من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
ابْن إِسْمَاعِيل (٣)
كَانَ بر المغاربة الجنوبي لقبيلة تسمى زناتة برابر فَخرج عَلَيْهِم من جنوب الْمغرب من الْبِلَاد المتاخمة لبلاد السودَان الملثمون يقدمهم أَبُو بكر بن عمر مِنْهُم وَكَانَ رجلا ساذجا خير الطباع موثرا لبلاده على بِلَاد الْمغرب غير ميال إِلَى الرَّفَاهِيَة وَكَانَ وُلَاة الْمغرب من زناتة ضعفاء لم يقاوموا الملثمين فَأخذُوا الْبِلَاد من أَيْديهم من بَاب تلمسان إِلَى سَاحل الْبَحْر الْمُحِيط فَلَمَّا حصلت الْبِلَاد لأبي بكر بن عمر الْمَذْكُور سمع أَن عجوزا فِي بِلَاده ذهبت لَهَا نَاقَة فِي غَارة فَبَكَتْ وَقَالَت لقد ضيعنا أَبُو بكر بن عمر بِدُخُولِهِ إِلَى بِلَاد الْمغرب ف حمله ذَلِك على أَن اسْتخْلف يُوسُف بن تاشفين هَذَا وَرجع إِلَى بِلَاده الجنوبية فاستمر هُنَاكَ وساس النَّاس سياسة حَسَنَة واختط مراكش فِي سنة خمس وَسِتِّينَ وَأَرْبع مائَة وَكَانَ موضعهَا مكمنا للصوص ومراكش بلغَة المصامدة امش مسرعا أَو خوفًا من اللُّصُوص وَكَانَ ملكا لعجوز مصمودية
وَلما تمهدت لَهُ الْبِلَاد تاق إِلَى العبور إِلَى جَزِيرَة الأندلس وَكَانَت مُحصنَة بالبحر فَأَنْشَأَ الشواني والمراكب والمقاتلة فَلَمَّا علم مُلُوك الأندلس بذلك اسْتَعدوا لَهُ وكرهوا إلمامه بجزيرتهم لكِنهمْ كَرهُوا أَن يصبحوا بَين عدوين الفرنج من شماليهم والملثمون من جنوبيهم وَكَانَت الفرنج تشد الْوَطْأَة عَلَيْهِم وَأهل الأندلس ترهبهم بِإِظْهَار مُوالَاة يُوسُف بن تاشفين وَكَانَ لَهُ اسْم كَبِير لنقله دولة زناتة وَملك الْمغرب إِلَيْهِ فِي أسْرع وَقت وَكَانَ قد
ظهر لأبطال الملثمين فِي الحروب ضربات بِالسُّيُوفِ تقذ الْفَارِس وطعنات تنظم الكلى وَكَانَ لَهُ بذلك ناموس ورعب فراسل مُلُوك الأندلس بَعضهم بَعْضًا وفزعوا فِي ذَلِك إِلَى الْمُعْتَمد بن عباد لِأَنَّهُ أَشْجَع الْقَوْم وأكبرهم مملكة فَكتب عَنْهُم كتابا من أهل الأندلس وَهُوَ
أما بعد فَإنَّك إِن أَعرَضت عَنَّا نسبت إِلَى كرم وَلم تنْسب إِلَى عجز وَإِن أجبنا داعيك نسبنا إِلَى عقل وَلم ننسب إِلَى وَهن وَقد اخترنا لأنفسنا أجمل نسبتنا فاختر لنَفسك أكْرم نسبتك فَإنَّك بِالْمحل الَّذِي لَا يجب أَن تسبق فِيهِ إِلَى مكرمَة وَإِن فِي استبقائك ذَوي الْبيُوت من دوَام أَمرك وَثُبُوت ملكك وَالسَّلَام فَلَمَّا جَاءَهُ الْكتاب مَعَ تحف وهدايا وَكَانَ لَا يعرف بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيّ لكنه كَانَ يجيد فهم الْمَقَاصِد وَله كَاتب يعرف باللغة الْعَرَبيَّة والمرابطية فَقَالَ لَهُ أَيهَا الْأَمِير هَذَا الْكتاب من مُلُوك الأندلس يعظمونك فِيهِ ويعرفونك أَنهم أهل دعوتك وَتَحْت طَاعَتك ويلتمسون مِنْك أَنَّك لَا تجعلهم فِي منزلَة الأعادي فَإِنَّهُم مُسلمُونَ وَمن ذَوي الْبيُوت تُعِزَّهُمْ وتكفيهم من وَرَاءَهُمْ من الأعادي الْكفَّار وبلدهم ضيق لَا يحْتَمل العساكر فَأَعْرض عَنْهُم إِعْرَاض من أطاعك من أهل الْمغرب فَقَالَ ابْن تاشفين فَمَا ترى أَنْت فَقَالَ الْكَاتِب أَيهَا الْملك إِن تَاج الْملك وبهجته وَشَاهده الَّذِي لَا يرد بِأَنَّهُ خليق بِمَا حصل فِي يَده من الْملك أَن يعْفُو إِذا استعفي وَأَن يهب إِذا استوهب وَكلما وهب جزيلا كَانَ أعظم لقدره فَإِذا عظم قدره تأصل ملكه وَإِذا تأصل ملكه تشرف النَّاس بِطَاعَتِهِ وَإِذا كَانَت طَاعَته رفا جَاءَهُ النَّاس وَلم يتجشم الْمَشَقَّة إِلَيْهِم وَكَانَ وَارِث الْملك من غير إهلاكه لآخرته وَاعْلَم أَن بعض الْمُلُوك الأكابر والحكماء البصراء بطرِيق تَحْصِيل الْملك قَالَ من جاد سَاد وَمن سَاد قاد وَمن قاد ملك الْبِلَاد فَلَمَّا فهمه بلغته هَذَا الْكَلَام وَعلم أَنه صَحِيح قَالَ أجب الْقَوْم فَكتب
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من يُوسُف بن تاشفين سَلام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته تَحِيَّة من سالمكم وَسلم إِلَيْكُم وَحكمه النَّصْر والتأييد فِيمَا حكم عَلَيْكُم فَإِن مَا بِأَيْدِيكُمْ من الْملك فِي أوسع باحة مخصوصون منا بأكرم إِيثَار وسماحة فاستديموا وفاءنا بوفائكم واستصلحوا إخاءنا بصلاح إخائكم وَالله ولي التَّوْفِيق لنا وَلكم وَالسَّلَام وقرأه عَلَيْهِ وفهمه ذَلِك بلغته فَاسْتَحْسَنَهُ وجهزه وَقرن بِهِ درقا لِمَطِيَّةٍ مِمَّا لم يكن إِلَّا فِي بِلَاده ولمطة بَلْدَة عِنْد السوس الْأَقْصَى بَينهَا وَبَين سجلماسة عشرُون يَوْمًا وَلما وصل ذَلِك إِلَيْهِم أحبوه وعظموه وفرحوا بِهِ وقويت نُفُوسهم على دفع الإفرنج ثمَّ إِن الأذفونش جاس خلال الأندلس واشتط على مُلُوكهمْ يطْلب الْبِلَاد مِنْهُم وخصوصا الْمُعْتَمد بن عباد فَلَمَّا رأى ابْن عباد طمع
الأذفونش فِيهِ استدعى أَمِير الْمُسلمين يُوسُف بن تاشفين وَقَالَ لِأَن ترعى أَوْلَادنَا جمال الملثمين أحب إِلَيْهِم من أَن يرعوا خنازير الفرنج وَكَانَ ابْن تاشفين على أتم أهبة فَعبر إِلَى الأندلس وَاجْتمعَ إِلَيْهِ مُلُوكهَا واستنفر الأذفونش جَمِيع الفرنج فَخَرجُوا فِي عد لَا يُعلمهُ إِلَّا الله تَعَالَى وَلم تزل الجموع تتزايد وتتواتر إِلَى أَن امْتَلَأت جَزِيرَة الأندلس خيلا ورجلا من الْفَرِيقَيْنِ وَأمر ابْن تاشفين بعبور الْجمال فَعبر مِنْهَا مَا أغص الجزيرة وارتفع رغاؤها إِلَى عنان السَّمَاء وَلم يكن أهل الجزيرة قد رَأَوْا جملا قطّ وَلَا رَأَتْ خيلهم صورها وَلَا سَمِعت أصواتها فَكَانَت تذْعَر مِنْهَا وتقلق وَكَانَ ابْن تاشفين يحدق عسكره بالجمال وَكَانَت خير الفرنج تحجم عَنْهَا ثمَّ ابْن تاشفين قدم بَين يَدي حربه كتابا على مُقْتَضى السّنة يعرض عَلَيْهِ الْإِسْلَام وَالدُّخُول فِيهِ أَو الْحَرْب أَو الْجِزْيَة فَأبى إِلَّا الْقِتَال فَاخْتَارَ ابْن عباد أَن يكون هُوَ المصادم أَولا فَفَعَلُوا ذَلِك وتلاقوا واستحر الْقَتْل فيهم فَلم يفلت من الفرنج غير الأذفونش من دون الثَّلَاثِينَ من أَصْحَابه فغنم الْمُسلمُونَ أثاثهم وخيلهم بِمَا مَلَأت أَيْديهم وَكَانَت الْوَقْعَة فِي الزلاقة خَامِس عشر شهر رَجَب سنة تسع وَسبعين وَأَرْبع مائَة وَقيل فِي الْعشْر الْأَوَاخِر من شهر رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة وَحكي أَن موقع المعركة على اتساعه مَا كَانَ فِيهِ مَوضِع قدم إِلَّا على جَسَد أَو دم وأقامت العساكر بالموضع أَرْبَعَة أَيَّام حَتَّى جمعت الْغَنَائِم فَلَمَّا لِأَن حصلت عف عَنْهَا ابْن تاشفين وآثر بهَا مُلُوك الأندلس وَقَالَ إِنَّمَا أَتَيْنَا للغزو لَا للنهب فَلَمَّا رأى ذَلِك مُلُوك الأندلس استكرموه وأحبوه وشكروا لَهُ فَلَمَّا فرغ ابْن تاشفين من الْحَرْب عزم على العودة إِلَى بِلَاده وَكَانَ عِنْد دُخُوله إِلَى الجزيرة تحرى الْمسير بالعراء من غير أَن يمر بِمَدِينَة أَو رستاق فَسَأَلَهُ ابْن عباد أَن يجوز إِلَى بَلَده وَينزل عِنْده فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك فَلَمَّا انْتهى إِلَى إشبيلية مَدِينَة الْمُعْتَمد وَكَانَت من أجمل المدن وَنظر إِلَى وَضعهَا على نهر عَظِيم مستبحر تجْرِي فِيهِ السفن بالبضائع من بر الْمغرب وحاملة إِلَيْهِ فِي غربيه وَهُوَ رستاق عَظِيم يشْتَمل على الآلاف من الضّيَاع كلهَا تين وعنب وزيتون وَفِي جَانب الْمَدِينَة قُصُور الْمُعْتَمد وَأَبِيهِ المعتضد على غَايَة الْحسن والبهاء فَأنْزل ابْن تاشفين أحد الْقُصُور وَبَالغ فِي خدمته وإكرامه فَأخذ أَصْحَاب ابْن تاشفين فِي إغرائه على اتِّخَاذ مثل تِلْكَ الْمنَازل وَيَقُولُونَ لَهُ إِن فَائِدَة الْملك قطع الْعُمر بالعيش الْمُنعم والتلذذ كَمَا هُوَ الْمُعْتَمد وَأَصْحَابه وَكَانَ ابْن تاشفين مقتصدا فِي أُمُوره غير متطاول وَلَا مبذر وَكَانَ قد أذهب صدر عمره فِي بِلَاد فِي شظف الْعَيْش فَأنْكر على مغريه بذلك الْإِسْرَاف وَقَالَ الَّذِي يلوح من أَمر هَذَا الرجل أَنه مضيع لما فِي يَده من المَال وَالْملك لِأَن هَذِه الْأَمْوَال الَّتِي تعينه فِي هَذِه الْأَحْوَال لَا بُد أَن يكون لَهَا أَرْبَاب وَلَا يُمكن أَخذ هَذَا الْقدر مِنْهُم على وَجهه الْعدْل أبدا فَأَخذه بالظلم وَأخرجه بالترهات وَهَذَا من أفحش الاستهتار وَمن كَانَت
همته فِي هَذَا الْحَد من التَّصَرُّف فِي مَا لَا يعدو الأجوفين مَتى يشحذ همته فِي حفظ بِلَاده وضبطها ثمَّ إِن ابْن تاشفين سَأَلَ عَن حَال الْمُعْتَمد فِي لذاته هَل تخْتَلف فتنقص عَمَّا هِيَ عَلَيْهِ فِي بعض الْأَوْقَات فَقيل لَهُ بل كل زَمَانه على هَذَا قَالَ وكل أَصْحَابه وأنصاره منجدوه على عدوه قَالُوا لَا قَالَ كَيفَ ترَوْنَ رضاهم عَنهُ قَالُوا لَا رضَا لَهُم عَنهُ فَأَطْرَقَ وَسكت وَأقَام عِنْد الْمُعْتَمد أَيَّامًا على تِلْكَ الْحَال
وَاسْتَأْذَنَ رجل على الْمُعْتَمد فَأدْخل وَهُوَ ذُو هَيْئَة رثَّة فَأذن لَهُ فَقَالَ لَهُ أصلحك الله إِن من أوجب الْوَاجِبَات شكر النِّعْمَة وَمن شكر النِّعْمَة إهداء النصائح وَإِنِّي رجل من رعيتك وَمن ذَلِك خبر وَقع فِي أُذُنِي من بعض أَصْحَاب ضيفك يدل على أَنهم يرَوْنَ أنفسهم وملكهم أَحَق بِهَذِهِ النِّعْمَة مِنْك وَقد رَأَيْت رَأيا إِن آثرت الإصغاء إِلَيْهِ قلته قَالَ قل قَالَ رَأَيْت أَن هَذَا الرجل الَّذِي أطلعته على ملكك رجل مستأسد على الْمُلُوك قد حطم ببر العدوة زناتة وَأخذ الْملك مِنْهُم وَلم يبْق على أحد مِنْهُم وَلَا يُؤمن أَن يطمح على الطماعية فِي ملكك بل فِي ملك الجزيرة كلهَا لما قد عاينه من بلهنية عيشك وَأَنه يتخيل أَن كل مُلُوك الأندلس فِي مثل حالك وَأَن لَهُ من الْوَلَد والأقارب من يود أَن يكون فِي عيشه مثل عيشكم وَقد أودى الأذفونش وجيشه واستأصل شأفتهم وأعدمك من هُوَ أقوى نَاصِر عَلَيْهِ لَو احتجت إِلَيْهِ وَبعد إِن فَاتَ الْأَمر لم يفتك الحزم فِيمَا هُوَ مُمكن الْيَوْم قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ أَن تجمع أَمرك على قبض ضيفك هَذَا واعتقاله فِي قصرك وتجزم أَنَّك لَا تطلقه حَتَّى يَأْمر كل من بِجَزِيرَة الأندلس من عسكره أَن يرجع من حَيْثُ جَاءَ حَتَّى لَا يبْقى مِنْهُم بالجزيرة طِفْل ثمَّ تنْفق أَنْت وملوك الأندلس على حراسة هَذَا الْبَحْر من سفينة تجْرِي فِيهِ لغزاة لَهُ ثمَّ بعد ذَلِك تستحلفه بأغلظ الْأَيْمَان أَلا يضمر فِي نَفسه عود إِلَى هَذِه الجزيرة إِلَّا بِاتِّفَاق مِنْكُم وَتَأْخُذ مِنْهُ على ذَلِك رهائن فَإِنَّهُ يعطيك من ذَلِك مَا تشَاء فنفسه أعز عَلَيْهِ من جَمِيع مَا تطلبه مِنْهُ ويقنع ببلاده الَّتِي لَا تصلح إِلَّا لَهُ وَتَكون قد استرحت مِنْهُ ويرتفع ذكرك عِنْد مُلُوك الأندلس فَلَمَّا سمع الْمُعْتَمد ذَلِك استصوبه وَجعل يفكر فِي انتهاز الفرصة وَكَانَ للمعتمد ندماء قد انهمكوا مَعَه فِي اللَّذَّات فَقَالَ أحدهم للرجل الناصح مَا كَانَ الْمُعْتَمد بن عباد مِمَّن يُعَامل بالحيف ويغدر بالضيف وَهُوَ إِمَام المكرمات فَقَالَ الرجل إِنَّمَا الْغدر أَخذ الْحق من صَاحبه لَا دفع الرجل الْأَذَى عَن نَفسه إِذا ضَاقَ بِهِ واستدرك الْأَمر وتلافاه فَقَالَ ذَلِك النديم لضيم مَعَ وَفَاء خير من حزم مَعَ جفَاء ثمَّ إِن ذَلِك الرجل استدرك الْأَمر وتلافاه فَشكر لَهُ الْمُعْتَمد وَوَصله واتصل الْخَبَر بِابْن تاشفين فَأصْبح غاديا فَقدم لَهُ الْمُعْتَمد الْهَدَايَا السّنيَّة فقبلها ورحل فَعبر من الجزيرة الخضراء إِلَى سبتة وَلما عبر يُوسُف وَأقَام عسكره بالجزيرة ريثما استراح وتتبع آثَار الأذفونش وتوغل فِي بِلَاده وَمَات الأذفونش
هما وغما وَخلف بِنْتا تحصنت بطليطلة وَجعل الْأَمر إِلَيْهَا وَكسب عَسْكَر ابْن تاشفين مَا لَا يحد وَلَا يُوصف وَكَانَ ابْن تاشفين قد قدم عَلَيْهِم سير بن أبي بكر فَكتب إِ ليه أَنه قد افْتتح معاقل وثغورا وَفتح أَمَاكِن ورتب بهَا المستحفظين وَأَنه لَا يَسْتَقِيم لهَذِهِ الجيوش أَن تقيم بالثغور على ضنك من الْعَيْش تصابح الْعَدو وتماسيه فَكتب إِلَيْهِ بمحاربة مُلُوك الأندلس وَألا ينفس لأحد مِنْهُم ويلجئهم إِلَى الْوُصُول إِلَى العدوة وليبدأ مِنْهُم بمجاوري الثغور وَألا يتَعَرَّض للمعتمد بن عباد مَا لم يستول على الْبِلَاد فابتدأ سير بن أبي بكر بملوك بني هود وتسلم حصن روطه ثمَّ نَازل بني طَاهِر بشرق الأندلس فَسَلمُوا إِلَيْهِ وَلَحِقُوا بالعدوة ثمَّ نَازل بني صمادح بالمرية فَلَمَّا علم المعتصم بن صمادح أَنه مغلوب دخل قصره وأدركه أَسف فَمَاتَ من ليلته وتسلم الْمَدِينَة ثمَّ نَازل المتَوَكل عمر بن الْأَفْطَس وَكَانَ رجلا عَظِيما فَاضلا فخامر عَلَيْهِ أَصْحَابه وقبضوا عَلَيْهِ وعَلى ولديه فَقتلُوا صبرا وَحمل أَوْلَاده الأصاغر إِلَى مراكش وَسَائِر مُلُوك الجزيرة سلمُوا وتحولوا إِلَى بر العدوة إِلَّا مَا كَانَ من الْمُعْتَمد بن عباد فَإِن سير بن أبي بكر لما فرغ من مُلُوك الأندلس كتب إِلَى ابْن تاشفين أَنه لم يبْق من مُلُوك الجزيرة غير ابْن عباد فارسم فِي أمره مَا ترَاهُ فَأمر بِقَصْدِهِ وَأَن يعرض عَلَيْهِ التَّحَوُّل إِلَى بر العودة بأَهْله وَمَاله فَإِن فعل فبها ونعمت وَإِن أَبى فنازله فَعرض ذَلِك عَلَيْهِ فَأبى وحاصره أشهرا ثمَّ دخل عَلَيْهِ الْبَلَد قهرا وَحمله مُقَيّدا إِلَى أغمات كَمَا تقدم فِي تَرْجَمته وَلم يعتقل من مُلُوك الأندلس غَيره وَقيل فِي سَبَب تغير ابْن تاشفين على مُلُوك الجزيرة وَابْن عباد غير هَذَا واستحوذ ابْن تاشفين على ملك الجزيرة وَمَات يَوْم الِاثْنَيْنِ لثلاث خلون من الْمحرم سنة خمس مائَة وعاش تسعين سنة ملك مِنْهَا مُدَّة خمسين سنة وَأوصى بِالْملكِ من بعده لوَلَده أبي الْحسن عَليّ بن يُوسُف وَقد تقدم ذكره فِي مَوْضِعه من حرف الْعين وَتقدم ذكر وَلَده إِسْحَاق بن عَليّ وَذكر وَلَده تاشفين بن عَليّ فِي مكانيهما وانْتهى ملك بني تاشفين
وَكَانَ يُوسُف معتدل الْقَامَة أسمر اللَّوْن نحيف الْجِسْم خَفِيف العارضين دَقِيق الصَّوْت حسن السِّيرَة خيرا عادلا يمِيل إِلَى أهل الْعلم ويكرمهم ويحكمهم فِي بِلَاده ويصدر عَن آرائهم وَكَانَ يحب الْعَفو والصفح عَن الذُّنُوب الْكِبَار قيل إِن ثَلَاثَة نفر اجْتَمعُوا فتمنى أحدهم ألف دِينَار يتجر فِيهَا وَتمنى الآخر عملا يعْمل فِيهِ لأمير الْمُسلمين وَتمنى الآخر زَوجته وَكَانَت أحسن النِّسَاء وَلها الحكم فِي بِلَاده فَبَلغهُ الْخَبَر فأحضرهم وَأعْطى متمني المالي ألف دِينَار وَاسْتعْمل الآخر وَقَالَ للَّذي تمنى زَوجته يَا جَاهِل مَا حملك على تمني الَّذِي لَا تصل إِلَيْهِ ثمَّ أرْسلهُ إِلَيْهَا فتركته فِي خيمة ثَلَاثَة أَيَّام تحمل إِلَيْهِ فِي كل يَوْم طَعَاما وَاحِدًا ثمَّ أحضرته وَقَالَت لَهُ مَا أكلات فِي هَذِه الْأَيَّام قَالَ طَعَاما وَاحِدًا فَقَالَت لَهُ كل النِّسَاء شَيْء وَاحِد وَأمرت لَهُ بِمَال وَكِسْوَة وأطلقته
وأوصل الملثمين أَنهم قوم من حمير بن سبأ وهم أَصْحَاب خيل وإبل وَشاء يسكنون الصحارى الجنوبية وينتقلون من مَاء إِلَى مَاء كالعرب وَبُيُوتهمْ الشّعْر والوبر فَأول من جمعهم وحرضهم على الْقِتَال عبد الله بن ياسين الْفَقِيه وَقتل فِي حَرْب جرت مَعَ برغواطة وَقَامَ مقَامه أَبُو بكر بن عمر الصنهاجي الصحراوي وَمَات فِي حَرْب السودَان ويوسف بن تاشفين هُوَ الَّذِي سمى أَصْحَابه الملثمين لأَنهم يتلثمون وَلَا يكشفون وُجُوههم وَذَلِكَ سنة لَهُم يتوارثونها خلفا عَن سلف وَسبب ذَلِك على مَا قيل أَن حمير كَانَت تتلثم لشدَّة الْحر وَالْبرد يَفْعَله الْخَواص مِنْهُم فَكثر ذَلِك فيهم حَتَّى فعله عوامهم وَقيل إِن سَبَب ذَلِك هُوَ أَن قوما من أعدائهم كَانُوا يقصدون غفلتهم إِذا غَابُوا عَن بُيُوتهم فيطرقون الْحَيّ وَيَأْخُذُونَ المَال والحريم فَأَشَارَ عَلَيْهِم بعض مشايخهم أَن يبعثوا النِّسَاء فِي زِيّ الرِّجَال إِلَى نَاحيَة ويقعدوا فِي الْبيُوت فِي زِيّ النِّسَاء فَإِذا أَتَاهُم الْعَدو وظنوا أَنهم النِّسَاء يخرجُون عَلَيْهِم فَفَعَلُوا ذَلِك وثاروا عَلَيْهِم بِالسُّيُوفِ فَقَتَلُوهُمْ فلزموا اللثام تبركا بِمَا حصل لَهُم من الظفر بالعدو
وَقَالَ عز الدّين بن الْأَثِير رَحمَه الله تَعَالَى سَبَب اللثام أَن طَائِفَة من لمتونة خَرجُوا مغيرين على عدوهم فخالفهم الْعَدو إِلَى بُيُوتهم وَلم يكن بهَا إِلَّا الْمَشَايِخ وَالصبيان وَالنِّسَاء فَلَمَّا تحقق المشائخ أَنهم الْعَدو أمروا النِّسَاء أَن يلبس ثِيَاب الرِّجَال ويتلثمن ويضيقن اللثام حَتَّى لَا يعرفن ويحملن السِّلَاح ففعلن ذَلِك وَتقدم الصّبيان والمشائخ أمامهن واستدار النِّسَاء بِالْبُيُوتِ فَلَمَّا أشرف الْعَدو وَرَأى جمعا عَظِيما فَظَنهُ رجَالًا وَقَالُوا عِنْد حريمهم يُقَاتلُون عَنْهُن قتال الْمَوْت والرأي أَن نسوق النعم ونمضي فَإِن الْقَوْم اتبعونا قاتلناهم خَارِجا عَن حريمهم فَبينا هم فِي جمع النعم من المراعي إِذا أقبل رجال الْحَيّ فَبَقيَ الْعَدو بَينهم وَبَين النِّسَاء فَقتلُوا من الْعَدو وَأَكْثرُوا وَكَانَ من قبل النِّسَاء أَكثر فَمن ذَلِك الْوَقْت جعلُوا اللثام سنة يلازمونه وَلَا يعرف الشَّيْخ من الشَّاب وَلَا يزيلونه لَيْلًا وَلَا نَهَارا
وَمِمَّا قيل فِي اللثام // //
قوم لَهُم دَرك العلى فِي حميروَإِن انتموا صنهاجة فهم هم
لما حووا إِحْرَاز كل فَضِيلَةغلب الْحيَاء عَلَيْهِم فتلثموا
كَمَال الدّين الأسنائي ابْن الْأُسْتَاذ الشَّافِعِي يُوسُف بن جَعْفَر بن حيدرة بن حسان الأسنائي كَمَال الدّين الشَّافِعِي قَرَأَ على الشَّيْخ بهاء الدّين القفطي وَكَانَ كَرِيمًا
جوادا تولى الحكم بأصفون من بِلَاد قوص والمنشأة من بِلَاد إخميم وَتُوفِّي سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وست مائَة بمنشأة إخميم وَكَانَ لشمس الدّين بن السديد أَخَوان من أَبِيه فماتا واتهم بِقَتْلِهِمَا فهرب كَمَال الدّين وَكتب ورقة فِيهَا وَلما أ؛ س الْمَمْلُوك الربة المستعملة من دم الْأَخَوَيْنِ شرب لَهَا حب الغاريقون وَقَالَ إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون
وَله رسائل وَشعر مِنْهُ قَوْله // //
لَا تَطْلُبن من السواقي ثروةيَوْمًا فَمَا لفسادهن صَلَاح
فالشد حل والرسوم تراسموَالْعشر عشر وَالْخَرَاج جراح
وَمِنْه يمدح موقعا وأجاد // //
يَا من إِذا خطّ الْكتاب يَمِينهأهْدى إِلَيْنَا الوشي من صنعاء
لم تجر كفك فِي الْبيَاض موقعاإِلَّا تجلت عَن يَد بَيْضَاء
ابْن الصيقل يُوسُف بن الْحجَّاج الصيقل يُقَال إِنَّه من ثَقِيف وَقيل هُوَ مَوْلَاهُم ذكر مُحَمَّد بن دَاوُد بن الْجراح أَنه كَانَ يلقب لقُوَّة كَانَ يصحب أَبَا نواس وَيَأْخُذ عَنهُ ويروي لَهُ وَأَبوهُ الْحجَّاج بن يُوسُف مُحدث ثِقَة روى عَنهُ جمَاعَة كَثِيرَة ذكره أَبُو الْفرج فِي كتاب الأغاني وَكَانَ يُوسُف بن الصَّقِيل كَاتب سر بِالْكُوفَةِ أَخذ من الرشيد مَالا كثيرا وَقَالَ ابْن الْجراح كَانَ يُوسُف مبادرا باللواط وَله فِي ذَلِك أشعار كَثِيرَة مِنْهَا قَوْله // //
لَا تنيكن مَا بقيتغُلَاما مكابره
لَا تمرن باستهغير دفع المؤامره
إِن هَذَا اللواط دينبراه الأساوره
وهم فِيهِ منصفومحسن المعاشره
وَقَوله // //
ضع كَذَا صدرك لي يَا سَيِّديوَاتخذ عِنْدِي إِلَى الْحَشْر يدا
إِنَّمَا ردفك سرج مَذْهَبكشف البزيون عَنهُ فَبَدَا
فأعرنيه وَلَا تبخل بِهِلَيْسَ يبليه ركوبي أبدا
بل يصفيه ويحلو وَلَاأبدا فِيهِ ترَاهُ أوصدا
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع