لَفْظِي باللحن
وَأقسم أَن الْفضل مَاتَ لمَوْتهويخطر فِي ذهني أَخُوهُ فأستثني
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع