تجاوز إلى المحتوى

من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

الْوَزير الْحَارِثِيّ

الْقَاسِم بن عبيد الله بن سُلَيْمَان بن وهب بن سعيد الْحَارِثِيّ أَبُو الْحُسَيْن الْوَزير ابْن الْوَزير ابْن الْوَزير قَلّدهُ المعتضد الوزارة بعد أَبِيه فَبَقيَ على وزارته إِلَى أَن توفّي المعتضد وَابْنه المكتفي بالرقة فدبر الْأَمر أحسن تَدْبِير وَأخذ لَهُ الْبيعَة على من بِبَغْدَاد وَحفظ أَمْوَاله وخزائنه وَكتب إِلَيْهِ بالمبادرة فَأَحْمَد فعله وكناه وَرفع مَنْزِلَته وخلع عَلَيْهِ خلعاً شريفة للوزارة ولقبه بولِي الدولة وَسَأَلَ المكتفي أَن يشرفه بتزويج ابْنه الْأَمِير أبي أَحْمد بابنته فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك ومهرها مائَة ألف دِينَار

وَلم يزل على وزارته إِلَى أَن أدْركهُ أَجله شَابًّا سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ ومولده سنة تسع وَخمسين وَمِائَتَيْنِ

وَكَانَ جواداً مدحاً إِلَّا أَنه كَانَ زنديقاً فَاسد الِاعْتِقَاد

قَالَ عَليّ بن الْعَبَّاس النوبختي انْصَرف ابْن الرُّومِي الشَّاعِر من عِنْد الْقَاسِم بن عبيد الله الْوَزير فَقَالَ لي مَا رَأَيْت مثل حجَّة أوردهَا الْيَوْم الْوَزير فِي قدم الْعَالم قلت وَمَا هِيَ قَالَ أنشدنا قَول زُهَيْر

أَلا لَيْت شعري هَل يرى النَّاس مَا أرىمن الْأَمر أَو يَبْدُو لَهُم مَا دبا ليا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى»
بدا لي أَن النَّاس تفنى نُفُوسهموَأَمْوَالهمْ وَلَا أرى الدَّهْر فانيا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى»
وَأَنِّي مَتى أهبط من الأَرْض تلعةًأجد أثرا قبلي حَدِيثا وعافيا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى»

قلت الْعجب من ابْن الرُّومِي كَونه ادّعى أَن هَذَا حجَّة على قدم الْعَالم وَلَيْسَ فِي هَذِه الأبيات)

دَلِيل يتَمَسَّك بِهِ لَا قَطْعِيّ وَلَا إقناعي وَإِنَّمَا الأبيات دَعْوَى مُجَرّدَة

وَقَالَ أَبُو بكر الصولي حَدثنِي شادي الْمُغنِي قَالَ كنت يَوْمًا عِنْد الْقَاسِم بن عبيد الله وَهُوَ يشرب فَدخل ابْن فراس عَلَيْهِ شَيْئا من شرح عهد أردشير فَاسْتَحْسَنَهُ الْقَاسِم قَالَ لَهُ ابْن فراس هَذَا وَالله وَأَوْمَأَ إِلَيّ أحسن من بقرة هَؤُلَاءِ وَآل عمرانهم وَجعلا يتضاحكان

وَقَالَ الصولي حَدثنَا أَبُو الْحسن ابْن عبدون قَالَ حَدثنِي الْوَزير عَبَّاس بن الْحسن قَالَ كنت عِنْد الْقَاسِم بن عبيد الله فَقَرَأَ قَارِئ كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس فَقَالَ ابْن فراس نُقْصَان يَاء فَوَثَبت فَزعًا لذَلِك فزدني الْقَاسِم وغمزه فَسكت

وَمن شعر لوزير الْقَاسِم بن عبيد الله

تزَود من الدُّنْيَا فَإنَّك لَا تبقىوَخذ صفوها مِمَّا صفا ودع الرنقا
وَلَا تأمنن الدَّهْر إِنِّي أمنتهفَلم يبْق لي حَالا وَلم يرع لي حَقًا
قتلت صَنَادِيد الرِّجَال فَلم أدععدوا وَلم أمْهل على ظنةٍ خلقا
وأفنيت دَار الْملك كمن كل نازلٍفشردتهم غرباً وشردتهم شرقا
فَلَمَّا بلغت النَّجْم عزا ورفعةًوَصَارَت رِقَاب الْخلق أجمع لي رقا
رماني الردى سَهْما فأخمد جمرتيفها أَنا افي حفرتي عَاجلا ملقى
وَفرق عني مَا جمعت فَلم أجدلَدَى قَابض الْأَرْوَاح فِي قَبضه رفقا
فأذهبت دنياي وديني سفاهةًفَمن ذَا الَّذِي مني بمصرعه أَشْقَى

وَفِي تَرْجَمَة أبي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن السّري الزّجاج النَّحْوِيّ حِكَايَة تدل على كرم هَذَا الْوَزير وَكَانَ يدْخلهُ من أملاكه فِي السّنة سَبْعمِائة ألف دِينَار وَلما مَاتَ قَالَ عبد الله بن الْحسن بن سعد

شربنا عَشِيَّة مَاتَ الْوَزيرسُرُورًا وَنَشْرَب فِي ثالثه
فَلَا رحم الله تِلْكَ الْعِظَاموَلَا بَارك الله فِي وَارثه

النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الْقَاف

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.