من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
الْكِنْدِيّ (٥)
كثير بن الصَّلْت الْكِنْدِيّ الْمدنِي هُوَ الَّذِي كَانَ أهل الْمَدِينَة إِذا نسبوا رجلا إِلَى الإقبال قَالُوا لَقِي لَيْلَة كثير بن الصَّلْت وَذَلِكَ أَن مُعَاوِيَة أَمر رجلا من آل أبي بكر ان يَبْنِي لَهُ منزلا بِالْمَدِينَةِ ينزل بِهِ إِذا اجتاز إِلَى مَكَّة فَفعل
وَأَقْبل مُعَاوِيَة والبكري يسايره غذ نظر من الثَّنية إِلَى منزل كثير بن الصَّلْت فَقَالَ مُعَاوِيَة أمنزلي هَذَا فَقَالَ لَيْسَ بِهِ ومنزلك قريب وَلَو قد صرت إِلَى قَرَار الْمصلى لرأيته وَهَذَا منزل كثير فَنظر كثير فِي موكبه على بعير لَهُ فَدَعَاهُ وسايره وَسَأَلَهُ عَن رَأْيه فِي الْمنزل فَقَالَ لست اقدر على بَيْعه قَالَ أَو لَيْسَ لَك قَالَ بلَى وَلَكِن قدمنَا هَذَا الْحرم وَنحن ننسب إِلَى آبَائِنَا ونعرف بأحسابنا فاستولى على ذَلِك هَذَا الْمنزل وصرنا نَعْرِف بِهِ وَفِيه سَبْعُونَ مختمرة لَيْسَ يحول بَين النَّاس وَبَين معرفَة حالهن إِلَّا حَائِطه وَلَو خرجن مِنْهُ كشف مِنْهُنَّ مَا)
لَا يقدر على احْتِمَاله
فَقَالَ إِنِّي أثمنك وأنيخ بعيرك فأصب على هامته وسنامه حَتَّى أواريهما فَقَالَ إِنِّي لَا أجد لذَلِك سَبِيلا لما أعلمتك وَكَانَت لَهُ نفس شَدِيدَة
فَقضى مُعَاوِيَة حجه وَفِيه عَنهُ إِعْرَاض وَقد كَانَ أسلفه مِائَتي ألف دِرْهَم فِي غرم لزمَه فأوصى مَرْوَان بن الحكم فَقبض المَال مِنْهُ وَقَالَ إِن استأجلك أَََجَلًا قَصِيرا فَأَجله فَإِن وافاك بِالْمَالِ وَإِلَّا فبع ربعه وَملكه حَتَّى تستوفي ذَلِك مِنْهُ
وَكَانَ الَّذِي بَين مَرْوَان وَكثير قبيحاً فَأرْسل مَرْوَان إِلَى كثير فَأعلمهُ بذلك فاستأجله شهرا فَقبل ذَلِك
وَرجع كثير إِلَى منزله فَدَعَا ابْنه الزبير وَقَالَ يَا ابْني إِنَّا لسنا نجد لنا خيرا من أَمِير الْمُؤمنِينَ وَإِن كَانَ قد أَمر فِينَا بِمَا أَمر فَكتب لَهُ وَوَجهه وَعظم الْحق
فَلَمَّا كَانَ فِي آخر يَوْم من الْأَجَل وَلم يَأْته عَن ابْنه خبر أَتَى سعيد بن الْعَاصِ فَأخْبرهُ خَبره فَقَالَ سعيد إِن أَحْبَبْت أَن أتولى المَال وَدفعه واكتتاب الْبَرَاءَة لَك بذلك فعلت وَإِن شِئْت حمل إِلَيْك فجزاه
خيرا وَانْصَرف
فَلَمَّا كَانَ بِبَعْض الطَّرِيق ذكر قيس بن سعد بن عبَادَة فَقَالَ قيس سيد هَذَا الْحرم من ذِي يمن وَقد ابْتليت بِمَا علم فجَاء إِلَيْهِ وَأخْبرهُ خَبره فَقَالَ قيس أمسيت عَن حَاجَتك وَهِي مصبحتك غَدا إِلَى مَنْزِلك وَإِن أَحْبَبْت ولينا حملهَا عَنْك إِلَى مَرْوَان
فَانْصَرف كثير حَتَّى إِذا أَخذ بِحَلقَة بَاب دَاره ذكر عبد الله بن جَعْفَر فَقَالَ مَا فيهم أحد اشد إِكْرَاما لي مِنْهُ فَدخل عَلَيْهِ وَهُوَ يتعشى فَأخْبرهُ خَبره فَالْتَفت إِلَى هَانِئ وَكيله وَقَالَ مَا عنْدك قَالَ مائَة ألف دِرْهَم قَالَ مَا جَاءَ من شَيْء نصفه إِلَّا تمّ بِإِذن الله ثمَّ نظر فِي وُجُوه جُلَسَائِهِ وَمَعَهُ رجل من بني الأرقط وَمن ولد عَليّ فَضَحِك قَالَ هِيَ عِنْدِي قَالَ من أَيْن هِيَ لَك قالك من فضول صَلَاتك
فَانْصَرف كثير إِلَى منزله فَبَاتَ آمنا وَأمن نساؤه فَلَمَّا كَانَ فِي السحر قدم ابْنه الزبير بِكِتَاب مُعَاوِيَة أَن لَا يعرض لَهُ وَكتب لَهُ الْبَرَاءَة فَأصْبح غادياً إِلَى مَرْوَان فَدفع كتبه إِلَيْهِ وَمضى إِلَى سعيد بن الْعَاصِ فَإِذا الْبَدْر على ظهر الطَّرِيق
فَلَمَّا نظر إِلَيْهِ قَالَ أحوجنا أَبَا الزبير إِلَى الغدو قَالَ مَا لذَلِك جِئْت وَأخْبرهُ الْخَبَر وَجئْت)
لأسرك وأشكرك فَقَالَ أَترَانِي رَاجعا فِي شَيْء أمرت لَك بِهِ فَرجع وَالْمَال مَعَه
فَأتى قيس بن سعد فَإِذا المَال مَجْمُوع فَأخْبرهُ الْخَبَر فَقَالَ أفأرده يَا أَبَا الزبير فِي مَالِي وَقد أمرت لَك بِهِ أحملها يَا غُلَام مَعَه ثمَّ أَتَى عبد الرَّحْمَن بن جَعْفَر فَأخْبرهُ الْخَبَر فَقَالَ مَا كنت لرجع فِي شَيْء أمرت لَك بِهِ فَقَالَ أما مَا كَانَ من عنْدك فَنعم وَأما مَا استقرضته فَلَا فَقَالَ أَنا على قَضَاء الدُّيُون أقوى مِنْك وَلَك خروق فارقعها بِهِ فَانْصَرف بِهِ
وَكَانَ مثلا فِي الْمَدِينَة وَتُوفِّي فِي حُدُود الثَّمَانِينَ لِلْهِجْرَةِ وروى لَهُ النَّسَائِيّ روى هم عَن أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَزيد بن ثَابت
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع