من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
محمد بن علي بن عمر المازني الدهان
شمس الدين الدمشقي الشاعر المشهور.
كان يعرف " مقامات " الحريري، وربما يحفظها، ويدري الموسيقى، ويرى محاسنها ويلحظها، فينظم الشعر الرقيق ويلحنه، ويروجه بذلك على الأسماع ويملأه بهجة ويشجنه. وكان يلعب بالقانون، ويرى أنه يصلح لمنادمة المأمون.
وكان له مكان قد عمره في الربوه، واعتنى به، وجعله بالزخرفة حظوه، يجمع به أحبابه وأترابه وأصحابه، ويأخذ أرباب الملاهي عنه الألحان، ويرون أنهم أشواق إليها من بنت الحان.
ولم يزل على حاله إلى أن دهي الدهان، وأمسى تحت الأرض إلى أن تصير السماء وردة كالدهان.
وتوفي رحمه الله تعالى في خامس شهر رجب يوم السبت سنة إحدى وعشرين وسبع مئة.
أنشدني من لفظه لنفسه القاضي شهاب الدين بن فضل الله قال: كتبت إليه مضمنا:
رأيتك أيها الدهان تبغىمزيدا في التودد بالمساعي
فلو صورت نفسك لم تزدهاعلى ما فيك من كرم الطباع
وذكرت أنا هنا ما نظمته في مليح دهان:
ودهان أقول له ونفسيمن الوجد المبرح لم أجدها
ملكت جميع حسن في البرايافلو صورت نفسك لم تزدها
وكان قد اشترى مملوكاً وأحبه ورباه وهذبه وخرجه، فمات، فحزن عليه حزناً عظيماً، وأسف عليه أسفاً كبيراً، ورثاه بأشعار كثيرة، ولحنها وغنى بها على قانونه، ونقلها المغنون عنه وتداولها الناس مدة مديدة.
وأنشدني من لفظه لنفسه جمال الدين يوسف الشاعر الصوفي في ذلك:
لئن مات يا دهان مملوكك الذيبلغت به في الفسق ما كنت ترتجي
فمثله بالأصباغ وجهاً وقامةًوخصراً وردفاً ثم عاينه واصلج
ومن شعر شمس الدين الدهان مما رثى به مملوكه:
مصيبة فقد أيقظت كل هاجعووثبة حتف فاجأت بالفواجع
ولوعة حزن فاجأت لاعج الأسىفصدمتها الشنعاء بين الأضالع
ووقعة رزء لم تدع حين هدمتقوى الصبر قلباً وقعها غير واقع
إذا ما دعا داعي التذكر باسمهاأجابت حنيناً هاطلات المدامع
لقد ضل من يبغي اجتماعاً وألفةًمن الدهر والأيام ذات القوارع
وما الدهر إلا ظالم غير منصفوموجد تفريق لنا غير جامع
وما هذه الأجساد إلا منازلوأرواحنا فيهن غير ودائع
ومنها:
ألا سبيل الله شخص رزئتهعلى غرة والدهر جم الفحائع
فجعت به كالبدر في السن والسناوكالشمس في إشراقها والمنافع
سريع إلى داعي الجميل مبرأمن العيب عف طرفه في المجامع
جميل المحيا فيه تلمح صادقارزانة كهل وهو في سن يافع
وهي طويلة تزيد على الخمسين بيتاً.
وقال فيه أيضاً:
سلو طول هذا الليل يخبركم عنيبأني لم يغمض لفقدكم جفني
رحلتم بصبري واستمر مريركموأسلمتم قلبي إلى لوعة الحزن
وعوضتموني عن سروري بالأسىوبالبعد عن قربي وبالخوف عن أمني
وقد كان ظني أن يدوم وصالكمفأخلفت الأيام في وصلكم ظني
ومن شعره فيه ما أنشدنيه عنه الصارم إبراهيم بن عبد الرحمن العواد:
ما سيج الورد في خديك ريحانإلا ووجهك في التحقيق بستان
ولا تعطف منك العطف من صلفإلا وريقك خمر وهو نشوان
لله فتنة ذاك الطرف منك لقدسبى المحبين لحظ منه فتان
لو لم يكن سلب العشاق نومهمما راح من غير سهد وهو وسنان
قلت: البيت الرابع أخذه من قول مهذب الدين بن القيسراني:
هذا الذي سلب العشاق نومهمأما ترى عينه ملأى من الوسن
وما أحسن ما أتى بهذا تضميناً شيخنا العلامة شهاب الدين أبو الثناء محمود رحمه الله تعالى، أنشدنيه لنفسه إجازة:
قالوا وقد عاينوا عيني ساهرةمن الكرى وأطالوا في لومهم
فقلت: عهدي به من يوم فارقنيهذا الذي سلب العشاق نومهم
وبه قال: أنشدني له:
عند قلبي منك وجد لا يحدوغرام هزله في القول جد
واشتياق ناره لا تنطفيوله بين شغاف القلب وقد
أيها البدر الذي تيمنيمنه وجه يشبه البدر وخد
وسباني جوهر من ثغرهفوقه من ريقه خمر وشهد
وبه قال: أنشدني له:
دلائل الوجد لا تخفى على الفطنوالحب أقصاه ما أفضى إلى الفتن
كم ذا التستر والأشواق تعرب عنسر الهوى بلسان المدمع الهتن
دع التكتم فالكتمان نار جوىبين الجوانح تذكيها يد المحن
وبح فليس بعار أن تبوح فمافي ساحة الحي إلا كل ذي شجن
قلت: الرابع أخذه من قول الأول.
لا تخف ما صنعت بك الأشواقواشرح هواك فكلنا عشاق
وبه قال: أنشدني له:
ألا حبذا الوادي وروض البنفسجوطيب شذى من عرفه المتأرج
وأغصان بان في نواحيه ميدوكل قويم القد غير معوج
وأنهار ماء في صفاء ورقةتسيل بها ما بين روض مدبج
فإن جعدته خطرة من نسيمهفيا حسن مرآى مائه المتموج
ومن شعره ملغزاً في الجوز:
ومجلود له جرمبلا جرم ولا ذنب
يعاقب وهو من كرم السجية طيب القلب
وكتب إليه المجير أحمد الخياط، نقلته من خطه:
بات بعيد الدار عن سكنهصب قريب المزار من شجنه
متيم يذرف الدموع دمافي الربع بعد الدما على دمنه
لم يبق فيه بلى الرسوم سوىوسم خيال يلوح من بدنه
رام اكتتام الغرام مستتراًبالصبر والصبر ليس من جننه
وكيف يخفي الهوى وعبرتهتنقل من سره إلى علنه
رق له الشامتون حين رأوافرط اكتئاب علاه من حزنه
مد له لا يعي الملام ولايدخل عذل العذول في أذنه
أقسمت بالبيت ذي الستور وبالحجيج والراقصات من بدنه
ويوم جمع والمشعرين ومنوفى فروض الميقات مع سننه
إن أبا عبد الله نادرةأحسن ما في الزمان من حسنه
ليس يوازى بمن يشاكلهفي سائر الناس من بني زمنه
لا في نهاه ولا فضائلهولا ذكاه كلا ولا فطنه
غذي لبان الآداب في حكم العلوم قبل الفصال من لبنه
وفاق في الموسيقا ومعبد فيدخوله والغريض في غننه
وفي القريض الجزل الرقيق شأىوفات نجل الحسين مع حسنه
هو الحبيب الذي يداهننيوالدهن من فنه ومن فننه
واعدني ذورة وقد علقتذاتي بحب الوعود في رهنه
فإن يبادر إنجازها عدةًعددتها ما حييت من مننه
وللمحب الداعي إليه هوىًيجذب من ضبعه ومن رسنه
سن له شوقه تباعدهفلم يزل جارياً على سننه
وهو مقيم على ودادك ما عاش إلى أن يلف في كفنه
قلت: قد حذفت منها كثيراً لما فيه من اللحن والزحاف وفساد التركيب.
وكتب شمس الدين الدهان إليه الجواب عن ذلك:
شف المعنى وزاد في شجنههاتف أيك أوفى على فننه
دعا هديلاً شطت به غربة البين فأمسى يبكيه من شجنه
فاهتجن من دائه الدوي عقابيل غرام له إلى سكنه
أذكره طيب عيشة سلفتوانصرمت بالقيان مع فتنه
فبات يجري دمعاً يشاركه الغيث إذ الغيث ارفض عن مزنه
واصطلم البين صبره ونفىعن جفنه المستلذ من وسنه
فياله من فتى أخي حرقحافظ عهد المغيب مؤتمنه
ما ترك الحب حين جد بهسوى خيال يلوح من بدنه
فقال للاحيه في الغرام دع اللوم ودعه إن كنت لم تعنه
لا تبغ بالعدل أن تقاد فقدمكن كف الغرام من رسنه
وللهوى المستلذ مهجتهقد خضعت فانضوت إلي محنه
كما لعبد المجير قد خضعتغر القوافي فاتضعن في قرنه
أي بليغ أعيت بلاغتهمسا وفاقت إياس في لسنه
صريح ود من أن يشاب نقي العرض صافي الأديم من درنه
كاتبتني محسناً بمحكمةذات بيان دلت على فطنه
رقت وراقت فراح سامعهايخال سحراً قد صب في أذنه
لم يجر سبقا لمثلها ابن أبي الصلت بغمدانه ولا عدنه
أربى على جرول بها وشأىحسان وابن الحباب من حسنه
يفديك عبد المجير مضطغن الضغنة أمسى يطوي على ضغنه
فاسلم على رغمه تصرف في الكلام منثوره ومتزنه
ما انعطف البان بالنسيم ومارجعت الساجعات في غصنه
قلت: قوله: " فقل للاحيه في الغرام " البيت قافيته ملحونه، لأنه قال: " إن كنت لم تعنه " لأن النون ساكنة ووقع له قبلها أخرى في بيت حذفته، وهو معذور لأن المجير وقع له مثل ذلك، وحذفته، فقلده الدهان، وكلاهما اغتر بقول النحاة: الساكن إذا تحرك كسر، ذاك إذا كان الساكن متطرفاً، أما وبعده ضمير أو غيره فلا.
ولشمس الدين الدهان رحمه الله تعالى:
يا بأبي غصن بانة حملابدر دجى بالجمال قد كملاأهيف
فريد حسن ما ماس أو سفرا
إلا أغار القضيب والقمرا
يبدي لنا بابتسامه دررا
وفي شهد لذ طعمه وحلاكأن أنفاسه نسيم طلاقرقف
مورد الخد فاتر المقل
يفوق ظبي الكناس بالحمل
وينثني كالقضيب في الميل
من حمل ردف مثل الكثيب علانيط بخصر كأضلعي نحلامخطف
ظبي من الترك يقنص الأسدا
مقرطق قد أذابني كمدا
حاز بديع الجمال فانفردا
واهاً له لو أجار أو عدلالمستهام بهجره نحلامدنف
غزال سرب جماله شرك
ستر اصطباري عليه منتهك
لكل قلب هواه منتهك
علم قلبي الولوع والغزالاطرف له بالفتور قد كحلاأوطف
لله يوم به الزمان وفى
إذ من بالوصل بعد طول جفا
حتى إذا ما اطمأن وانعطفا
أسفر عنه اللثام ثم جلاورداً بغير اللحاظ منه فلايقطف
فظلت من فرط شدة الترح
إذ زارني والرقيب لم يلح
ألثم أقدامه من الفرح
وقلت إذ عن صدوده عدلاأهلاً من بعد جفوة وقلىأسعف
قلت: والأصل في هذا التوشيخ أن بعضهم أخذ قول أبي نواس الحسن بن هانئ:
أما ترى الشمس حلت الحملاوطاب وقت الزمان واعتدلا
فجاء إلى آخره وزاده توشيحة فقال: " فاشرب "، ولما فتح هذا الباب لأهل النظم طاروا إليه زرافات ووحدانا ودخلوا أرسالاً لخفته وعذوبته، وغالب من نظم فيه لزم الباء في التوشيخة، وبعضهم عملها دالاً، وبعضهم عملها فاء مثل الدهان. فأول من علمته نظم في هذا ولزم الباء إبراهيم بن سهل المغربي فقال:
روض نضير وشادن وطلافاجتن زهر الربيع والقبلاواشرب
يا ساقياً ما وقيت فتنته
حكت كؤوس الرحيق صورته
فمثلت ثغره ووجنته
هذا حباب كالسلك معتدلاوذا رحيق لذا الزجاج علاكوكب
أقمت حرب الهوى على ساق
وبعت عقلي بالخمر من ساق
أسهر جفني بنوم أحداق
تمثل السحر وسطها كحلامعتلة وهي تبري العلافاعجب
قلبك صخر والجسم من ذهب
أيا سمي النبي يا ذهبي
جاورت من مهجتي أبا لهب
يا باخلاً لا أذم ما فعلاصيرت عندي محبة النجلامذهب
يا منيتي والمنى من الخدع
ما نلت سولي ولا الفؤاد معي
هل عنك صبر وفيك من طمع
أفنيت فيك الدموع والحيلافلا سلوي في الحب نلتولا مأرب
أتيت اشكوه لوعتي عجبا
فصد عني بوجهه غضبا
فعند هذا ناديت يا حربا
تصد عني يا منيتي مللاوأشتكي من صدودك العللاتغضب
قلت: ولما علقت هذه الموشحة راق لي وزنها فنظمت فيه مع علمي بأنني ما أوفيه، وهو:
لا تحسب القلب عن هواك سلاوإنما حاسدي الذي نقلاحرف
أسلو ولا صبر لي ولا جلد
ونار شوقي وسط الحشا تقد
وكل وجد دون الذي أجد
ما وصل القلب في هواك إلىهذا وإن شئت أن يرى بدلاسوف
لي بدر تم للعقل قد قمرا
وفاق شمس النهار والقمرا
وطرفه للأنام قد سحرا
والريق خمر قد حل لي وحلالأنه بالمنى إذا بخلايرشف
وجفنه صح سكره وصحا
كم بات حتف لصبه فتحا
وعذر ذاك العذار قد وضحا
سعى إلى فيه يرشف القبلا
والنمل سار إلى أن رأى العسلا
يا شادناً سل سيف مقلته
وهز قد القنا بخطرته
وأخجل البدر حسن صورته
وجهك يزداد بالجمال علا
والبدر في تمة إذا كملا
تبدو فترمي الغصون بالخجل
فلم يمس عطفها من الكسل
وأنت مغرى الأعطاف بالميل
وقدك اللدن كلما اعتدلا
أخشى عليه إن مال وانفتلا
شعرك ليل ووجهك القمر
والريق حلو وحشوه درر
والقد غصن ووجهك الزهر
خد زها الورد فيه واشتعلا
وعقرب الصدغ فيه قد نزلا
وأنشدني لنفسه إجازة صفي الدين الحلي رحمه الله تعالى:
زار وصبغ الظلام قد نصلا
بدر جلا الشمس في الظلام ألافاعجب
جاء وسجف الظلام قد فتقا
والصبح لم يبق في الدجا رمقا
وقد جلا نور وجهه الغسقا
وأدهم الليل منه قد جفلا
وقد أتى رائد الظلام علىأشهب
أفديه بدراً في قالب البشر
قد جاء في حسنه على قدر
يرتع في روض خده نظري
خد بلطف النعيم قد صقلاكأنه من دمي إذا خجلايخضب
يا من غدا ظل حسنه حرما
لما حوى ما به الجمال حمى
فرعاً وصدغا مذ حكما ظلما
فأرقم الجعد يحرس الكفلاوحارس الخد منه قد جعلاعقرب
هلا تعلمت بذل ودك لي
من المليك المؤيد بن علي
سلطان عصر سما على الأول
لولا أياد بها الورى شملالأصبح الناس كالسماء بلاكوكب
وقال شمس الدين محمد بن العفيف التلمساني:
بدر عن الوصل في الهوى عدلاما لي عنه إن جار أو عدلامذهب
مترك اللحظ لفظه خنث
إليه يصبو الحشا وينبعث
أشكو إليه وليس يكترث
دعا فؤادي لأن يذوب قلىوالموت والله من مقالي لاأقرب
لم يبق لي مقلة ولا كبد
والقلب فيه أودى به الكمد
وليس يلفى لهجره أمد
لا تعجبوا إن غدوت محتملالكن قلبي إن كان عنه سلاأعجب
بالحسن كل العقول قد نهبا
والحزن كل القلوب قد وهبا
شمس ولكنني لديه هبا
فانظر لذاك القوام كيف حلاغصتنا وكم منه بالجمال جلاغيهب
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع