من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
إِمَام الْحَرَمَيْنِ
عبد الْملك بن عبد الله بن يُوسُف بن عبد الله بن يُوسُف بن مُحَمَّد ابْن حيويه إِمَام الْحَرَمَيْنِ أَبُو الْمَعَالِي ابْن الإِمَام أبي مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ الْفَقِيه الملقب ضِيَاء الدّين رَئِيس الشَّافِعِيَّة قَالَ السَّمْعَانِيّ كَانَ إِمَام الْأَئِمَّة على الْإِطْلَاق الْمجمع على إِمَامَته شرقاً وغرباً لم تَرَ الْعُيُون مثله
ولد سنة تسع عشرَة وَأَرْبع ماية فِي الْمحرم وَتُوفِّي فِي الْخَامِس وَالْعِشْرين من ربيع الآخر سنة ثَمَان وَسبعين وَأَرْبع ماية وَدفن فِي دَاره ثمَّ نقل بعد سِنِين إِلَى مَقْبرَة الْحُسَيْن وَدفن إِلَى جَانب أَبِيه وَكسر منبره فِي الْجَامِع وأغلقت الْأَسْوَاق وَكَانَ لَهُ نَحْو أربه ماية تلميذ فكسروا محابرهم وأقلامهم وطافوا فِي الْبَلَد ناحبين عَلَيْهِ مبالغين فِي الصياح والجزع وَأَقَامُوا على ذَلِك حولا وَوضع المناديل على الرؤوس عَاما بِحَيْثُ إِنَّه مَا اجترأ أحد على ستر رَأسه من الرؤوس والكبار وَصلى عَلَيْهِ ابْنه أَبُو الْقَاسِم بعد جهد وَأكْثر الشُّعَرَاء فِي مراثيه
وَكَانَ قد تفقه على وَالِده فَأتى على جَمِيع مصنفاته وَتُوفِّي أَبوهُ وَله عشرُون سنة فَأقْعدَ مَكَانَهُ للتدريس وَكَانَ يدرس وَيخرج إِلَى مدرسة الْبَيْهَقِيّ وَأحكم الْأُصُول على أبي الْقَاسِم الإِسْفِرَايِينِيّ الإسكاف وتفقه بِهِ جمَاعَة من الْأَئِمَّة وَسمع من أَبِيه وَمن أبي حسان
مُحَمَّد بن أَحْمد الْمُزَكي وَأبي سعيد النصروي وَمَنْصُور بن رامش وَآخَرين وَكَانَ مَعَ تبحره وفضله لَا علم لَهُ بِالْحَدِيثِ ذكر فِي كتاب الْبُرْهَان حَدِيث معَاذ فِي الْقيَاس فَقَالَ هُوَ مدون فِي الصِّحَاح مُتَّفق على صِحَّته كَذَا قَالَ وأنى لَهُ الصِّحَّة ومداره على الْحَارِث بن عَمْرو ومجهول عَن رجال من أهل مصر لَا يدْرِي من هم عَن معَاذ
وَقَالَ الْمَازرِيّ ﵀ فِي شرح الْبُرْهَان فِي قَوْله إِن الله يعلم الكليات لَا الجزئيات وددت لَو محوتها بدمي أَبُو بدمع عَيْني قلت أَنا أحاشي إِمَام الْحَرَمَيْنِ عَن القَوْل بِهَذِهِ الْمَسْأَلَة وَالَّذِي أَظُنهُ أَنَّهَا دست فِي كَلَامه ووضعها الحسدة لَهُ على لِسَانه كَمَا وضع كتاب الْإِبَانَة على لِسَان الشَّيْخ أبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ وَهَذِه الْمَسْأَلَة فلسفة صرفة كَيفَ يَقُول بهَا أشعري وَسَائِر قَوَاعِده تخَالف القَوْل بهَا أَخْبرنِي من لَفظه الإِمَام الْعَلامَة قَاضِي الْقُضَاة تَقِيّ الدّين السُّبْكِيّ)
الشَّافِعِي قَالَ كَانَ الشَّيْخ عَلَاء الدّين القونوي يَقُول إِذا كَانَ الْأَمر على مَا ذكره إِمَام الْحَرَمَيْنِ فَأَي حَاجَة كَانَت بِهِ إِلَى أَن أضاع الزَّمَان فِي وضع نِهَايَة الْمطلب أَو كَمَا قَالَ
لَهُ كتاب نِهَايَة الْمطلب فِي دارية الْمَذْهَب فِي عشْرين مجلدة وَهُوَ كتاب جليل مَا فِي الْمَذْهَب مثله وَفِيه إشكالات لم تنْحَل والإرشاد فِي أصُول الدّين والرسالة النظامية فِي الْأَحْكَام الإسلامية والشامل فِي أصُول الدّين والبرهان فِي أصُول الْفِقْه ومدارك الْعُقُول وَلم يتمه وغياث الْأُمَم فِي الْإِمَامَة ومغيث الْخلق فِي اخْتِيَار الأحق وغنية المسترشدين فِي الْخلاف
وَكَانَ إِذا أَخذ فِي علم الصُّوفِيَّة وشح الْأَحْوَال أبكى الحاضري وَجرى ذكره فِي مجْلِس قَاضِي الْقُضَاة أبي سعيد الطَّبَرِيّ فَقَالَ أحد الْحَاضِرين بِأَنَّهُ تلقب بِإِمَام الْحَرَمَيْنِ فَقَالَ القَاضِي بل هُوَ إِمَام خُرَاسَان وَالْعراق لفضله وتقدمه فِي أَنْوَاع الْعُلُوم وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الفيروزأبادي تمَتَّعُوا بِهَذَا الإِمَام فَإِنَّهُ نزهة هَذَا الزَّمَان وَحج وجاور بِمَكَّة أَربع سِنِين يدرس ويفني ويتعبد ثمَّ عَاد إِلَى نيسابور وَتَوَلَّى الْمدرسَة النظامية وَبَقِي ثَلَاثِينَ سنة غير مُزَاحم وَلَا مدافع مُسلم لَهُ الْمِحْرَاب والمنبر والخطابة والتدريس مجْلِس التَّذْكِير يَوْم الْجُمُعَة وَحضر درسه الأكابر وَكَانَ يقْعد بَين يَدَيْهِ كل يَوْم ثَلَاث ماية فَقِيه ودرس أَكثر تلامذته وَبنى لَهُ نظام الْملك الْمدرسَة النظامية بنيسابور يُقَال إِن وَالِده رَحمَه الله تَعَالَى كَانَ فِي أول عمره ينْسَخ
بِالْأُجْرَةِ فَاجْتمع لَهُ من كسب يَده شَيْء اشْترى بِهِ جَارِيَة مَوْصُوفَة بِالْخَيرِ وَالصَّلَاح وَلم يزل يطعهما من كسب يَده أَيْضا إِلَى أَن حملت بِإِمَام الْحَرَمَيْنِ وَهُوَ مُسْتَمر على تربيتها بمكسب الْحل فَلَمَّا وَضعته أوصاها أَن لَا تمكن أحدا من إرضاعه فاتفق أَنه دخل يَوْمًا عَلَيْهَا وَهِي متألمة وَالصَّغِير يبكي وَقد أَخَذته امْرَأَة من جيرانهم وشاغلته بثديها فرضع مِنْهَا قَلِيلا فَلَمَّا رَآهُ شقّ عَلَيْهِ ذَلِك وَأَخذه إِلَيْهِ ونكس رَأسه وَمسح على بَطْنه وَأدْخل إصبعه فِي فِيهِ وَلم يزل إِلَى أَن قاء جَمِيع مَا شربه وَهُوَ يَقُول يسهل عَليّ أَن يَمُوت وَلَا يفْسد طبعه بِشرب لبن غير أمه ويحكى عَن إِمَام الْحَرَمَيْنِ أَنه كَانَ يلْحقهُ فَتْرَة فِي بعض الأحيان فِي مجْلِس المناظرة وَيَقُول هَذَا من بقالا تِلْكَ الرضعة وَمن شعره
أصخ لن تنَال الْعلم إِلَّا بِسِتَّةسأنبيك عَن تفصيلها بِبَيَان
ذكاء وحرص وافتقار وغربةوتلقين أستاذ وَطول زمَان
)
وَمِمَّا وجدته مَنْسُوبا
إِذا سمته التَّقْبِيل صد بِوَجْهِهِوَقَالَ أما تخشى وَأَنت إِمَام
أتحسب رشف الرِّيق شَيْئا محللافريقي خمر والمدام حرَام
وَمِمَّا رثي رَحمَه الله تَعَالَى
قُلُوب الْعَالمين على المقاليوَأَيَّام الورى شبه اللَّيَالِي
أيثمر غُصْن أهل الْعلم يَوْمًاوَقد مَاتَ الإِمَام أَبُو الْمَعَالِي
وَقَالَ القَاضِي أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ الطَّبَرِيّ الْمدرس بثغر جنزة
يَا أَيهَا الناعي شمس الْمشرقبِأبي الْمَعَالِي نور دين مشرق
أنذرتني الدُّنْيَا قيام قِيَامَةفالشمس صَار مغيبها فِي الْمشرق
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع