من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
أَبُو الْفَتْح النَّحْوِيّ
عُثْمَان بن جني أَبُو الْفَتْح النَّحْوِيّ الإِمَام الْعَلامَة من أحذق النُّحَاة
وَكَانَ أكمل علومه التصريف وَلم يتَكَلَّف أحد وَلم يتَكَلَّم أدق من كَلَامه فِي التصريف مولده قبل الثَّلَاثِينَ وَالثَّلَاث ماية وَتُوفِّي سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَثَلَاث ماية وَخلف من الْأَوْلَاد عليا وعالياً والْعَلَاء وَكلهمْ أدباء فضلاء قد خرجهم والدهم وسمعهم وَحسن خطوطهم وهم معدودون فِي صحيحي الضَّبْط وحسني الخطوط وَكَانَ أَبوهُ مَمْلُوكا رومياً ل
سُلَيْمَان بن فَهد الْموصِلِي وَكَانَ أَعور وَمن شعره فِي ذَلِك
صدودك عني وَلَا ذَنْب ليدَلِيل على نِيَّة فاسده
فقد وحياتك مِمَّا بَكَيْتخشيت على عَيْني الواحده
وَلَوْلَا مَخَافَة أَن لَا أَرَاكلما كَانَ فِي تَركهَا فائده
اجتاز أَبُو عَليّ الْفَارِسِي بالموصل فَمر بالجامع وَأَبُو الْفَتْح يقرئ النَّحْو وَهُوَ شَاب فَسَأَلَهُ أَبُو عَليّ مَسْأَلَة فِي التصريف فقصر فِيهَا أَبُو الْفَتْح فَقَالَ لَهُ زببت قبل أَن تحصرم فَلَزِمَهُ من يَوْمئِذٍ مُدَّة أَرْبَعِينَ سنة واعتنى بالتصريف وَلما مَاتَ أَبُو عَليّ تصدر ابْن جني مَكَانَهُ بِبَغْدَاد وَأخذ عَنهُ الثمانيني وَعبد السَّلَام الْبَصْرِيّ وَأَبُو الْحسن السمسمي وَجرى بَينه وَبَين أبي نصر بشر بن هَارُون كَلَام فِي معنى شَيْطَان يُقَال لَهُ العوار أَو العدار وَإِذا لَقِي إنْسَانا وَطئه فَقَالَ)
لَهُ ابْن جني بودك لَو لقيك فَإِنَّهُ كَانَ لأمنيتك دَوَاء فَقَالَ أَبُو نصر
زعمت أَن العذار خدنيوَلَيْسَ خدناً لي العذار
عفر من الْجِنّ أَنْت أولى بِهِففيهم لَك افتخار
فالجن جن وَنحن إنسشتان هَذَانِ يَا حمَار
وَنحن من طِينَة خلقنَاخلق الْجِنّ مِنْهُ نَار
العر والعار فِيك تماوالعور التَّام والعوار
وَكَانَ يَوْمًا يتحدث بِحَضْرَة أبي الْحُسَيْن القمي الْكَاتِب وَكَانَت لأبي الْفَتْح عَادَة إِذا تحدث أَن يمِيل بشفتيه وَيُشِير بِيَدِهِ فَبَقيَ القمي شاخصاً إِلَيْهِ فَقَالَ أَبُو الْفَتْح مَالك تحدق إِلَيّ وتكثر التَّعَجُّب مني قَالَ شبهت مولَايَ الشَّيْخ وَهُوَ يتحدث وَيَقُول ببوزه كَذَا وَبِيَدِهِ كَذَا بقرد رَأَيْته الْيَوْم عِنْد صعودي إِلَى دَار المملكة وَهُوَ على شاطئ دجلة يفعل مَا يَفْعَله مَوْلَانَا فامتعض أَبُو الْفَتْح وَقَالَ مَا هَذَا القَوْل أعزّك الله وَمَتى رَأَيْتنِي أمزح مَعَك فتمزح معي بِمثل هَذَا فَلَمَّا رَآهُ أَبُو الْحُسَيْن قد استشاط غَضبا قَالَ المعذرة إِلَيْك أَيهَا الشَّيْخ عَن أَن أشبهك بالقرد وَإِنَّمَا شبهت القرد بك فَضَحِك أَبُو الْفَتْح وَقَالَ مَا أحسن مَا اعتذرت وَعلم أَنَّهَا نادرة تشيع فَكَانَ أَبُو الْفَتْح يتحدث بهَا دَائِما واجتاز يَوْمًا بِأبي الْحُسَيْن الْمَذْكُور فِي الدِّيوَان وَبَين يَدَيْهِ كانون فِيهِ نَار وَالْبرد شَدِيد فَقَالَ لَهُ أَبُو الْفَتْح تعال أَيهَا
الشَّيْخ إِلَى النير فَقَالَ أعوذ بِاللَّه وَقَالَ ابْن الزمكدم الْموصِلِي يهجو ابْن جني يَا أَبَا الْفَتْح قد أَتَيْنَاك للتدريس وَالْعلم فِي فنائك رحب فَوَجَدنَا فتاة بَيْتك أنحى مِنْك والنحو مُؤثر مُسْتَحبّ
قدماها مَرْفُوعَة وَهِي خفضفَلم الأير فَاعل وَهُوَ نصب
مَذْهَب خَالَفت شيوخك فِيهِفَهِيَ تصبي بِهِ الْحَلِيم وتصبو
وَوجد بِخَط ابْن جني على ظهر كتاب الْمُحْتَسب فِي علل الْقرَاءَات الشاذة أَخْبرنِي بعض من يعتادني للْقِرَاءَة عَليّ وَالْأَخْذ عني قَالَ رَأَيْتُك فِي مَنَامِي جَالِسا فِي مجْلِس لَك على حَال كَذَا وبصورة كَذَا وَذكر من الْحِلْية والشارة جميلاً وَإِذا رجل لَهُ رواء ومنظر وَظَاهر نبل وَقدر قد أَتَاك فحين رَأَيْته أعظمت مورده وأسرعت الْقيام لَهُ فَجَلَسَ فِي صدر مجلسك وَقَالَ لَك إجلس فَجَلَست فَقَالَ كَذَا شَيْئا ذكره ثمَّ قَالَ لَك أتمم كتاب الشواذ الَّذِي عَلمته فَإِنَّهُ)
كتاب يصل إِلَيْنَا ثمَّ نَهَضَ فَلَمَّا ولى سَأَلت بعض من كَانَ مَعَه عَنهُ فَقَالَ عَليّ ابْن أبي طَالب كرم الله وَجهه ذكر هَذَا الرَّائِي هَذِه الرُّؤْيَا لي وَقد من نواحي هَذَا الْكتاب أميكنات تحْتَاج إِلَى معاودة نظر وَأَنا على الْفَرَاغ مِنْهَا وَبعده مُلْحق فِي الْحَاشِيَة بِخَطِّهِ أَيْضا ثمَّ عاودتها فَصحت بلطف الله ومشيئته وَلما مَاتَ أَبُو الْفَتْح رثاه الشريف الرضي بقصيدة عدتهَا تِسْعَة وَخَمْسُونَ بَيْتا مِنْهَا
لتبك أَبَا الْفَتْح الْعُيُون بدمعهاوألسننا من قبلهَا بالمناطق
إِذا هَب من تِلْكَ الغليل بدامعتسرع من هَذَا الْغَمَام بناطق
طوى مِنْهُ بطن الأَرْض مَا تستعيدهعلى الدَّهْر منشوراً بطُون المهارق
مضى طيب الأردان يأرج ذكرهكريح الصِّبَا تندى لعرنين ناشق
وَمَا أحتاج بردا غير برد عفافهوَلَا عرف طيب غير تِلْكَ الْخَلَائق
تروق مَاء الود بيني وَبَينهوطاح القذى عَن سلسل الطّعْم رائق
سقاك وَهل يسقيك إِلَّا تعلةلغير الروى قطر الغيوم الودائق
من المزن جمجام إِذا التج لجةأَضَاءَت تواليه زناد البوارق
وَمَا فرحي أَن جاورتك حديقةوقبرك مَمْلُوء بغر الحدائق
تصانيف أبي الْفَتْح ابْن جني كتاب الخصائص وَهُوَ كتاب نَفِيس إِلَى الْغَايَة فِيهِ لباب النَّحْو وَكتاب سر الصِّنَاعَة وَهُوَ من أحسن مَا صنفه وجوده وَكتاب تَفْسِير أشعار هُذَيْل مِمَّا أغفله السكرِي وَكتاب تَفْسِير تصريف الْمَازِني وَشرح مستغلق الحماسة واشتقاق أَسمَاء شعرائها وَشرح الْمَقْصُور والممدود لِابْنِ السّكيت وتعاقب الْعَرَبيَّة قَالَ ابْن جني وأطرف بِهِ
وَشرح ديوَان المتنبي شرحين كَبِيرا وصغيراً كتاب اللمع كتاب مُخْتَصر التصريف مُخْتَصر الْعرُوض والقوافي والحروف المهموزة كتاب فِي اسْم الْمَفْعُول المعتل الْعين من الثلاثي تَفْسِير الْمُذكر والمؤنث لِابْنِ السّكيت كتاب تأييد التَّذْكِرَة لأبي عَليّ الْفَارِسِي كتاب محَاسِن الْعَرَبيَّة كتاب النَّوَادِر الممتعة فِي الْعَرَبيَّة ألف ورقة كتاب مَا أحضرهُ الخاطر من الْمسَائِل المنثورة وَكتاب الْمُحْتَسب فِي تَعْلِيل شواذ الْقرَاءَات وَهُوَ جيد إِلَى الْغَايَة كتاب تَفْسِير أرجوزة أبي نواس كتاب تَفْسِير العلويات وَهِي أَربع قصائد للشريف الرضي كتاب الْبُشْرَى وَالظفر صنعه لعضد الدولة مِقْدَاره خَمْسُونَ ورقة فِي تَفْسِير بَيت وَاحِد من شعر عضد)
الدولة وَهُوَ
أَهلا وسهلاً بِذِي الْبُشْرَى ونوبتهاوباشتمال سرايانا على الظفر
رِسَالَة فِي مدد الْأَصْوَات ومقادير المدات كتاب الْمُذكر والمؤنث كتاب المنتصف مُقَدمَات أَبْوَاب التصريف النَّقْض على ابْن وَكِيع فِي شعر المتنبي وتخطئته الْمغرب فِي شرح القوافي كتاب الْفَصْل بَين الْكَلَام الْخَاص وَالْكَلَام الْعَام كتاب الْوَقْف والابتداء كتاب الْفرق كتاب الْمعَانِي المحررة كتاب الْفَائِق كتاب الْخَطِيب كتاب مُخْتَار الأراجيز كتاب ذِي الْقد فِي النَّحْو كتاب شرح الفصيح كتاب الْكَافِي فِي القوافي كتاب التَّنْبِيه فِي إِعْرَاب الحماسة كتاب الْمُهَذّب كتاب التَّبْصِرَة يُقَال إِن الشَّيْخ أَبَا إِسْحَاق أَخذ مِنْهُ أَسمَاء كتبه فَإِنَّهُ لَهُ التَّنْبِيه والمهذب واللمع والتبصرة وَمن شعر ابْن جني
فَإِن أصبح بِلَا نسبفعلمي فِي الورى نسبي
على أَنِّي أؤول إِلَىقروم سادة نجب
قياصرة إِذا نطقواأرم الدَّهْر ذُو الْخطب
أولاك دَعَا النَّبِي لَهُمكفى شرفاً دُعَاء نَبِي
وَمِنْه
تحبب أَو تذرع أَو تأبىفَلَا وَالله لَا أزداد حبا
ملكت بِبَعْض حسنك كل قلبِيفَإِن رمت الزِّيَادَة هَات قلبا
وَمِنْه
غزال غير وَحشِيحكى الوحشي مقلته
رَآهُ الْورْد يجني الْورْد فاستكساه حلته وشم بِأَنْفِهِ الريحان فاستهداه زهرته وذاقت رِيحه الصَّهْبَاء فاختلسته نكهته
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع