من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)
حسين مصلي
حسين بن أحمد المعروف بابن مصلي الدمشقي الأديب النبيه كان جندياً متزياً بزي الأجناد وأقاربه كلهم أجناد زعما وسباهية في أوجاق السلطان ولهم اقطاعات من القرى وكان هو مع هذا أديباً بارعاً بفنون الأدب له شعر حسن ولطف خصال وتلمذ للأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي وترجمه الشيخ سعيد السمان في كتابه وقال في وصفه شاعر مستوفي الشروط ومكتسي من الآداب أبهج برود ومروط تصدى للمعالي فتصيد وعقل شواردها وقيد وفتح شراع سفنها فجرت في ذلك التيار وأبدع من سانحات خاطره منها ما هو كورد الرياض في أيار فاستحق أن تقر عينها فيه وأن تلتقط الدرر المنتثرة من فيه وأن تخصه بالطارف والتليد وتتفداه بالوالد والوليد حتى ينتظم شملها المبدد وهو ترقوس اصابتها المسدد على أن الكمال مازج دمه ولحمه وخالطه مخالطة السدى للحمه وهو لجمر تكلفاتها مصلي قائلاً في تحصيلها لا نقل أصلي وفصلي وله شعر جيد الانطباع تصغي إليه السليمة من الطباع أثبت منه ما تجعله للآذان شنفا وما عنه قائلة اللائم تنفي فمن ذلك قوله مخمساً أبيات ماني الموسوس بقوله
خذ حديث الغرام والوجد عنييا ابن ودي ان الصبابة فني
ما تراني من الهيام أغنيحجبوها عن الرياح لأني
قلت للريح بلغيها السلاما
جرد الشوق في فؤادي صلتاحيث صار الوصال لا يتأتى
صيروا حولها الموانع شتىثم لم يقنعوا بذلك حتى
منعوها يوم الرياح الكلاما
سرت يا صاح والغرام حليفيحين بانوا وطال بي تسويفي
قيل حلوا بها مني والخيففتأوهت ثم قلت لطيفي
آه لو زرت طيفها الماما
سر اليها لعلني أتسلىبالأماني عسى وهل ولعلا
وإذا لاح للخطاب محلاخصها بالسلام مني والا
منعوها لشقوتي أن تناما
وقوله
لا تحسبن الذي في لحظ فاتنتيكحلا يزين ظبي أحداقها النجل
لكنها خشيت برء الجريح بهمفصيرته مكان السم في النصل
أخذه من قول محمد الحشري الشامي
ولرب ملتفت بأجياد المهانحوي وأيدي العيس تنفث سمها
لم يبك من ألم الغرام وانمايسقي سيوف لحاظه ليسمها
وأصله قول الملك المعظم شرف الدين عيسى بن أيوب
ومورد الوجنات أغيد خالهبالحسن من فرط الملاحة عمه
كحل العيون وكان في أجفانهكحل فقلت سقى الحسام وسمه
وهو من قول عبد الجبار بن حمد يس الصقلي
زادت على كحل الجفون تكحلاًويسم نصل السهم وهو قتول
وللمترجم مضمناً المصراع الأخير بقوله
بروحي فتاة رنح التيه عطفهاتميس بأعراض وعجب على الصب
آمال بها سكر الدلال فعربدتلواحظها بالفتك بالجسم والقلب
وقد جأوزت في الحسن فرط بهائهاولم تخش لومي بل يلذ لها عتبي
أماطت حجاب الحسن عن نور وجههافخر هلال الأفق ملقى على الترب
غوازل لحظيها وفتر جفونهارمتني بهم تيهاً غزيلة السرب
فلم أدر في أي رمتني وانماسمعت باذني رنة السهم في قلبي
ومن ذلك قول القطب المربي عبد الغني النابلسي
وأهيف ساجي المقلتين كأنهغزال ربيب أغيد فر من سرب
رنا فرما في القلب سهماً مريشاًبأجفانه ويلاه من ذاك وأحربي
فلو كان قلبي صخرة مثل قلبهسمعت باذني رنة السهم في قلبي
ومن ذلك قول الأديب أحمد بن محمد السلامي ابن أغر يبوزي
وبي سمهري القد بالفتك مولعيصول ولا يخشى من اللوم والعتب
يهددني طوراً بعضب لحاظهويقصد أحياناً فؤادي بالهدب
فلم أدر ايا قاتلي غير أننيسمعت باذني رنة السهم في قلبي
ومن ذلك قول البارع السيد العبادي
تعرض لي يوماً بشرقي عالجغزال كحيل الطرف منظره يسبي
وأقصدني من ناظريه بأسهمتركن دمي يجري عياناً على الترب
وليس سواه قاتلي حيث أننيسمعت باذني رنة السهم في قلبي
ومن ذلك قول الفاضل محمد بن أحمد الكنجي
كف بالله واتثد يا عذوليما لقلبي إلى السلو سبيلي
كيف أسلو وفي الحشا من هواهلاعج الشوق راسخ لا يزول
كلما قلت مال قلبي حاشاأن قلبي إلى سواه يميل
راشني من لحاظه بسهامقاتلات إلى فودآدي وصول
ما تحققت فعلها الفتك الاحين رنت فكان ذاك الدليل
ومن قول موسى بن أسعد المحاسني
ولم أنس فعل الريم أذمر معرضاوطلعته من فرط حسن البهاتسبي
وأسكرني من عطفه بشر طيبهونكهة ذاك الثغر محمودة القرب
وما كنت أدري قبل أن أعشق الرشامراتع غزلان تلذذن بالعتب
وموطن أهوال الهوى وشجونهوما ذقت طعم الذل في طمع الحب
إلى أن نولاني الغزال وطرفهكحيل تبديه الحروب على العضب
وراش سهاماً من لحاظ قواتلسفكن دمي عمد وأثرن في اللب
فكأنت لقتلي علة ودليلهاسمعت باذني رنة السهم في قلبي
ومن ذلك قول اللوذعي محمد المحمودي
نهاني عن باهي المحيا عواذلوما علموا أني به قد فنى اسمي
فقلت لهم كفوا الملام واعرضوافما قلبكم قلبي ولا جسمكم جسمي
وكيف ومن ألحاظه راش أسهماوأقصد أحشائي برشق لها يصمي
وما برحوا بالعذل حتى باذنهملقد سموا في مهجتي رنة السهم
ومن ذلك قول اللبيب محمد الشهير بابن العنز
أراش سهاماً عن قسي حواجبوأرسلها للقلب عن قلتي تنبي
وليس سواه قاتلي حيث أننيسمعت باذني رنة السهم في قلبي
وقوله
أتنكر قتلي حين أرسل لحظهلقلبي أسهماً قد أريس من الهدب
وليس سواه قاتلي حيث أننيسمعت باذني في رنة السهم في قلبي
ومن ذلك قول الأديب محمد بن عثمان الشمعة
تبدي يهددني برشق نبالهغزال غزنا باللواحظ والهدب
فقلت له رفقاً لأنك فاتنيوتقتلني ظلماً ولم أر ما ذنب
فقال اصطبر صبر الكرام لأننيأعامل أهل العشق بالقتل والسلب
وصال على المضني بلحظ سهامهمفوقة للقلب تنقض كالشهب
ولما رماها طالباً قتلتي بهاسمعت باذني رنة السهم في قلبي
ومن ذلك قول الماهر مصطفى البيري الحلبي
وناضلني لما رمى من لحاظهبأسهم فتك راشها شعر الهدب
وقرطس قلبي ثابري بلامي فخذمن الشادن الأحوى فافعاله تنبي
دمي شاهدي في وجنتيه وأننيسمعت باذني رنة السهم في قلبي
ومن ذلك قول الماهر السيد مصطفى العلواني الحموي
بروحي لخط ظل يفعل بالحشاعلى فعله فعل المدامة باللب
إذا راش منه الريم سهماً فلا ترىله غرضاً يلفي سوى مهجة الصب
عجبت له يدمي الفؤاد مجأوزاًإليه أديما صين عن أثر ينبي
فيا منكري ما في حشاي اليكمعن الحكم فيما عندكم غاب في الحجب
ولا تنكر وأصدع الفؤاد فأننيسمعت باذني رنة السهم في قلبي
ومن ذلك قول الأديب إبراهيم بن الحكيم الصالحي
إذا رمت منك القرب تنفر من قربيوان رمت منك العفو بالغت في سبي
فليس لنا في الناس الا معنفوليس لنا في الحي غيرك من حب
اذ لم تجد بالوصل لست بمصنفوان كنت قد أذنبت تبت إلى ربي
فريش من جفنيه نبلاً ورامنيفقلت قفا ترشف من المنهل العذب
أشار لنحوي بالنبال وأننيسمعت بأني رنة السهم في قلبي
ومن ذلك قول الأديب محمد سعيد السمان
بديع المحيا بالصدود مولعيصول دلالاً بالقوام الذي يسبي
أراش سهاماً ريشها الهدب وانثنىيهز بعطفيه فيهزأ بالقضب
وأقصد أحشائي فاصمى صميمهاففاض دماها واستهال على الترب
وما أنا بالراجي بقاء وأننيسمعت باذني السهم في قلبي
وأصله من قول أبي تمام
ولما امتلا قلبي نصالاً وأسهماًبمعتركي سحر اللواحظ والهدب
وفوق ذاك الجفن آخر نبلةسمعت باذني رنة السهم في قلبي
وللمترجم
تغيرت الأيام وأسود بيضهاوصارت أسوداً عند ذاك قرودها
ففي الموت عز للكرام وراحةإذا ملكت أحرار قوم عبيدها
وله كاتباً على كتاب في الأدب
نزهت طرفي في رياض طروسهمستغنياً عن روضة غناء
تجلي العرائس من خدود سطورهتدعو لمالكه بطول بقاء
وله مخمساً
سلوا عن فؤادي حين سارت ظعونهاغزيلة رسل المنايا عيونها
فمن عجبي روحي لدى أصونهاوأصبو إلى سحر حوته جفونها
وان كنت أدري أنه جالب قتلي
أهيم إذا ما لاح برق وأومضاوأذكر أياماً تقضت بذي الغضا
فيمنحها ودي ولست معرضاوأرضي بأن أمضي قتيلاً كما مضى
بلا قود مجنون ليلى ولا عقل
وله مخمساً أيضاً
انني في الغرام أصبحت صبالست أدري للداء بعدك طبا
كم أدأوي والقلب قد زاد حبايا مريض الجفون عذبت قلبا
كان قبل الهوى قوياً سوياً
أنت قصدي وبغيتي ومراديلا سليمى وزينب وسعاد
فبحق الهوى وصدق وداديلا تحارب بناظريك فؤادي
فضعيفان يغلبان قويا
وكأنت وفاته تقريباً في سنة اثنين وخمسين ومائة وألف ودفن بتربة مرج الدحداح رحمه الله تعالى.
النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع