من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)
حسين البيتماني
حسين بن طعمة بن طعمة بن محمد الشافعي البيتماني الأصل الدمشقي الميداني القادري الرفاعي الشيخ العارف الكامل الصالح الصوفي الطريقة والمشرب كان ممن تصدى في علم الحقيقة وشهرته في ذلك قراء واشتغل على جماعة منهم الشيخ الياس الكردي نزيل دمشق فإنه خدمه في خلوته بجامع العداس في محلة القنوات وهو دون البلوغ ورباه أكثر من أبيه وأمه حتى بلغ مبلغ الرجال فقرأ عليه في كتب الفقه والتصوف والآداب المحمدية ومكارم الأخلاق ورياضات النفس ما به الكفاية في أمور الدين وسلوك طريق المريدين وأنتفع به وشمله نظره وأجازه بمروياته في هذا الطريق عن مشائخه الكرام وكأنت مدة تلمذته له أكثر من خمسة عشر سنة وأخذ وقرأ أيضاً على الاستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي ولازمه مدة تزيد على خمسة عشر سنة وأخذ عنه وقرأ عليه في علم الحقيقة وأنتفع به وتلمذ إليه إلى أن مات واشتهر بيركات أنفاسه حتى ان الاستاذ المذكور واسمه بفارس الميدان ولا تخفي التورية في ذلك وهذا مما يرشد إلى بيان مقام المترحم وكان له مشايخ كثيرون منهم الشيخ أبو المواهب مفتي الحنابلة بدمشق والشيخ أحمد الغزي المفتي الشافعي والمولي محمد العمادي المفتي الحنفي والشيخ عبد الله البقاعي الأزهري نزيل دمشق والشيخ محمد الكاملي والشيخ عثمان الشمعة والشيخ علي كزبر الدمشقي وأخذ الطريقة
القادرية عن السيد يس الكيلاني الحموي نزيل دمشق ولما قدم دمشق العالم الشيخ عبد الرحمن بن مصطفى البكفلوني الحلبي حين عوده من المدينة المنورة بعد مجأورته بها اصطحبه وأخذ عنه وقرأ عليه وكتب له ثبته بخطه وأجازه بجميع مروياته وكأنت مدة صحبته معه ست سنوات وأيضاً لما قدم دمشق المحدث الشيخ محمد عقيلة المكي قرأ عليه وخدمه مدة اقامته بدمشق ولما حج إلى بيت الله الحرام المترجم اجتمع بالمذكور ثمت في داره بمكة وأجازه بجميع مروياته ثم اشتهر بالتصوف وعلم الحقيقة ودرس في زأويته تجاه الشيخ محمد الحميري ﵁ في ميدان الحصا وصار يقيم الذكر في مدرسة الوزير إسماعيل باشا العظم التي بناها في سوق الخياطين بالقرب من المحكمة وألف وصنف ومن تأليفه شرح قصيدة أبي الحسن الششتري ومنها الفوائد المستجادات الشرعية وملخص علوم الفتوحات المكية ومنها شرح مختصر الرسالة العظيمة المسماة بذخيرة الاسلام ومنها ترجمة مختصرة في بيان سنة تلقين الذكر ومنها الفتوحات الربانية في شرح التدبيرات الآلهية ومنها الهداية والتوفيق في سلوك آداب الطريق ومنها السهام الرشيقة في قلوب الناهين عن علم الحقيقة ومنها كشف الأسرار في حل خيال الايزار ومنها ديوان شعره الذي سماه فتح الملك الجواد في نظم الحقائق ومدح الأسياد وقد أطلعت عليه فرأيته ديواناً كبيراً والأغلب فيه بل كله على لسان القوم وقد ذكر به أشياء عام فيها أي عوم وقد تصفحت أغلبه وكان من أحباب جدي ووالدي ومتردديهما ومن شعره قوله
لنا العلم والتحقيق والمورد الأصفىوأرواحنا بالأمر والأمر لا يخفى
ونحن على العهد القديم ولم نزلومن يبتغي التبديل لا يأمن الحتفا
تجلى علينا الله بالوصف ظاهراًوبالحلم والاحسان جادلنا كشفا
سلكنا به أوج العلى وقلوبناعلى الصدق والايمان لم تألف الخلفا
وفيه تركنا المزج من كل مازجفطاب شراب الوصل منه لنا صرفا
ومنه رأينا الوجه فينا بنورهولولاه ما كنا وجوداً ولا وصفا
ولولاه ما بعنا النفوس بحبهولولاه ما نلنا المسرة والألفا
سقانا من التحقيق عذباً مقدساًلديه فؤاد الصب يشربه لطفا
هو العلم علم الدين دين محمدهو النور نور الله قد جل أن يطفى
وما عندنا شك بعلم لظاهرهو الحكم بالمنصوص فالحكم لا ينفى
ولكن لدينا السر فيه قلوبناتطير من الأكوان للحضرة الزلفى
ويعمل فيها الراح معنى سرورنافنسكر حباً بالحبيب إذا وفى
فتعذلنا الجهال من فرط جهلهمبموردنا الوافي ومشربنا الأصفى
شربنا وعربدنا وطبنا بحبناولم نمنح اللوام قولاً ولا طرفا
وقد جاءنا المختار يهدي لدينهعلى السنة البيضاء والسنن الأوفى
دعانا لأمر قد أجبنا لأمرهبطوع وكان الأمر منه لنا عطفا
وله من قصيدة
خمر المحبة في القلوب تروقاقد حاز فيه الصب أنواع التقى
فاحت روائحه على طلابهفغدا المحب له يزيد تعشقا
وفؤاد أهل الله فيه معربدلكن على التقوى إلى يوم اللقا
قد قال ربي في نصوص كتابهفافهم كلامي لا وجدتك أحمقا
كل الذي في الخلق فان هالكالا الذي بالوجه دوماً للبقا
أعني بوصف الوجه وجه آلهنافاجمع به طوراً وطوراً فرقا
علم الحقائق والدقائق قد غدايسمو بأهل الله درجات الرقا
والعارفون لهم مقاصد بينهميبغونها غرباً كذاك ومشرقا
فاحذر من الزلات فيها انهاحكم تفيد إلى الجهول تزندقا
جمع وفرق يا أخي فكن بهافي الكون عبداً للآله موفقا
واسلك على الأمرين في توحيدهواملأ فؤادك بالكمال تحققا
وقد وقع له واقعة منامية مع الاستاذ شيخه الشيخ عبد الغني النابلسي وجدي العارف محمد المرادي النقشبندي وهي انه رأى في المنام الاستاذ النابلسي المذكور والاستاذ الجد المذكور وكل منهما نائم في فراش فطلب جدي منه خدمة فذكر بين يديه البيت الأول من هذه القصيدة الآتية فقال له الاستاذ النابلسي زده فقال الثاني إلى الرابع فلما بلغه أومى إليه جدي المذكور ان يذكر الاستاذ النابلسي في الخطاب فقال البيت الخامس وما بعده فلما أنتبه وفي فهمه ذلك بادر إلى كتابتها وهي قوله
تذكر خاطري عهد المراديكما كنا عليه من الوداد
هو الخوجا محمد نقشبنديكريم الأصل محفوظ الولاد
يذكر السر فاز القلب منهوبالأحوال يقدح كالزناد
تفرد في المقام على نقاءوجلت تابعوه عن الفساد
زمان قد قطعناه بجدمع الأحباب خال عن عناد
رجال سادة كالبحر يبدوالأهل الأرض أمواج الرشاد
تجلى الله فيهم بالمعانيوفي العلم المقدس بالسداد
وشمس الذات قد طلعت عليهمفنالوا باللقا أعلى المراد
الا يا سادة نالوا مقاماًمن الرحمن مرفوع الأيادي
فأنتم للأنام بدور هدىكنجم في الدجى للقوم هادي
وغوث للورى أنتم ومنكمتملت تابعيكم والنوادي
ونور المصطفى فيكم تلالاكشمس الأفق تظهر للعباد
ونسبتكم إليه بلا خفاءوفي التحقيق فيه بغير ذاد
سلكتم بالتقى ديناً قويماًومنكم تم لي فيه انقيادي
ولم أنس العهود كما سلكناوعزمي في وفاكم كالجواد
واني منكم صب وليدولي منكم بكم حبل امتداد
وعن ثدي المراضع من سواكمتمنع خاطري وكذا فؤادي
وعنكم قد رويت العلم حقاًواذكار الطريق بلا تمادي
ولي بالعهد ملتزم وثيقواني لم أزل للفضل صادي
بقدر الوسع قلت بكم مديحاًواني لا لقدركم أبادي
جزاكم كل خير يا مواليالهي بالجنان بلا نفاد
وأولاكم رضى وكذا سروراًومن فيكم تمسك بازدياد
على طه السلام بكل وقتمدى ما صاح في الركبان حادي
كذاك الآل والأصحاب جمعاًوكل الأولياء على السداد
مدى ما قلت في الأسياد لطماًوأعلنت الثناء على المراد
وشعره كثير وكأنت وفاته في ليلة الخميس بين العشائين سابع جمادي الأولى سنة خمس وسبعين ومائة وألف ودفن بزأويته بميدان الحصا رحمه الله تعالى.
النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع