من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)
حسين القصيفي
حسين بن رجب بن حسين بن علوان الحموي الأصل الدمشقي الميداني الشافعي الشطاري بالقصيف الشيخ الفاضل البارع الأعجوبة كان ﵀ له باع في عدة علوم قرأ وحصل وتفوق وظهرت له فضيلة لم تكن مع غيره لكن لم ينتفع بها ولم ينفع وكان كثير المطالعة لكتب الغزالي ﵁ سيما الأحياء وكان فلتدري المشرب دعبلي اللسان يقذف الكبير والصغير ويهجو الناس بشعره حتى أنه هجا نفسه فلذلك وقع في المهالك ويحكي أن السبب في ذلك غضب والده عليه وكان والده من العلماء المشهورين له اليد الطولى في العلوم الرياضية كالحساب والهيئة والفلك والمويسقي ويعرف الفرائض حق المعرفة وترجمه الأمين المحبي في تاريخه وذكر أن وفاته كأنت في سنة سبع وثمانين بعد ألف وبالجملة فقد كان ولده هذا من النوادر المقبولة وله شعر كثير وديوانه رأيته فرأيته يشتمل على هجو وحقيقة وغيره فمما جردت منه قوله ان أهل الخمول أهل الطريقة لهم قد بدت معاني الحقيقة وسواهم وأن تسامي غروراً ماله في الوجود تلك الرقيقة فاختصر واقتصر فما تم الا ذو ريا أو مرا خلا عن وثيقه وقوله
أحن إلى أناس قد تفانواعن الأغيارة وانقطعوا إليه
تراهم في الورى أبداً سكارىحيارى من حضورهم إليه
ولست أرى أناساً قد تساموابما هم فيه من زور عليه
ومن شعره
لي فيك معنى لطيف ليس يدريهالا امرؤ ليس يدري ما الذي فيه
به تخليت عن علمي وعن عمليوصرت منه به في منتهى التيه
وله أيضاً أحن إلى المنازل والربوع وقلبي من نواها في نزوع أسائل من لقيت ولي غرام مقيم بين أحشاء الضلوع لقد جد الهوى بي حيث أودى بما أبدى لدي من الضلوع وله
من عرف الآشياء في ذاتهمعرفة ذوقية ذاك هو
ومن غدا في نفسه عارفاديدنه القال فقد عافه
وقال أيضاً
هذا الوجود بدا فأين الواجدهذا الشهود فهل لديك مشاهد
يا مقعد العزمات لا تنظر إلىأسد الفلاة فأنت ذاك القاعد
ما أنت يوماً للحقيقة مظهراًبل أنت حقاً للحقيقة فاقد
قوم علت أرواحهم لما زكتولها يداً منها لذاك شواهد
حلوا بأرض خملوهم حتى علوابالذل قهراً فالمذلة شاهد
فأمط وجودك للشهود ولا تكنمن أهل ذاك القال ذاك اللاحد
ما تم يا هذا لقالك معهديجذق المشوق فأنت حقاً جامد
فالمنظر العالي لديه مناظرتبدي المنايا للذي هو قاصد
كم من قتيل في حماه مجندلما أن له يوماً لذلك قائد
هذا ونحن كذاك من غير أمتراًحالي وحالك في الدراية واحد
ومن شعره قوله من قصيدة مطلعها
يا نزولاً بجيرة الجرعاءنظرة منكم دواء لدائي
لست أسلوكم وان طال ما بيمن بعاد وذلة وضناء
أي قلب يسلوكم وسناكملم يزل ظاهراً بغير خفاء
بل جميع الوجود قد أسكرتهفي مجاليه نشأة الصهباء
فتداعى لكل حال تبديباشتياق ولوعة وعناء
يا عريب النقا وسر ولاكمأنتم فتنة بغير امتراء
حيث حيرتم العقول بسرهي منه عن دركه في عماء
فتراها بمائها تترائأيما لاح في ذرى العلياء
قد بطنتم مع الظهور وبنتمباقتراب وجلتم في انطواء
أي عقل له بذاك مجالمع تداعيه باختلاف المرآئ
ما ارتقاء إلى مقام علىدون علياه أنجم الجوزاء
غاية السؤل عند أهل التصأبيأن يرى ظاهراً بسر الخفاء
ومن هجوه قوله
جاءنا الشيخ لابساً للعمامهينجلي تحتها شبيه الغمامه
وهو في نفسه كبير عظيمليس في فعله يرى من ملامه
يا لعمري وانه شيخ سوءجل أفعاله محل الندامه
وله أيضاً
لما تجلت نكهة اللاهوتفيما بدا من عالم الناسوت
فعلمت تقديس الوجود وأنهباد عن الرحموت لا الرهبوت
وانظر لسر الاستوا في قولهتبدو لديك شواهد التابوت
ومن هجوه قوله في أهل التكية
يا نزولاً بالتكيةأنتم أهل البليةكل من رام حماكمحل في أقوى رزيه
مالكم قط صفاءلا ولا حال وفيهبل أمور ان تراءتفر منها ذي التقية
ما لورد كم وردوبل حظوظكم جليةواشتهاركم وبالللتعصب والحمية
والتراءس والتراءيوالتكبر بالمزيةلا دقيقة خير تبديمنكم سراً خفية
بل دعاء في مهأوأنزلتكم بالسويةشيخكم للجهل شيخكم حوى لفساد نية
مظهر السوء كذوبدارس السنة السنيةآكل السحت دواماًخقه السوء سجية
كم لكم فشر وقشركم له مكر الطويةكم يداهن كم يعانيماله عيش هنية
كم يفاخركم يباهيللتعاظم والانيةكم له جرار سوءكي ينال به العطية
لا جزاه الله خيراًفهو دجال البرية
وكأنت وفاة المترجم في حادي عشر جمادي الأولى سنة ثلاث وعشرين ومائة وألف ومن غريب ما وقع له بعد وفاته أنه لما أبيعت كتبه واشترتها فضلاء دمشق صار كل من أخذ كتاباً من تركته يرى هجوه فيه ﵀ وعفا عنه.
النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع