من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
أَبُو الْحسن النَّحْوِيّ المغربي
عبد الْوَدُود بن عبد الْملك بن عِيسَى أَبُو الْحسن النَّحْوِيّ من أهل قرطبة كَانَ أديباً فَاضلا شَاعِرًا قدم بَغْدَاد وَأقَام بهَا مُدَّة وَقُرِئَ عَلَيْهِ الْأَدَب ذكره السلَفِي فِي مُعْجم شُيُوخه وَقَالَ إِن لَهُ قصيدة سائرة يهجو فِيهَا بعض الرؤساء أَولهَا
تسل فللأيام بشر وتعبيسوأيقن فَلَا النعمى تدوم وَلَا البوس
وَكَانَ يعشق صَبيا وضيء الْوَجْه بحلب فَكَانَ ذَلِك الصَّبِي إِذا غاضبه مضى إِلَى رجل آخر يَخْدمه مِثْلَمَا يخْدم عبد الْوَدُود ويعاشره فَإِذا رأى عبد الْوَدُود ذَلِك لَا يملك صبره وَيسْعَى بِكُل)
طَرِيق فِي رِضَاهُ فَغَضب مرّة وَذهب إِلَى ذَلِك الرجل وَكَانَ عطاراً فَمر عبد الْوَدُود بسوق الْعطر فَوجدَ الصَّبِي جَالِسا على دكان الْعَطَّار فَمَا ملك نَفسه أَن خر مغشياً عَلَيْهِ وَوَقع فِي وسط الطَّرِيق وَسَقَطت عمَامَته عَن رَأسه فبادر الصَّبِي وَرَفعه من الطين إِلَى دكان حَتَّى أَفَاق فَفتح عَيْنَيْهِ وَرَأى مَا حل بِهِ فَقَامَ وَأنْشد
لست أرْضى لَك يَا قلب بِأَن ترْضى بذلي
هَذِه إِن شِئْت أَنتسلو طَرِيق للتسلي
ثمَّ هجره بعد ذَلِك وَسَلاهُ وَلم يعد إِلَيْهِ بعْدهَا
قَالَ بَعضهم كَانَ أَبُو الْحسن الْقُرْطُبِيّ طَرَأَ على مصر وَكَانَ بهَا إِذْ ذَاك إِسْمَاعِيل بن حميد الْمَعْرُوف جده بقادوس فمدحه أَبُو الْحسن الْمَذْكُور بقصيدة جَيِّدَة فَمَا أَجدت وَلَا أفادت فَقَالَ
يشقى رجال ويشقى آخَرُونَ بهمويسعد الله أَقْوَامًا بِأَقْوَام
ولي رزق الله من حسن حيلتهلَكِن جدود بأرزاق وأقسام
كالصيد يحرمه الرَّامِي الْمجِيد وَقديَرْمِي فيرزقه من لَيْسَ بالرامي
وهجا ابْن قادوس بقصيدة اشتهرت عَنهُ وَهِي
تسل فللأيام بشر وتعبيسوأيقن فَلَا النعمى تدوم وَلَا البوس
صديت على قرب وخلقك عسجدوملت إِلَى لَغْو ولفظك تقديس
يعز على العلياء كونك عَارِياويلبس من أثوابك الغاب والخيس
ترحل إِذا مَا دنس الْعِزّ ملبسفغيرك من يرضى بِهِ وَهُوَ ملبوس
وَمَا ضَاقَتْ الدُّنْيَا على ذِي عَزِيمَةوَلَا غرقت فلك وَلَا نفقت عيس
وَكم من أخي عزم جفته سعودهيَمُوت احتراقاً وَهُوَ فِي المَاء مغموس
تفل السيوف الْبيض وَهِي صوارموَيرجع صدر الرمْح وَالرمْح دعيس
وَلَوْلَا أنَاس زَينُوا بسعادةلما ضرّ تربيع وَلَا سر تسديس
وَلَكِن فِي الأفلاك سر حُكُومَةتحير بطليموس فِيهَا وَإِدْرِيس
أفاضت سعوداً بِالْحِجَارَةِ دونهَافَطَافَ سبوعاً حولهَا الغلب والشوس
وَصَارَ فلَانا كل من كَانَ لم يكنودان لَهُ بِالرّقِّ قوم مناحيس
فحقق وَلَا يغررك قَول ممخرقفأكبر مَا تدعى إِلَيْهِ نواميس
)
أفيقوا بني الْأَيَّام من سنة الْكرَىوسيروا بسير الدَّهْر فالدهر معكوس
هِيَ الْقِسْمَة الضيزى يخول جَاهِلوَذُو الْعلم فِي أنشوطة الدَّهْر مَحْبُوس
وإرضاء ذِي جهل وإسخاط ذِي حجىتيوس مياسير وَأسد مفاليس
خُذ الْعلم قِنْطَارًا بفلس سَعَادَةعَسى الْعلم أَن يفنى فيمتلئ الْكيس
ومذ لقب القرد الْقصير موفقاًهذى الدَّهْر واستولت عَلَيْهِ الوساويس
وَقَالُوا سديد الدولة السَّيِّد الرضىفَأكْثر حجاب وشدد ناموس
وأعجب من ذَا أَن يلقب قَاضِياوَأكْثر مَا يحوي من الحكم تَدْلِيس
وأصدق مَا نَص الحَدِيث فكاذبوأطهر مَا صلى الصَّلَاة فمنجوس
وَأعرف مِنْهُ بالفرائض رَاهِبوأفقه مِنْهُ فِي الْحُكُومَة قسيس
وَمَا الْغبن إِلَّا أَن تحكم نعجةوضرغام أَسد الغاب فِي الغيل مفروس
وَمَالِي فَوق الأَرْض مغرز إبرةوَتحمل دمياط إِلَيْهِ وتنيس
مصائب من يسكت لهامات حسرةوَمن يلقها بثاً يمت وَهُوَ مبخوس
ويبتاع مسك بالخراء مُدَلّسويعبد خِنْزِير وَيُرْسل جاموس
وَقَالُوا ابْن قادوس فَلَا قدس اسْمهوَمن هُوَ قادوس فَلَا كَانَ قادوس
أيا من غَدا ضداً لكل فَضِيلَةوَمن نجمه فِي طالع السعد منكوس
بنفسي من أَصبَحت فِي حكم فَضلهيُقَال حمَار ومجريس
وأخشى الَّذِي يخْشَى عَلَيْك بِأَن ترىوكعبك مَرْفُوع ورأسك معكوس
وَقد قلتهَا هجواً وأنفك راغمفَلَا يدخلن ريب عَلَيْك وتدليس
أَبَا الْفضل إِن أَصبَحت قَاضِي أمةوللحكم فِي أرجاء دَارك تعريس
فَإِن قريضي بَين أذنيك درةوَإِن هجائي فِي دماغك دبوس
ورأسي ومثلا شعره سفن خَرْدَلأيور بغال فِي حر امك مدسوس
تجمع فِي الْخَيْر وَالشَّر جملَةفخيري جِبْرِيل وشري إِبْلِيس
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع