من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
المنجم الشَّاعِر
هَارُون بن عَليّ بن يحيى بن أبي مَنْصُور أَبُو عبد الله المنجم الأديب الْفَاضِل كَانَ رِوَايَة للأشعارحسن المنادمة لطيف المجالسة صنف كتاب البارع فِي أَخْبَار الشُّعَرَاء الموّلَّدين جمع فِيهِ مائَة وَإِحْدَى وَسِتِّينَ شَاعِرًا وافتتح بِذكر بشار بن برد وختمه بِمُحَمد بن عبد الْملك بن صَالح وَهَذَا الْكتاب أَعنِي البارع كتاب الباخَرزي وَهُوَ الدمية وَكتاب يتيمة الدَّهْر وَكتاب زِينَة الدَّهْر وَكتاب الخريدة كل هَذِه فروع على كتاب البارع وَهُوَ الأَصْل وَله ايضاً كتاب النِّسَاء وَمَا جَاءَ فِيهِنَّ من الْخَيْر وَالشَّر ومحاسن مَا قيل فِيهِنَّ وَقد تقدم ذكر وَلَده عَليّ فِي مَكَانَهُ وسوف يَأْتِي ذكر أَخِيه يحيى بن عَليّ إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي حرف الْيَاء فِي مَكَانَهُ وَكَانَ أَبُو مَنْصُور جدّ أَبِيه منجم أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَنْصُور وَكَانَ مجوسياً وَكَانَ ابْنه يحيى أَبُو عَليّ مُتَّصِلا بِذِي الرياستين الْفضل بن سهل وَكَانَ الْفضل يعْمل بِرَأْيهِ فِي أَحْكَام النُّجُوم فَلَمَّا حدثت الكائنة على الْفضل صَار يحيلا منجم المؤمون ونديمه وَأسلم على يَده وَصَارَ بذلك مَوْلَاهُ وهم أهل الْبَيْت أدباء وفضلاء وشعراء وندماء جالسو الْخُلَفَاء وَقد عقد لَهُم الثعالبي فِي الْيَتِيمَة بَابا مُسْتقِلّا وَتُوفِّي يحيى الْمَذْكُور عِنْد خُرُوج الْمَأْمُون إِلَى طرطوس وَكَانَ هَارُون نازلاً فِي جوَار عبيد الله بن عبد الله بن طَاهِر فانتقل عَنهُ إِلَى دَار اشْتَرَاهَا بنهر الْمهْدي وَهِي إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي فَكتب إِلَيْهِ عبيد الله مستوحشاً
يَا من تحوّل عَنَّا وَهُوَ يألَفنابعدتَ جدا فَلَا يَا صرتَ تَلقانا
فاعلَم بأنك إِذْ بدّلتَ جِيرتنابدّلت دَارا وَمَا بدّلتَ إخْوَانًا
فَأَجَابَهُ هَارُون بن عَليّ
يعدتُ عَنْكُم بداري دون خالصتيومحضُ وُدّي وعهدي كَالَّذي كَانَا
وَمَا بدّلتُ مُذ فارقتُ قُربَكمُإِلَّا هموماً أُعانِيها وأحزانا
)
وَهل يُسرُّ بسُكنى دَاره أحدٌوَلَيْسَ أحبابُه للدَّار جيرانا
وَقَالَ هَارُون
سأخرُج عَن بَغْدَاد عِرضي موفَّرٌوَلم تَعتَبِني مِنَّةٌ للئيمِ
وَإِنِّي على عُسري الآنفُ أَن أرىعليّ يدا نُعمَى لغير كريمَ
وَدخل هَارُون يَوْمًا على أَبِيه عَليّ بن يحيى فَقَالَ يَا أبَه رَأَيْت فِي النّوم المتَوَكل وَهُوَ فِي دَاره على سَرِير إِذْ بصر بِي فَقَالَ أقبل إليّ ياهارون يزْعم أَبوك أَنَّك تَقول الشّعْر فأنشدِني طريد هَذَا الْبَيْت وَأَنْشَأَ يَقُول
أسالت على الْخَدين دمعا لَوَانَّهمن الدُّر عقد كَانَ ذخْرا من الذخر
فَلم أرد عَلَيْهِ شَيْئا وانتبهتُ فزحف أَبوهُ إِلَيْهِ مغضباً وَقَالَ لِمَ لم تقل
فَلَمَّا دنا وَقت الْفِرَاق وَفِي الحشالفرقتها لذع أحر من الجمرِ
وَتُوفِّي هَارُون بن عَليّ فِي حُدُود التسعين والمائتين قيل سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَهُوَ شابّ
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع