من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
الببغا الشَّاعِر
عبد الْوَاحِد بن نصر بن مُحَمَّد أَبُو الْفرج المَخْزُومِي الشَّاعِر الْمَعْرُوف بالببغا بباءين موحدتين الثَّانِيَة مُشَدّدَة وَبعدهَا غين منقوطة وَوجد بِخَط ابْن جني الففعا بفاءين مُشَدّدَة الثَّانِيَة وَيُقَال فِيهِ الببغا بباءين موحدتين الثَّانِيَة سَاكِنة وَالْمَشْهُور فِيهِ
الأول لقب بذلك لفصاحته وَقيل بل للثغة فِي لِسَانه وَهُوَ كَاتب مترسل شَاعِر من شعراء سيف الدولة من أهل نَصِيبين بَالغ الثعالبي فِي وَصفه فِي يتيمة الدَّهْر وَأثْنى عَلَيْهِ وَذكر جملَة من رسائله وَمَا دَار بَينه وَبَين أبي إِسْحَاق الصابي
وَتُوفِّي سنة ثَمَان وَتِسْعين وَثَلَاث ماية وَمن شعره
يَا سادتي هَذِه روحي تودعكمإِذْ كَانَ لَا الصَّبْر يسليها وَلَا الْجزع
قد كنت أطمع فِي روح الْحَيَاة لَهَافَالْآن إِذْ بنتم لم يبْق لي طمع
)
لَا عذب الله روحي بِالْبَقَاءِ فَمَاأظنها بعدكم بالعيش تنْتَفع
وَمِنْه
خيالك مِنْك أعرف بالغراموأرأف بالمحب المستهام
فَلَو يسطيع حِين حظرت نوميعَليّ لزار فِي غير الْمَنَام
وَمِنْه
وكأنما نقشت حوافر خيلهللناظرين أهلة فِي الجلمد
وَكَأن طرف الشَّمْس مطروف وَقدجعل الْغُبَار لَهُ مَكَان الإثمد
وَمِنْه
ومهفهف لما اكتست وجناتهخلع الملاحة طرزت بعذاره
لما انتصرت على أَلِيم جفائهبِالْقَلْبِ كَانَ الْقلب من أنصاره
كملت محَاسِن وَجهه فَكَأَنَّمَااقتبس الْهلَال النُّور من أنواره
وَإِذا ألح الْقلب فِي هجرانهقَالَ الْهوى لَا بُد مِنْهُ فداره
وَمِنْه فِي سعيد الدولة ابْن سيف الدولة
لَا غيث نعماه فِي الورى خلب الْبرق وَلَا ورد جوده وشل
جاد إِلَى أَن لم يبْق نائلهمَالا وَلم يبْق للورى أمل
وَمِنْه
يَا من رضيت من الْخلق الْكثير بِهِأَنْت الْبعيد على قرب من الدَّار
أعملت فِيك المنى حلا ومرتحلاًحَتَّى رددت المنى أنضاء أسفار
وَمِنْه فِي كأس أَزْرَق مُصَور
كم من صباح لراح أسلمنيمن فلق سَاطِع إِلَى فلق
فعاطنيها بكرا مشعشعةكَأَنَّهَا فِي صفائها خلقي
فِي أَزْرَق كالهواء يخرقه اللحظ وَإِن كَانَ غير منخرق
مَا زلت مِنْهُ منادماً صوراًمذ أسكرتها السقاة لم تفق
تغرق فِي أبحر المدام قيستنقذها شربنا من الْغَرق
فَلَو ترى راحتي ورقتهمن صبغها فِي معصفر شَرق
)
لخلت أَن الْهَوَاء لاطفنيبالشمس فِي قِطْعَة من الْأُفق
وَمِنْه
ومعصرة أنخت بهَاوَقرن الشَّمْس لم يغب
فخلت قَرَارهَا بالراح بعض معادن الذَّهَب
وَقد ذرفت لفقد الْكرم فِيهَا أعين الْعِنَب
وجاش عباب واديهابمنهل ومنسكب
وَيَاقُوت الْعصير بهَايلاعب لُؤْلُؤ الحبب
فيا عجبا لعاصرهاوَمَا يفنى بِهِ عجبي
وَمن شعره فِي دير الزَّعْفَرَان
صفحت لهَذَا الدَّهْر عَن سيئاتهوعددت يَوْم الدَّيْر من حَسَنَاته
وصبحت عمر الزَّعْفَرَان بِصُحْبَةأعاشت سرُور الْقلب بعد وَفَاته
عمرت مَحل اللَّهْو بعد دثورهوألفت شَمل الْأنس بعد شتاته
وعاشرت من رهبانه كل ماجنتجَاوز لي عَن صَوْمه وَصلَاته
وأهيف فاخرت الرياض بحسنهفأذعن صغراً وصفهَا لصفائه
جلا الأقحوان الغض نوار ثغرهوَمَال بغضن البان عَن حركاته
وأسكرني بالعذب من خمر رِيقهوأمتعني بالورد من وجناته
وَلما دجا اللَّيْل استعاد سنا الضُّحَىبراح نأت بِاللَّيْلِ عَن ظلماته
نصيبية عمرية كَاد كرمهابجوهرها بنهل قبل نَبَاته
ونم إِلَيْنَا دنها بضيائهافَكَانَ كقلب ضَاقَ عَن خطراته
فأهدى إِلَيْهَا الْورْد من صبغ خَدّهوأيدها بِالْفَتْكِ من لحظاته
وَمَا زَالَ يسقيني وَيشْرب والمنىتبشرني عَنهُ بِصدق عداته
إِلَى أَن تهادى بَين نحري ونحرهصَلِيب يضوع الْمسك من نفحاته
وخوفني مِنْهُ فخلت صليبهلشدَّة مَا يخشاه بعض وشاته
وَمن شعر الببغا
سلوا الصبابة عني هَل خلوت بِمنأَهْوى مَعَ الشوق إِلَّا والعفاف معي
)
تأبى الدناءة لي نفس نفائسهاتسْعَى لغير الرضى بِالريِّ والشبع
وهمة مَا أَظن الْحَظ يُدْرِكهَاإِلَّا وَقد جَاوَرت فِي كل مُمْتَنع
لَا صاحبتني نفس إِن هَمَمْت لمنأرقى بهَا غَمَرَات الْمَوْت لم تُطِع
على جناب العلى حلي ومرتحليوَفِي حمى الْمجد مصطفاي ومرتبعي
وَمَا نضوت لِبَاس الذل عَن أمليحَتَّى جعلت دروع الْيَأْس مدرعي
وكل من لم تؤدبه خلائقهفَإِنَّهُ بعظاتي غير منتفع
وَمِنْه
يَا سادتي هَذِه روحي تشيعكمإِن كَانَ لَا الصَّبْر يسليها وَلَا الْجزع
قد كنت أطمع فِي روح الْحَيَاة لَهَافَالْآن مذ غبتم لم يبْق لي طمع
لَا عذب الله روحي بِالْبَقَاءِ فَمَاأظنها بعدكم بالعيش تنْتَفع
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع