من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)
حسين بن حسن تركمان
حسين بن موسى باشا ابن محمد المعروف بابن حسن تركماني التركماني الأصل الدمشقي الميداني أحد كبراء الجند بدمشق وأعيانهم وسراتهم الأمير السخي الجواد الممدوح كان من رؤساء الأجناد وكبراء أوجاق الينكجرية المشار اليهم موصوفاً بأحسن الأوصاف ومنعوتاً بأجمل الأخلاق يكرم الأفاضل والأدباء بالجوائز الحسنة ومع هذا كان عالي الشأن والقدر وصار كتخدا جند الأوجاق المذكور واشتهر وشاع صيته وهو وأسلافه لهم قدمة في الرياسة وكانوا في الجملة زينة المواكب وطنت حصاتهم في الآفاق وربما كانوا مع توابعهم ولواحقهم وأقاربهم يقاربون ربع العسكر ودارهم في محلة باب المصلى من الدور العظيمة وأعطاهم الله القبول حتى نالوا وكثرت دولتهم ولم يزالوا في عز وجاه حتى فاق لهم الزمان وغدر بهم وفاجاهم بالمحن والرزايا ونسخ آياتهم ورض بنيان عزهم ومجدهم وجعلهم مندبة الأيامى ومجنة اليتامى وفضل منهم بقية نالوا بعض الرفعة ثم أودى بهم الدهر إلى أن قتلوا في فتنة اليرليه في زمن الوزير أسعد باشا ابن العظم حاكم دمشق وأمير الحاج والآن البقية منهم من آحاد الناس وكان موسى باشا والد المترجم بعد تنقله في مناصب الأجناد صار أميراً على الحج وحج في الناس سنتين متتابعتين وتولى امارة عجلون وفوضت إليه حكومتها ثم في ثاني سنة من امارته على الحج وقعت الفتنة والواقعة مع الأمير حمد بن رشيد أمير بلاد حوران حين نهب الحج بالعود فقتل موسى باشا في المعمعة وكأنت قتلته في سنة احدى وثمانين وألف وبقي ابن رشيد بعده مدة والطلب
واقع عليه فلم يظفر به واتفق ان المقادير ساقته لأجله برحلة وقعت له إلى نواحي بغداد نزل بها عند رجل غدر به فمات وكان قتله في سنة تسعين وألف ثم ان المترجم نشأ مكتسباً للكمال والأدب وتنقل على عادتهم في الأوجاق وصار كتخدا الجند وتكرر ذلك له وكان مع ذلك فاضلاً أديباً لوذعياً شاعراً منشياً عارفاً له كمال وأدب واطلاع وينظم الشعر الباهر ومن شعره ما كتبه للشيخ محمد بن عيسى الكناني شيخ الخلوتية بدمشق وهو قوله
أنعم صباحاً أيهذا المقتدىبكل خير فالسعود قد بدا
ودم على نهج التقى محترمامكرماً وسيداً مؤيدا
كوكبك الميمون ضاء نورهمن دونه ضاء سناء وقدا
أعنى العزيز ابن العزيز سيديوعمدتي وعدتي حمدا
ابن الامام الجهبذ الذي حوىكل كمالات الهدى وأرشدا
مولاي عيسى من عطى ولايةورتبة عالية وسؤددا
من شاع بين العالمين ذكرهوفضله ويمنه ولا سدا
أقسم بالله العظيم اننيلمغرم في حبه على المدا
هو أطل الرحمن تغشى قبرهوالروح والريحان ينمو سرمدا
فتى له الفضل كذا طريقهانجابه محمداً وأحمدا
منها
يا منهج الصدق ويا بحر الوفايا من تسامى بالرشاد وارتدى
مدحك لا يحصى واني قاصرعن شرحه اذ منتهاه مبتدا
فامنح أخاك سيدي بدعوةصالحة وكن بها لي منجدا
لا زلت للأخوان كهفاً مانعاومنهلاً عذباً سما وموردا
واسلم على مر الزمان مرشداما العندليب في الرياض غردا
وكتب إليه في ذيلها من نظمه أيضاً
تحية المخلص في الودادحسين راجي نفحة الامداد
فان أجاز نظمه القبولفذاك والله هو المسؤل
مع الرجا بالعفو عن قصورهوعن تجافيه وعن كسوره
والحمد لله على السراءفي كل حال وعلى صراء
وصل يا ربي على خير الورىمحمد نبينا عالي الذرى
ومن شعره قوله مخمساً أبياتاً لبعض الأندلسيين
ومذ زادت أشواقي لنادي تهامةوبان اصطباري عن تلافي اميمة
شممت شذا اقبالها من نسيمةولما تلاقينا على سفح رامة
وجدت بنان العامرية أحمرا
فما بال محزون الحشاشة والجوىومن فرقة الأحباب للهم قد حوى
فقالت يرى خضباً وقد شفه الهوىولكنني لما ألم بي النوى
بكيت دماً حتى بللت به الثرى
رويدك لا بالعتب تؤذي مسامعفسمعي أصم عنه ليس بسامع
فيوم القلاد معي جرى كالمشارعمسحت بأطراف البنان مدامعي
فعادت خضاباً بالكفوف كما ترى
لعمرك اني بين قومي كريمةاصول اصولي الزاكيات شهيرة
ولم ير من عاهدت في مريبةفلم سئت طنأبي واني بريئة
من الظن فارجع لا يغرك افترا
وله من أبيات قوله
الأهل لظل من سعاد ظليلوهل في رباها للمشوق مقيل
وهل نهلة من نهلة طاب وردهلدفع صدى الصادي يرد غليل
وشوقاً إلى سلمى ومغنى جمالهافهل لا إلى تلك الربوع بسبيل
بليلي ولبني ثم دعد وحاجرونعمي ومي لا تخله يزول
بثنية مع سعدى هما الغيد والمهالهن وداد لست عنه أحول
فزينب حبي والرباب سميرتيلهم زادت أشواقي وعز وصول
لقد حرمت عيناي طول رقادهاوناهيك ليل المغرمين طويل
ألم يأن للأحباب أن يرحموننيلمن في سويداه اللهيب جزيل
فما كل من قد يعي الحب صادقولا كل خدن للعثار مقيل
وهي طويلة وكتب إلى الشيخ محمد بن عيسى المذكور في أول الترجمة مؤرخاً يهنيه بعد خروجه من خلوته بقوله
يا اماماً تهنى في خلواتكوتمتع بالسعد في جلواتك
يا سقى الله غيث رحماه نادفيه نشر القبول من أوقاتك
ورعى الله خلوة بك زأنتزانها الفضل والتقى من سماتك
يا ابن من قد رقى مقاماً علياًكملت منه نرات صفاتك
نظرة منك يبتغيها محبفعساه يمد من نفحاتك
ليس يدعي لنظرة هي تسقيظمأي من رحيق فيض فراتك
دمت في نعمة من الذكر تسمووليكن في الأمان تاريخ ذاتك
وله غير ذلك من النظم والنثر وفي سنة ست عشرة ومائة وألف صار كتخدا جند الينكجرية فمدحه يهنيه عند ذلك الأديب عبد الحي ابن الطويل المعروف بالخال بقوله ومطلع القصيدة
لاموا ولكنهم لو عاينوا عذروابل انهم عجلوا في اللوم ما صبروا
والله لو شاهدوا أوصافه وجمواعن نطق ميم ملام فيه وانبهروا
هذا الذي فعلت أسياف مقلتهفعل المنايا إذا ما صادف القدر
عجبت من فعل الحاظ له فتكتمع ان أجفانه من نظرتي انكسروا
لا سومحت أعين للغيد انهمجاروا على القلب لما نحوه نظروا
كجور دهري الذي آراؤه انعكستكأنما قد غدا في سفله البصر
إذ الاسافل ملحوظون فيه بمايسرهم والأعالي عيشهم كدر
ابن اللئام من الانعام مشتهروابن الكرام من الاعدام مستتر
فذاك أمواله أنسته فطرتهوذا أماليه منها القلب ينفطر
سبحانه لا اعتراض في ارادتهولا على فعل هذا الوقت مصطبر
لكن ذكرى لجور الدهر تسليةلمن له الدهر والأيام قد غدروا
يا دهر اذ لم تباين عنك فاقرهأشكوك مولى إليه أنت تفتقر
الكامل الندب من أوصافه اشتهرتفي الكون حتى غدت تتلى وتستطر
الأريحي الذي فاقت مكارمهسيل التلاع ومنها يستحي المطر
اللوذعي ذكي القلب طيبهالألمعي الذي ألفاظه درر
طلاع طود المعالي حين تقصر عنصعوده الصيد والأوهام والفكر
سهل العريكة دارت حوله أسدكأنه الماء قد حفت به الشرر
ان قيل من ذا الذي تعني أقول لهمحسين ابن الموسى الباسل الذمر
سليل قوم بنوا للمجد أبنيةتعلو على الشمس اذ من دونها القمر
ما قصروا في اكتساب المكرمات ولاتمهلوا بل على نيل العلى اقتصروا
هم الكماة السراة الصيد ان وعدواوفوا وعفوا إذا ما شمتهم قدروا
ونشر طيب ثناهم دائماً أبداًكالمسك والمدح فيهم طيب عطر
منها
على منها كبهم سمر مثققةترى المنايا بها للعمر تنتظر
وفي أكفهم بيض إذا لمعتانستك لمع بريق الغور ان شهروا
ترى المذاكي لهم من تحتهم ضبحكنفخة الصورى لما تبعث الصور
وامتدحه غيره من الأدباء وبينه وبينهم كأنت مراسلات شعرية أدبية ومطارحات ومدائح سنية فلا حاجة للتطويل ولم يزل المترجم لمناهج أسلافه يقتفي ماجداً أديباً ممدوحاً جواداً رئيساً حتى توفي وبالجملة فقد كان من رؤساء الأجناد أرباب المعارف ونبل بيتهم وسراج ليلهم وصبح دجاهم وغرة وجههم وكأنت وفاته في سابع شعبان سنة اثنين وثلاثين ومائة وألف ودفن بتربة مسجد النارنج بالميدان رحمه الله تعالى.
النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع