من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
أَمِير الْمُؤمنِينَ الرشيد
هَارُون بن مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس أَمِير الْمُؤمنِينَ أَبُو جَعْفَر الرشيد بن الْمهْدي بن الْمَنْصُور يُقَال لَهُ المظفّر والموفّق والمؤيّد وسمَّى هُوَ نَفسه الْغَازِي الحاجّ وَكتب ذَلِك على قلنسُوَة لَهُ كَانَ شجاعاً كثير الحجّ والغزو وحجّ فِي خِلَافَته ثَمَانِي حجج وَقيل تسع وغزا ثَمَانِي غزوات وَلم يحجّ خَليفَة بعده وَكَانَ فِي أيّامه فتح هرقلة وَمَاتَتْ أمه الخَيزُران سنة ثَلَاث وَسبعين فَمشى فِي جنازتها وَهُوَ أَخُو الْهَادِي مُوسَى لِأَبَوَيْهِ وَلذَلِك قَالَ الثائل)
يَا خَيزُران هناكِ ثمّ هُنَاكَأمسَى العبادُ يسوسهم أبناك
وَكَانَ طَويلا جسيماً مسمَّناً أَبيض قد وَخَطَه الشيب مولده سنة سبع وَأَرْبَعين وَمِائَة فِي نصف شَوَّال بِمَدِينَة الريّ وبويع لَهُ بِمَدِينَة السَّلَام فِي شهر ربيع الأول سنة سبعين وَمِائَة يَوْم مَاتَ الْهَادِي وَكَانَ وليَّ الْعَهْد بعده وَله يَوْمئِذٍ اثْنَتَانِ وَعشْرين سنة وَنصف وَتُوفِّي بطوس لإحدى عشرَة لَيْلَة من جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَمِائَة وَله سِتّ وَأَرْبَعُونَ سنة غير شَهْرَيْن وَجَاء نعيُّه إِلَى مَدِينَة السَّلَام يَوْم الْأَرْبَعَاء لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة خلت من جُمَادَى الْآخِرَة فَكَانَت مُدَّة خِلَافَته ثَلَاثًا وَعشْرين سنة وشهرين وَسِتَّة عشر يَوْمًا وكاتبه أَبُو عَليّ يحيى بن
خَالِد بن برمك ثمَّ الْفضل بن يحيى ثمَّ جَعْفَر أَخُوهُ ثمَّ كتب لَهُ أَبُو الْعَبَّاس الْفضل بن الرّبيع وَإِسْمَاعِيل بن صبيح وحاجبه بشر بن مَيْمُون ثمَّ مُحَمَّد بن خَالِد بن برمك ثمَّ الْفضل بن الرّبيع مَوْلَاهُ ونَقشُ خَاتمه كن مَعَ الله على حَذَر وَقيل كَانَ نقش خَاتمه بالحميريّة الله رَبِّي وعَلى خَاتم الْخلَافَة لَا إِلَه إِلَّا الله وَكَانَ يحجّ سنة ويغزو سنة وَلذَلِك قَالَ فِيهِ الْقَائِل
فَمن يَطلُب لِقاءَك أَو يُرِدهُفَبِالحرمَينِ أَو أقصَى الثُغورِ
فَفِي أرضِ العدوِّ على طِمِرٍّوَفِي أَرض الثنيَّة فَوق كور
وَكَانَ جواداً بِالْمَالِ وَاعْتمد على البرامكة فِي دولته فزينوها إِلَى أأكثروا الدالّة عَلَيْهِ ففتك بهم وَلَكِن سَاءَ تَدْبيره للْملك بعدهمْ وَظهر الاختلال فِي دولته بعدهمْ وَكَانَ يَقُول أَغرونا بهم حَتَّى إِذا هَلَكُوا وجدنَا فقدَهم وَلم يسدّوا مَسَدّهم وَكَانَ فصيح الْمقَال قَالَ لإسحاق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي وَقد أنْشدهُ أبياتاً مِنْهَا
وَكَيف أخافُ الفَقر أَو أُحرَمُ الغِنىورأيُ أَمِير الْمُؤمنِينَ جميلُ
لله دَرُّ أبياتٍ تَأْتِينَا بهَا مَا أحكمَ أصولَها واحسنَ فصولَها وأقلّ فضولها فَقَالَ إِسْحَاق أخذُ الْجَائِزَة مَعَ هَذَا الْكَلَام ظلمٌ وَله شعر جيّد مِنْهُ قَوْله فِي جَارِيَة صالحها
دَعِي عَدَّ الذُّنوب إِذا الْتَقَيْنَاتَعالَي لَا نَعُدّ وَلَا تَعُدّي
وَمِنْه
مَلَك الثلاثُ الآنِساتُ عِنانيوحَلَلنَ من قلبِي يكلّ مكانِ
مَالِي تُطاوِعُني البريّةُ كُلُّهاوأُطيعُهنّ وهنّ فِي عِصياني
مَا ذَاك إلاّ أنّ سلطانَ الهَوىوَبِه غلَبنَ أعزُّ من سلطاني
)
وَقيل إِنَّهَا للْعَبَّاس بن الْأَحْنَف قَالَهَا على لِسَان الرشيد وَمن شعر الرشيد يرثي جَارِيَته هيلانة
أفٍّ للدنيا وللزينة فِيهَا والأثاثِ
إِذْ حثا التُّربَ على هِيَلانَ فِي الحُفرة حاثِ
فلهَا تبْكي البواكيوَلها تشجي المراثي
خلفتْ سُقمي طَويلاجعلت ذَاك تُرابي
وَكَانَ من أميَز الْخُلَفَاء وأجّل مُلُوك الدُّنْيَا وَكَانَ يُصَلِّي فِي الْيَوْم مائَة رَكْعَة إِلَى أَن مَاتَ وَيتَصَدَّق كل يَوْم من صُلب مَاله بِأَلف دِرْهَم وحدّث عَن أَبِيه وجدّه ومبارك بن فَضَاله
وروى عَنهُ ابْنه الْمَأْمُون وَكَانَ يحبّ الْعلم وأهلَه ويعظِّم حُرُمات الله فِي الْإِسْلَام وَلما مَاتَ ابْن الْمُبَارك جلس للعَزاء وَأمر الْأَعْيَان أَن يُعزُّوه وخلّف مائَة ألف ألف دِينَار وَاجْتمعَ لَهُ مَا لم يجْتَمع لغيره وزراؤُه البرامكة وقاضيه أَبُو يُوسُف وشاعره مَرْوَان بن أبي حَفصة ونديمه الْعَبَّاس ابْن مُحَمَّد عمّ أَبِيه وحاجبه الْفضل بن الرّبيع أتيَهُ النَّاس وأعظمهم ومغنيّه إِبْرَاهِيم الْموصِلِي وَزَوجته زُبيدة قَالَ ابْن حزم أُراه كَانَ لَا يشرب النَّبِيذ الْمُخْتَلف فِيهِ إلاّ الْخمر المتّفّق على تَحْرِيمهَا ثمَّ جاهر جهاراً قبيحاً وَلما مَاتَ صلّى عَلَيْهِ ابْنه صَالح وَدَفنه بطوس وَكَانَ لَهُ من الوُلد ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ أَرْبَعَة عشر ذكرا وَأَرْبع عشرَة أُنثى فالذكور مُحَمَّد الْأمين وَمُحَمّد المعتصم وَمُحَمّد بن عِيسَى وَمُحَمّد أَبُو يَعْقُوب وَمُحَمّد أَبُو الْعَبَّاس وَمُحَمّد أَبُو سُلَيْمَان وَمُحَمّد أَبُو عَليّ وَعبد الله الْمَأْمُون وَالقَاسِم المؤتمن وَعلي وَصَالح وَأحمد السبتي وَأَبُو أَحْمد هَؤُلَاءِ الذُّكُور وسُكينة وَأم حبيب وأروَى وَأم الْحسن وحمدونة وَفَاطِمَة وَأم سَلمَة وَخَدِيجَة وَأم الْقَاسِم ورملة وَأم عَليّ ليبق والعالية ورَيطة وَذكر الروَاة أَن هَارُون الرشيد صنع قُسيماً من الشّعْر وَهُوَ المُلك لله وَحده ثمَّ إِنَّه ارتجّ عَلَيْهِ فَقَالَ استدعوا من بِالْبَابِ من الشُّعَرَاء فَدخل عَلَيْهِ جمَاعَة مِنْهُم الجَمَّاز فَقَالَ الرشيد أجيزوا وأنشدهم القسيم فبدرهم الجماز وَقَالَ وللخليفة بعده فَقَالَ الرشيد زِدْ فَقَالَ الجماز وللمحب إِذا مَا حبيبُه بَات عِنْده فَقَالَ لَهُ الرشيد أحسنتَ لم تعدُ مَا نَفسِي وَأَجَازَهُ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع