من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
أَمِير الْمُؤمنِينَ الواثق
هَارُون بن مُحَمَّد بن هَارُون بن مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس أَمِير الْمُؤمنِينَ الواثق بِاللَّه بن المعتصم بن الرشيد بن الْمهْدي بن الْمَنْصُور أَبُو جَعْفَر وَأَبُو)
الْقَاسِم كناه بهَا الْمَأْمُون وَأمه أم ولدٍ يُقَال لَهَا قَراطيس أدْركْت خِلَافَته وَمَاتَتْ فِيهَا بِالْكُوفَةِ سنة سبع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَكَانَت خرجت لِلْحَجِّ ودفنت فِي دَار عِيسَى بن مُوسَى وَكَانَ أَبيض إِلَى الصُّفْرَة حسن الْوَجْه جميل الطلعة جسيماً فِي عينه الْيُمْنَى نكتةُ بياضٍ مولده يَوْم الِاثْنَيْنِ لعشرٍ بَقينَ من شعْبَان سنة تسعين وَمِائَة وبويع لَهُ بسُرَّ من راى يَوْم الْخَمِيس لإحدى عشرَة لَيْلَة بقيت من شهر ربيع الأول سنة سبع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ يَوْم مَاتَ المعتصم بِاللَّه وَله يَوْمئِذٍ ثَلَاثُونَ سنة وَتِسْعَة أشهر وَتِسْعَة أيّام وَتُوفِّي بسُرَّ من رأى يَوْم الثُّلَاثَاء أَو الْأَرْبَعَاء لخمس بَقينَ من ذِي الْحجَّة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَصلى عَلَيْهِ القَاضِي أَحْمد بن أبي داؤد وَدفن بالهُرواني وَله سِتّ وَثَلَاثُونَ سنة وَتِسْعَة أشهر وَخَمْسَة أَيَّام وَكَانَت خِلَافَته خمس سِنِين وَتِسْعَة أشهر وَسِتَّة أَيَّام وَكَانَ كَاتبه مُحَمَّد بن
عبد الْملك ابْن الزيّات وحاجبه ايتاخ وَمُحَمّد بن حَمَّاد بن دنقش ثمَّ مُحَمَّد بن عَاصِم وَقيل يَعْقُوب قوصرة وَنقش خَاتمه صُورَة أسدين بَينهمَا صُورَة رجل وَقيل صُورَة وَعل وعَلى خَاتم الْملك الله ثِقَة الواثق بِاللَّه وَكَانَ يُقَال لَهُ الْمَأْمُون الصَّغِير لشَبَه أَحْوَاله كلهَا بأحوال الْمَأْمُون وَكَانَ أعلم بني الْعَبَّاس بِالْغنَاءِ وَله أصوات مَشْهُورَة من تلحينه وَمن نَادِر كَلَامه لشخص كَانَ عَاملا لَهُ على عمل نُقِل عَنهُ أَنه قَالَ لمن تشفع إِلَيْهِ فِي قضيةٍ لَو شفع لَك النَّبِي ﷺ مَا شفعتُك لَوْلَا أنّ فِي خَطاء لفظك إِشَارَة إِلَى صَوَاب معناك فِي استعظامك ووضعِك رَسُول الله ﷺ فِي غَايَة التَّمْثِيل لمثّلتُ بك ثمَّ أَمر أَن يُضرب ثَمَانِينَ سَوْطًا ورُئيَ الواثق فِي تِلْكَ الْحَالة وَهُوَ يرعِد غَضبا ثمَّ قَالَ وَالله لَا وليتَ لي عملا أبدا وَله شعر حسنٌ مِنْهُ قَوْله
قَالَت إِذا الليلُ دَجا فأتِنافجِئتُها حِين دجا الليلُ
خفيُّ الرجل من حارسٍوَلَو دَرى حلَّ بِهِ الوَيل
وَمِنْه
تنحَّ عَن الْقَبِيح وَلَا تُرِدهومَن أولَيتَه حُسناً فزِدههُ
ستُكفَى من عدوّك كل كَيدٍإِذا كَاد العدوّ وَلم تكِده
وَكَانَ يحبّ خَادِمًا أُهدِيَ لَهُ من مصر فأغضبه الواثق يَوْمًا فَسَمعهُ يَقُول لبَعض الخَدَم واللهِ إنّ الواثق ليَروم مُنْذُ أمس أَن أكلِّمَه فَلم أفعل فَقَالَ
يَا ذَا الَّذِي بعذابي ظَلَّ مُفتخراًهَل أنتَ إلاّ مليكٌ جارَ فاقتَدَرا
)
لَوْلَا الهَوى لتجارَينا على قَدَرٍوَإِن أُفق مرّة مِنْهُ فَسَوف ترى
وَقَالَ ابْن أكتم مَا أحسنَ أحدٌ إِلَى آل أبي طَالب مَا أحسن إِلَيْهِم الواثق مَا مَاتَ وَفِيهِمْ فَقير وَكَانَ ابْن ابي دُؤاد قد استولى على الواثق وَحمله على التشدّد فِي المحنة بالْقَوْل بِخلق الْقُرْآن وَيُقَال إِن الواثق رَجَعَ قبل مَوته عَن القَوْل بِخلق الْقُرْآن وَقَالَ عبيد الله بن يحيى إبرؤاهيم بن أَسْبَاط السَّكَن قَالَ حُمِل مِمَّن حُمِل رَجُلٌ مكبَّلٌ بالحديد من بِلَاده فاُدخِل فَقَالَ ابْن أبي دُؤاد تَقول أَو أَقُول قَالَ هَذَا من أوّل جوركم أخرجتم الناسَ من بِلَادهمْ ودعوتموهم إِلَى لَا شَيْء لَا بل أَقُول قَالَ قل والواثق جَالس فَقَالَ أَخْبرنِي عَن هَذَا الرَّأْي الَّذِي دعوتم إِلَيْهِ الناسَ أعلمهُ رَسُول الله ﷺ فَلم يدعُ الناسَ إِلَيْهِ أم شَيْء لمَم يُعلمهُ قَالَ فبُهِتُوا واستضحك الواثق وَقَامَ قَابِضا على فَمه وَدخل بَيْتا ومدّ رِجلَيه وَهُوَ يَقُول وسعَ النَّبِي ﷺ أَن يسكت عَنهُ وَلم يَسَعنا فَأمر أَن يُعطى ثَلَاثمِائَة دِينَار وَأَن يُردَّ إِلَى بَلَده وَقَالَ زُرقان بن أبي
دُؤاد لما احتُضِر الواثق جعل يردِّد هذَيْن الْبَيْتَيْنِ
الْمَوْت فِيهِ جميعُ الخَلق مشترِكٌلَا سُوقةٌ منهُمُ يبْقى وَلَا مَلِكُ
مَا ضرَّ أهل قَلِيل فِي تفاقُرهموَلَيْسَ يُغنى عَن الْأَمْلَاك مَا مَلكوا
ثمَّ أَمر بالبُسُط فطُوِيَت من تَحْتَهُ وألصق خدَّه بِالْأَرْضِ وَجعل يَقُول يَا من لَا يَزُول مُلكُه وَكَانَ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ قد صادر الدَّوَاوِين وسَجَنهم وَضرب أَحْمد بن أبي إِسْرَائِيل ألف سَوطٍ وَأخذ مِنْهُ ثَمَانِينَ ألف دِينَار وَمن سُلَيْمَان بن وهب كَاتب الْأَمِير أيتاخ أَرْبَعمِائَة ألف دِينَار وَمن أَحْمد بن الخصيب وكاتبه ألف ألف دِينَار وَيُقَال إِنَّه أَخذ من الكتّاب فِي هَذِه السّنة ثَلَاثَة آلَاف ألف دِينَار وَقَالَ مُحَمَّد بن عبد الْملك يرثي الواثق
سَقَى قَبرَك الهاطل المُسبَلُوجادت لَك الدِيَمُ الحُفَّلُ
وأسكَنَكَ الله خُلدَ الجِنانوجاوَرَك المُصطَفى المُرسَل
فقد بِنتَ منا على حاجةٍوَهل يُدفَعُ القَدَرُ المُنزَل
وَذَلِكَ من خَيرةٍ سَاقهَاإِلَيْك إلهك لَا تُجهَل
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع