تجاوز إلى المحتوى

من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

الحسين بن محمّد

ابن الحسين محمد بن الحسين بن زين الحسين بن مظفر بن علي بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله العوكلاني، بالعين المهملة المفتوحة والواو الساكنة، وبعدها كاف مفتوحة ولام ألف، ونون وياء النسبة: ابن موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁.

القاضي الكاتب الناظم الناثر شهاب الدين أبو عبد الله الحسيني المعروف بابن قاضي العسكر، موقع الدست الشريف بالقاهرة.

إن نظم قلت: البحر يلتطم، وإن نثر قلت: السيل يحتد ويحتدم كأنه يترسل، ومترسل يتوصل بالبلاغة ويتوسل، بديهته تسبق قلمه، ورويته تلحق بالدر كلمه، ذو نفس ممتد، وفكر محتد، وإنشاء معناه مبيض في خلال السطر المسود. كم أنشأ من تقليد، وكتب من توقيع نسخ بين دفتي التجليد، وقضي لذكره بالتخليد، وراسل إخوانه بكتاب ألقى إليه البيان بالإقليد، وولد معانيه الغامضة فتضرج خد البلاغة من توريد ذلك التوليد، وكان قد أنشأ شيئاً كثيراً، وخلد منه ما لا يعرف له نظيراً، وباشر كتابة السر في حلب، ولم تطل المدة حتى انقلب، فرجع إلى وطنه باختياره، وفرحت مصر بازدياده.

ولم يزل على حاله على وظيفته إلى أن تلاشى كيانه، وأودى بيانه، وسكتت الشقائق، وقرطست تلك الأسهم الرواشق.

وتوفي رحمه الله تعالى في سابع عشر شعبان يوم الاثنين سنة اثنتين وستين وسبع مئة.

وسألته عن مولده فذكر أنه في سنة ثمان وتسعين وست مئة بالقاهرة في سويقة الصاحب.

اجتمعت به ورافقته في ديوان الإنشاء بقلعة الجبل، وبدمشق لما قدم متوجهاً لكتابة سر حلب، وأنشدني كثيراً من نظمه إلى الغاية، وأسمعني من إنشائه ما يزيد على الوصف، ورأيته يكتب وهو ينشي ما يكتبه، وينشدني من شعره غير ما يكتبه،

وكان مطيقاً على فني النظم والنثر، له قدرة تامة. كتب بديوان الإنشاء من التقاليد والتواقيع شيئاً كثيراً إلى الغاية. وأجاز لي، على ما ذكره من لفظه، الشيخ شرف الدين الدمياطي وقاضي القضاة تقي الدين بن دقيق العيد والأبرقوهي. قال: وحفظت التنبيه وبحثته، واشتغل على الشيخ علاء الدين القونوي، ورسم له بالتوقيع بين يدي السلطان الملك الكامل شعبان في سنة ست وأربعين وسبع مئة عوضاً عن القاضي زين الدين محمد بن الخضر لما خرج لكتابة سر الشام، وكان بيده خطابة وتدريس فيما أظن.

وكتبت إليه من رحبة مالك بن طوق:

ما لقلبي عن حبّكم قطّ سلوهكلّ حالٍ منكم لدى الصبّ حلوه
إن بخلتم حاشاكم بوفاءٍأو ثنتكم بعد التّعطّف قسوه
فلكم قد قضى وما نقض العهد محبٌّ ولي بذلك أُسوه
يا ابن بنت النّبي قل لي وقولييا بن بنت النبي أفضل دعوه
هل بدا في الوفاء منّي نقضٌأو جرى في الحفاظ منّي هفوه
فعلام الإعراض والصّدّ عمّنلم يجد في سوى معاليك صبوه
كيف أنسى ساعات وصل تقضّتوبعطفي منها بقيّة نشوه
ما خلت خلوة ولم ألق فيهامن عذارى حديثك العذب جلوه
حيث لي من حديثك النظم والنثر متى ما أردت كاسات قهوه
ومعانٍ كالحور زفّ حلاهامنطقٌ تشخص الأفاضل نحوه
كان في مصر لي بقربك أنسٌعن أُناسٍ لهم عن الخير نبوه
وأرى رقّة الحواشي التي عندك تغنى عمّن غدا فيه جفوه
وإذا ما أتيت ألفيت صدراًمنك لي في حماه حظٌّ وحظوه
واقتعدت الفخار بين البراياوتسنّمت في السّيادة ذروه
وأرى أن لي إذا زرت أرضاًأنت فيها التشريف في كلّ خطوه
كيف لا والولاء في قومك الغرّأراه في الدين أوثق عروه
منيتي أن أرى حماك بعينيلا أراك الحمى ولا دار علوه
آه لو تنصف الليالي إذ ماحكمت بالبعاد من غير عنوه
أو لوانّ الفراق يقبل منيفي اقتراب الدّيار من مصر رشوه
يا زماناً بمصر ولّى حميداًهل يجيب الإله لي فيك دعوه

فكتب إلي الجواب عنها تسعةً وستين بيتاً:

أنسيم الصّبا على الروض غدوهسحبت ذيلها على كلّ ربوه
وسرى لطفها إلى الدّوح فارتاح فكم رنّحت معاطف سروه
أم سقيط النّدى على الورد كالياقوت إذ يجعل اللآلئ حشوه
أم تثنّي الغصون في حلل الزّهر سقاها السحاب كاسات قهوه
أم مسيل المياه بين رياضٍبنضار الأصيل أمست تموّه
أم غناء الحمام غرّد في البان وأضحى به يرجّع شدوه
أم نجوم السماء زهرٌ أم البدر منيرٌ أم مشرق الشمس ضحوه
أم وصال الحبيب بعد صدودٍفأتى ذا لذا فأسرع محوه
أم حديث العذيب يعذب في كل لهاةٍ لمن تذكر لهوه
أم كتابٌ قد جاءني من خليلٍبارع فالخليل لم ينج نحوه
رحب باعٍ لرحبة الشام وافىذو وفاء وعفّة وفتوّه
سامقٌ فوق هضبة المجد والعز سبوق لم يدرك الناس شأوه
ناظمٌ ناثرٌ بليغٌ بديعٌماهرٌ باهر المقالة أفوه
حيثما حلّ في الممالك حلّىوغدا وارداً من الحمد صفوه
بعد حولين قد أتاني فأهلاوحباني عذب الكلام وحلوه
وعناني من عبد دارٍ ولكنغصبته أيدي الحوادث عنوه
وأرادوا حمول ذكري فغاروامنه لمّا أعلى بذكري ونوّه
حجبوه عني فأظهره اللهـ لعيني، أتحجب الشّمس هبوه

منها:

يا صلاح الدين البديع نظاماًوالذي من انشائه لي نشوه
لا تلمني على تأخّر كتبيإذ ألمّت بحدّ ذهني نبوه
كنت في شدّةٍ وقد فرّج اللهـ ونجّى، فصرت منها بنجوه

منها:

أنا سبط النّبي وابن عليّشرفٌ باذخٌ لأرفع ذروه
وإذا ما اعتراني الدّهر بالعدوان أمسكت منهما أيّ عروه

وطلب مني بشتا أسود، فجهزته إليه وكتبت معه:

يا سيّداً ما زال يدعى سيّداحاز المكارم والعلا والسّؤددا
شرّفتني بأوامرٍ دأبي لهامهما أتى مرسومها أن أسجدا
وطلبت بشتاً أسوداً من جلّقٍولو اقتصرت لبست حظّي الأسودا
لبس العباءة والعيون قريرةٌخيرٌ من الحلل الحرير مع الرّدى
فألبسه فضفاض الذيول حكى دجالوناً فوجهك فوقه ليلٌ بدا

فكتب الجواب عن ذلك:

حيّا دمشق وأهلها غيث النّدىوسقى معاهدها الحيا متعهّدا
دارٌ خليل الصدق ساكن ربعهاما عنه منّي بالرّضا أن أبعدا
الفاضل المتفضّل الحبر الذيجمع المحاسن كلّها متفرّدا
الناظم العقد الفريد قريضهوالناثر الدرّ النّفيس منضّدا
والكاتب الحسنات في صحفٍ لهبيضٍ لها اسودّت وجوهٌ للعدى
الصاحب المولي الجميل صحابهمتفضلاً متطوّلاً متودّدا
وصلت وصلت إليّ منك عوارفٌقرباً وبعداً برّها لن يفقدا
وأتى إليّ البشت مقترناً بمالك من يدٍ بيضاء كم وهبت ندى
صوفٌ به لذوي الصّفاء تلفّعٌشعرٌ شعار من اغتدى متعبّدا
قد جاء من جهة الصلاح محبّذاهو من لباس تقي به قد أسعدا
قد قمت في ليل الشّتاء به إلىربّ السّما أدعو له متهجّدا

قلت: وبيني وبينه مكاتبات كثيرة ذكرتها في كتابي ألحان السواجع.

النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الحاء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.